علاء خالد
كما أعدتُ قراءة روايات إدوار الخراط عن الإسكندرية: «ترابها زعفران»، «يا بنات إسكندرية»، و«إسكندريتى»، التى تدور حول ذكريات طفولته وشبابه فى المدينة؛ أستعيد تلك التساؤلات القديمة من أول قراءة لى لإدوار الخراط، حول نقطتين بارزتين فى تلك الروايات، وغيرها بالطبع.
النقطة الأولى: تدور حول علاقته بالمرأة، حيث كان يعيش وينتقل ويتلصص داخل عالم من النساء، قليل الرجال.
والنقطة الأخرى: هى استخدامه للغة، من حيث الإفراط فى استعمال المفردات الخارجة من القاموس، ومن ثمَّ الأسلوب.
أتوقف دائماً أمام استخدام إدوار الخراط للغة؛ هناك بحر واسع من المفردات غير المألوفة، والتراكيب البلاغية التى تميل للشعرية، جميعها تصب فى رغبته فى صناعة «نص» حسى مفارق، له عدة طبقات، يعيد تجسيد هذا الزمن المستعاد. وليس غريباً أن يكون البطل فى رواية أخرى، «رامة والتنين» -خارج هذا النسيج المشغول من التذكر- عالم آثار، يعيد اكتشاف طبقات التاريخ والماضى من خلال الأثر، فالذاكرة هنا هى الأثر، والنص هو متحف هذه الآثار.
ربما لا أنفعل بهذه الطريقة فى الكتابة، بالرغم من هذا الزخم والذبذبات والنوايا البلاغية التى تشى بها، ولكن أرى رغبة الكاتب التى تقف وراءها، فى نقل حسّية هذا العالم الطفولي، مادة وروحاً. ومن خلال هذه الحسية، يتم نقل تجربة جسده المنقسم بين ماديته العابرة وروحه الخالدة، وهى إحدى منابع العذابات للروائى إدوار الخراط، والتى يجسدها فى أكثر من نص روائي. هذا الجسد/ السؤال الذى حمله الكاتب، والذى صدّره فى أكثر من نص حاملاً لأسئلة كبرى، تدور على عتبات المفارقة والعذاب الوجودى بين المحدود واللامحدود، النسبى والمطلق، وبين الفناء والخلود.
يؤطر هذا التناقض بين المحدود واللامحدود تجربة الراوى الحسية فى كل مراحل حياته المستعادة عبر التذكر. فالجسد، بوصفه مادة وروحاً متداخلين، هو الوسيط لملامسة تجربة الحياة. وأى من نصوص/ تجارب إدوار الخراط حول طفولته، أو نصوصه الأخرى، يريد منها بعث هذه الحياة التى مرت بكل أبعادها؛ يعيد تجسيم الماضي، كمادة وروح، بإحاطته -واقعة الماضي- بالأوصاف الدقيقة والمفردات القاموسية، والروائح، والتواريخ، وأسماء الأماكن، عبر هذا التذكر.
أحياناً تنحو هذه الممارسة المفرطة للبلاغة، من أجل نقل رغبته فى تجسيد تجربة الماضي، إلى أن تتحول إلى سطح عازل للتجربة ذاتها، لتتحول وقائع الماضى إلى هيكل وصفي، يعيد المشهد دون دلالاته، فتتوه التجربة التى تقف وراءها، مهما كثرت الروائح أو الأطوار التى تمر عبرها. تُغلف اللغة بحجاب سطحى سميك غير قابل للاختراق، يصبح هو الهدف منها، وهنا ربما يتحقق بالنسبة للمنظّر إدوار الخراط مفهوم النص السيميائي، كسطح من الإشارات والعلامات التى تعزل التجربة الإنسانية الحية، ويتحول النص إلى تجربة موازية مكتفية بذاتها.
فى نصوصه الروائية، على سبيل المثال «ترابها زعفران» التى تدور أحداثها فى إسكندرية الثلاثينيات والأربعينيات، حيث فترة طفولة الراوى التى قضاها فى حى «غيط العنب»؛ يرغب الكاتب فى صك لغة حسية جريئة فى منحاها الجنسى الصريح، وأيضاً فى مزجها الدقيق بين العامية والفصحى. ينحو ناحية لغة متقشفة خبرية تقدر على وصف أدق التفاصيل، كى يمسك بتلابيب المشهد أو الواقعة كمبنى ومعنى، ولكن ربما الحشد المفرط من التفاصيل جعل اللغة فى الرواية تتحول إلى قاموس/ مرجع مرشد فاقد لخصوصيته، لا يعمل لصالح تجسيد الشخصية أو الحدث، أو زمنهما، بل لرفع الشخصية أو الحدث إلى مكان المبالغة أو التقديس البلاغى فقط. اللغة القاموسية جزء من مفهوم قداسة «النص»، كون القاموس هو المرجع اللغوى الذى نعود إليه لنفحص أو نتأكد أو نستزيد أو نقارن.
هناك علاقة بين الإفراط فى التفاصيل واستحالة استعادتها؛ هذا الإفراط جزء من عجز اللغة ذاتها، وتثبت هذه الاستحالة، التى هى مبدأ أساسى عند إدوار، أن هناك استحالة فى استعادة التجربة أو تدوينها، فالنص المدون هو ناتج هذا العجز، لهذه الثنائية بين الذاكرة والكتابة، فالنص المدون هو بديل التجربة.
اللغة جزء أساسى من لعبة «النص» التى يحرص عليها الكاتب، ليس فقط من أجل الوصول إلى الوضوح والدقة أو حتى لارتقاء مستويات متجاوزة فى الشعرية، ربما هناك هدف آخر يشكل تركيبها وطريقة تخليقها، هو التحدى للجنس الروائى ذاته، وللروائيين الآخرين، مثلما فعل جيمس جويس فى لغة «عوليس»، التى تسحب فى ركابها ألغازاً ورموزاً ونصوصاً أخرى، مقدسة وغير مقدسة، تحولها إلى نص متصاعد له إيقاع متفرد لحضورات عديدة ومتنوعة للغة.
فى نص «ترابها زعفران» هناك تحدٍ باللغة يقوم به إدوار الخراط. تنوع إيقاعاتها يصل بنا إلى تصور أوركسترالى تتوزع فيه آلات اللغة وتتداخل مع بعضها البعض. هناك شرود أحياناً وتفوق للغة وانفصالها عن مضمونها، بوصفها هى مضموناً قائماً بذاته، مع عزف منفرد لتجلياتها الذاتية وهمهماتها، ثم عودة للمجموع الأوركسترالى للحكاية، وهكذا نشأ إيقاع النص.
هناك إرادة من إدوار فى صنع «نص متفرد»، خالد، عابر للنوع، عبر توزيع متعمد لإيقاعات وأشكال مختلفة من روحية/ حسية اللغة، أو بمعنى آخر عبر استنزاف جسدانية اللغة.
قاموسية اللغة لها علاقة بتحدٍ من الكاتب بصك نص أصلى عن المدينة، مقارنة بالنصوص التى كتبت عنها، فالمدينة مكان نزاع مع غيره، كما الأجساد مكان نزاع داخلي. ربما لورانس داريل، الذى يخصص إدوار عدة صفحات لنقد تصوره عن المدينة فى مقدمة كتاب «إسكندريتي»، يوضح هذا الجانب، مع الاحتفاظ بتقديره لأهمية لورانس داريل ولغته فى الأدب العالمي، ولكن تلحظ فى «يا بنات إسكندرية» و«ترابها زعفران» و«إسكندريتي» تحويل المدينة إلى كائن لغوى مغوٍ، مقدس ومتنازع عليه، كأنه امرأة.
فى «ترابها زعفران» يعيش الطفل مع عائلة أمومية أغلب أعضائها من النساء. المرأة فى هذه الرواية مثل امرأة «نشيد الإنشاد» للنبى سليمان، مكشوفة ومباحة جسدياً لعين هذا الطفل المتلصص. هناك وصف حسى صريح لأعضاء وزوايا من أجساد النساء اللاتى يحطن به، ويتكرر هذا أيضاً فى رواية «يا بنات إسكندرية»، حيث التجربة للراوى الشاب المراهق. ولكن، فى كليهما هناك إطار مقدس يصبغ هذا التعامل المادي؛ ربما عين الطفل هى التى تمنح النص هذه القداسة، فزمن الطفولة مقدس مهما كان حجم ذنوبه أو وقاحته، فالاشتهاء المكتوم يتحول مع مرور الزمن إلى إحساس بالقداسة، حيث يجتمع الحب مع الذنب مع الذكرى، التلصص مع المتعة مع التذكر. فالجهل بالطرف الآخر من الحياة، من طرف هذا الطفل الخالد، يمنحه الصلاحية فى أن يعيش هذا الزمن ويمرر رغباته تحت حراسة هذا الخلود الجاهل، الذى سيعيد الراوى العليم بعد ذلك النظر فيه. أو ربما مرور الزمن هو الذى يمنح هذه الذكريات ماديتها وروحيتها فى آن.
كل الأبواب كانت مفتوحة أمام هذا الطفل المتلصص على العالم الداخلى للنساء، بحرية ودون محرمات، لذا تلمح ذكورية هذا الطفل المبكرة. تشعر أن من يصف هذا العالم وهذه الأجساد، بهذه الدقة، ليست عين الطفل إدوار الخراط، ولكن عين الرجل/ الذكر. ربما هذا الولع فى استعادة الطفولة من هذا الجانب يخفى وراءه انحيازاً وصراعاً لم يحسم مع الطرف الآخر، صراعاً سيأخذ بعد ذلك فى رواياته الأخرى شكل الإيمان والخضوع لهذا الجانب الذكورى/ الصوفى المهزوم فى نفسه، كما فى «رامة والتنين» و«الزمن الآخر».
«ترابها زعفران» نص له طموح دينى شامل، يحاول أن يعانق حقيقة كلية عبر اللغة وليست التجربة. جملة «نصوص إسكندرانية» (العنوان الفرعى لهذه الرواية) دقيقة تماماً، بوصف «النص» وحدة مغلقة، محملة بالدلالات والرموز، تتوفر المعرفة من داخله، كالحقيقة الصوفية، بعكس مفهوم «الرواية» المنفتح الذى يتكون من تقاطع عدة نصوص كما هو واضح فى مسار الرواية وتقسيمها.
هناك أصداء لنص «نشيد الإنشاد»، كمنهج فى استخدام اللغة عند إدوار، بتلك الحسية المتجسدة فى ثوب ديني، وهذه هى المفارقة التى أقام عليها الخراط رؤيته لذاكرته الطفولية؛ أن الحسية مغلفة بحس صوفي، سواء فى حديثه عن مدينة الإسكندرية أو عن النساء، الاثنان مرتبطان لا شك فى نصوصه، بعيداً عن عالم الرجال الذى لا يشكل حضوره إلا هامشاً لهذا النص النسوى المركزي.
فى لغة إدوار الخراط يمتزج الشبق الجنسى المكتوم مع القداسة. القداسة تتخلل هذه «الحسية» التى تفرضها اللغة المستخدمة وليس التجربة، فالطفل يرى من بعيد، وليست له تجارب بعد فى عالم النساء. والتلصص ليس إلا وسيلة لتخزين التجربة وإحالتها للمستقبل، أما فى الماضى فالتجربة قائمة على التخيل. لا ينطبق هذا التوصيف على امرأة بعينها، ولكنه ينطبق حتى على النساء العاديات اللاتى يسيطرن على فضاء الرواية بوجودهن، ودائماً ما يستبقى من ذكرياته معهن ذكرى هذه الحسية، وهذا الجزء الحميم من أجسادهن الذى التصق بجسده. يحاول إدوار أن يبنى بهذه اللغة البلاغية تجربة حسية باستدعاء الروائح والأوصاف وغيرها، دون النفاذ لما هو أبعد من هذا السطح اللغوي.
هذه الحسية التى يصف بها عالم نساء الطفولة والمراهقة، تجمع بين النساء المتعددات، كالمدينة كما يراها: المسلمة والقبطية والأجنبية. عالم منسجم بدون تمييز، رغبة الاكتمال التى لا تتحقق إلا فى وجود الآخر المختلف، الذى يمنح الذات ثقة فى تمثيله لجماعة إنسانية وليس لجماعة دينية. يبدأ بعدها الراوى فى الانتقال بهذه الحسية (ديمقراطية الاختيار) إلى وصف المدينة، التى تقع كتجربة بين عالم الرجال والنساء.
تحول المكان الذى يسكنه الراوى فى حى «راغب» -والذى يعتبر «الجيتو» القبطى فى المدينة- إلى مكان ممثل للإسكندرية المتعددة، ولمصر كلها، بسبب هذه الرغبة الديمقراطية، وتحول الكاتب بالضرورة إلى أغلبية وليس هامشاً. فحبه للمسلمات، على سبيل المثال، ليس له علاقة بالحسية أو الشهوانية بقدر ما هو تفسير لمعنى حب الآخر المختلف، المستحيل نيله، ومن هنا تتولد الاستحالة والجاذبية فى آن.
فى نص «إسكندريتي» تتحول المدينة إلى أنثى صريحة؛ يكتب: «رخام وجهك المكسور وجسدك القائم شامخاً ومليئاً رغم الانحدار». فى بداية هذا النص، ومن كثرة ذكر أسماء الأماكن والتواريخ والفلسفات التى مرت على المدينة، والأساطير المرتبطة بها، شعرت برغبة الكاتب الذكورية فى الاستيلاء على هذه المدينة/ المرأة وتاريخها. تشعر بالنزاع حولها، استعادة للمدينة من المستعمِر/ المستشرق كما يرى إدوار الخراط فى توصيفه ونقده لداريل ورباعيته عن المدينة فى مقدمة «إسكندريتي».
لا يعبّر عن مفهوم المدينة وحبه واشتهائه لها إلا أيضاً عبر مفهوم الاستحالة. فهذه الثنائيات التى يتحدث عنها دائماً، والتى يعيش بينها معذباً، كالخلود والفناء اللذين يذكرهما دائماً، هى التى تولد المستحيلات وناتجاً لها. وربما المرأة ومحاولة فهمها، كمستحيل، ينضم إلى مستحيل المدينة. كلاهما، المدينة والمرأة، مستحيل خالد غير قابل للتمثل أو التماهى معه. ربما يشعر البطل الراوى فقط بعبوره المؤقت، بمحدوديته، بعدم خلوده، فلا يرى طريقاً لخلوده سوى بالموت، ليتحول البطل إلى شهيد، كما أصبح «ميخائيل» فى «رامة والتنين».
محدودية البطل الكاتب أمام لا محدودية المدينة بوصفها ملكية خاصة، ولّدت هذا الإحساس بالمستحيل، ولكن لا ننسى أن هناك رغبة وراءه فى خلوده ككاتب، كأحد الكتاب الخالدين الذين كتبوا عن أسطورة المدينة المقدسة؛ فالانتساب لها يمنح مسحة من خلودها.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







