عن الذى يلاحق الفراشات

أخبار الأدب
أخبار الأدب


إسلام على
 

العذوبة حالة حار فى وصفها الشعر لكنى وجدت إجابتى فى ابتسامة تمايل معها قلب يدرك للوهلة الأولى معنى النغم وطعم الهواء الطلق.. طلت بالأبيض.. ليس بفستان عروس تُزف إلى عاشقها ولكن طبيبة ترتدى بالطو بلون يميز الحليب والصباحات الملائكية خرجت من المعمل المجاور للصيدلية التى أعمل بها لشراء شىء ما.

وكانت هناك التفاتة منى بفعل المصادفة فانقشعت السحب وبان القمر جليا.. تحية منها ذاب على إثرها حزن سنوات كبحار وقع بأسر البحر، أزمنة ظن أن اليابسة حلم بعيد المنال لكنه ذات فجر وجد الجنة بانتظاره.

تلجَّم اللسان بفعل النظرة الآسرة واحتار القلب فى اختيار كلمات لمبادلتها التحية.. مثلها أنا طبيب أوصف مخففات الألم والمضادات الحيوية وعلاجات الاكتئاب.. إذا قمت بتقطير تلك الابتسامة فسينتهى وجع العالم.. شىء ما يؤكد لى ذلك.. اعتدنا التلاقى وتبادل الحديث وشراء الحلويات من محل يجاورنا.. تدنو منى فكرة البوح لمواعدتها، أقاومها باستبسال خشية أن أفقد طعم الفرح فى لقياها كل صباح. 

الدفء لحظة لقاء بين الغريب والوطن وكنت ضالا بأروقة البرد بروح اعتادت الحزن وجسد ألف الوحدة.. أنهت قراءة قصتها على المنصة فارتفعت الأكف بالتصفيق إعجابا.. لا أعلم بسبب جودة ما تكتبه أم بصوتها الدافئ كنهار شتوى اشتاق لضوء الشمس بعد ليال ممطرة طويلة.. شهرزاد.. تدون قصصها فى مجموعات قصصية وكنت شهريارا أذوب فى تفاصيل الأسطر مأخوذا بحالة نصوصها ومعانى الكلمات.. عن أى واقعية سحرية يتحدثون وهى السحر الكامن فى المنامات والصحو.. تحدثت معها بعد الندوة داعيا إياها إلى فنجان من القهوة فاعتذرت.. تعددت اللقاءات فى الملتقى الثقافى الأسبوعى لكن محاولات المواعدة باتت مخيبة لآمال القلب فانطوى فى عزلته يلملم شتات نفس منثورة.. متسائلا.. هل ستدفئ شهرزاد قلب شهريارها يوما.. لربما تكون هى قصتى الجديدة.. أكتبها على الملأ وأنثرها على أسماع الأصدقاء. 

كيميائية.. تصر على تلك التسمية بفخر وأنت صيدلانى ولست طبيباً.. متى تحرت انتقاء الألفاظ الصحيحة وكأن اللغة تنساب على شفتيها كالغناء.

ألحُّ فى طلبى لدعوتها إلى لقاء فترفض باستماتة.. ليس بيننا صفة - وماذا أقول لأهلى. 

رددت بلا اكتراث: 

- قولى لهم بأنك توصلين نتيجة تحليل أحد العملاء.

ردت:

- أوصل نتيجة تحاليل فى كافيتريا على البحر!

تتعجب كطلقة ارتقت الأرجوحة للمرة الأولى مثل الأرجوحة التى كانت لدينا فى بيتى القديم لكنها لم تكن تعجبنى، كنت أظنها لعبة للفتيات فقط.. أحببت الفراشات منذ أن رأيتها للمرة الأولى تتملكنى الرغبة فى ملاحقتها.. زاهية الألوان، تخطف العين من عذوبة جمالها.. تحاول الهرب وأنا أركض خلفها مستمتعا.. تتظاهر فتاتى بالتمنع وفى قرارة نفسها رغبة فى أن تلتحم شفتانا بقبلة محمومة.. يهيأ لى بأن اللقاء بيننا قد اقترب.. أجول فى حديقة بيتنا طفلا أدرك الإمساك بفراشة حطت فوق أوراق وردة بمنتصف الحديقة.. أتردد بين أن أطبق يدى عليها وبين تركها حرة طليقة.. قالت لى فتاة القمر:

- بعد يومين، العاشرة صباحا فى مقهى قريب من مكان عملنا حتى لا نتأخر.

أطبق يدى على الفراشة بنجاح وكل محاولاتها للفكاك باءت بالفشل.

إن مواعدة الكاتبات ليس بالأمر السهل لكنه ليس مستحيلا.. خصوصا لو كانت كاتبة تظن بأن قلمها مرصع بالألماس، فخورة بفعل الحكى الذى يستطيع أن يجذب أسماع الرجال وقلوبهم وعقولهم على السواء.. لا بد من نسخة مطورة من شهرزاد هكذا كانت تقول دوما.. صعدت الدافئة إلى المنصة لإلقاء قصة فى الملتقى الأسبوعى الذى اعتدت حضوره.. هل لميولى الأدبية التى ظهرت فجأة أم هى فراشة أخرى لاحقتها عيناى.. فراشة المساء تراوغنى.. تتعلل بعدم الرغبة فى الارتباط وكنت لا أملُّ الملاحقة.. أعرف أنها سوف تستقر فوق أوراق زهرة يوما.. تلتقط أنفاسها قبل أن تحاول الهرب مجددا.. لكنى لها بالمرصاد.. الكتاب الذى تبحثين عنه لدىَّ.. لربما نلتقى مساء غد فى مقهى قريب.. أنا لا أحاول المواعدة سأعطيك الكتاب وسأنصرف، لدىَّ موعد هام ولا أريد التأخر.

تعاود كاتبتى الابتسام بينما أحكم يدى على فراشتى التى عجزت عن الحركة.

سرعان ما أدرك طفل الحديقة بأنها متعة وقتية ما تنتهى ليبحث عن أخرى جديدة، ملَّ من ملاحقة الفراشات، ابتعد عن دائرة الورود والزهور رغم البرد والوحدة.. زادت الفراشات فى حديقة منزله لكنه فقد الرغبة حتى فى الاقتراب.. يده الصغيرة الممتلئة بآثار مقاومتهن وعضاتها فى بعض الأحيان.. التفت للأرجوحة التى أهملها لسنوات، كان يحركها الهواء جيئة وذهابا.. أثارته فتقدم نحوها محاولا ركوبها.. آلمه الإمساك بحبالها لكن لم يهتم.. حاول دفع نفسه واجهته صعوبة فى البداية لكنه نجح.. تقترب منه بعض الفراشات على استحياء، تذكره بشغف الملاحقة لكنه لأول مرة كان يدرك بعض السعادة التى انتابته وهو يطير بالأرجوحة وحيدا.