إعداد وترجمة: ياسمين يحيى
تكشف مراسلات إنجبورج باخمان وماكس فريش كيف تبادل الحب كاتبان استثنائيان، وتبادلا سوء الفهم، وألحق كل منهما الأذى بالآخر. لقد جاءت هذه المراسلات لتحطم بعض الأساطير وتكشف ما لم يكن معروفًا قبلها.
استمرت العلاقة العاطفية والسامة بين باخمان وماكس فرِيش من يوليو 1958 وانتهت فى ربيع عام 1963 بالانفصال، وقد دار حول علاقتهما جدل كبير فى الأوساط الأدبية، حيث صُوِّر فريش فى دور «الشرير»، فيما نظر الناس إلى باخمان باعتبارها «الضحية»، وهناك عمل تحقيقى جديد بقلم ديتر كالتفاسر، يطالب بتصحيح النظرة إلى هذه العلاقة المأساوية بين الشاعرة النمساوية الحائزة على الجوائز والكاتب السويسرى الناجح.
نشر كلٌّ من هانس هولر، وريناته لانجر، وتوماس شترسله، وباربرا فيدمان رسائل العاشقين تحت عنوان «لم نحسن التصرف»، وأرفقوا معها رسائل من أقارب وأصدقاء ومعارف، إضافة إلى التعليقات الغنية والموسعة على الرسائل؛ وهو إنجاز تحريرى كبير؛ إذ أُتيح نشر هذه المراسلات بعد أن وافق أشقاء إنجبورج باخمان على إتاحتها، لأنها سبق أن رفضت نشرها وهى على قيد الحياة.
التقى الثنائى لأول مرة فى باريس فى 3 يوليو 1958، وكانت باخمان تبلغ آنذاك 32 عامًا، وكان عمر فريش 47 عامًا، وسرعان ما وقعا فى الحب، بحسب ما تُظهر الرسائل المتبادلة فى بدايات العلاقة، لكن هناك سابق معرفة بينهما قبل اللقاء الشخصى بالفعل؛ إذ كان فريش منبهرًا بشعر باخمان، كما كتب فى يوليو 1957 إلى مادلينه زايجنر شريكته آنذاك: «قرأت قصائد إنجبورج باخمان، التى أراها –بقدر ما تنكشف لي– مهمة ورائعة»، وقبل عيد الميلاد بقليل من العام نفسه أوصى بديوانها «الزمن المؤجل» فى المجلة الليبرالية اليسارية «دى فيلتفوخه»، ضمن زاوية اقتراحات كتب للهدايا.
لقد نُقل عن إنجبورج أنها شاركت فى نقاشات ليلية طويلة حول رواية فريش «هومو فابير»، كما كتب أحد المشاركين فى تلك النقاشات إلى الكاتب: «هذا الكتاب لا يتركنا، ربما أخبرك هولتهوزن أننا فى إحدى الليالى تحدثنا مع إنجبورج باخمان حتى الثالثة صباحًا تقريبًا ولم نكن نتحدث إلا عن فابير»، وكان فريش قد استمع فى إذاعة NDR فى هامبورج إلى مسرحية باخمان الإذاعية «الإله الطيب من مانهاتن» قبل بثها، وكتب لها فورًا رسالة لم تُحفظ، وفى روايته «مونتاوك» يعيد ذكر محتوى تلك الرسالة: «... كم هو جيد، وكم هو مهم أن يعبر الطرف الآخر -المرأة- عن نفسه»، ويضيف: «نحتاج إلى تصوير الرجل من وجهة نظر المرأة، وإلى تعبير المرأة عن نفسها».
تلقى فريش ردًا فاجأه؛ إذ قالت إنجبورج إنها فى طريقها إلى باريس، وإنها ستمر عبر زيورخ ويمكنها أن تبقى هناك ليومين أو ثلاثة أو حتى أربعة أيام، لكن اللقاء لم يتم حينها، إذ ذهب فريش إلى إسبانيا، ولم ير رسالتها إلا بعد عودته، وقد التقيا لأول مرة بعد ذلك بقليل فى باريس، حيث كانت باخمان تقيم فترة عمل طويلة، فيما زار فريش المدينة بسبب عروض مسرحياته فى «مسرح الأمم».
وبعد يومين فقط من اللقاء الأول وبداية العلاقة فى 3 يوليو، سأل فريش فى إحدى رسائله: «ما الذى يحدث؟ أنتظر وأقلق، لا أجد إشارة، هل تريدين أن نختفى من حياة بعضنا البعض؟»، وفى 6 يوليو يكتب: «أحب امرأة تحبنى، وأنتِ تدخلين حياتى يا إنجبورج كملاَكٍ خُشى مجيئه طويلًا، يسأل: نعم أم لا؟ وأنا سعيد وحائر وجبان إلى درجة تمنعنى من التفكير فى ما بعد هذه اللحظة».
وبذلك تتحدد بالفعل النبرة التى ستستمر خلال السنوات الأربع التالية من هذه العلاقة؛ إذ كثيرًا ما كان الحديث فيها يدور حول الانفصال، وبعد اللقاء فى باريس حدثت لقاءات لعدة أيام فى زيورخ، انتهت فى البداية بالانفصال، بسبب العلاقة القائمة بين فريش ومادلينه زايجنر، وهكذا بدا أن بدء علاقتهما هو أيضًا بداية قدرهما؛ إذ تحولت علاقة حب عاطفية إلى «استحالة مروعة»، كما وصفتها باخمان فى إحدى رسائلها.
تتذكر الكاتبة فى روايتها «مالينا» ذلك الثالث من يوليو باضطراب، إذ تصفه بأنه «يوم فارغ أو مسلوب أيضًا»، «كبرتُ فيه فى السن، ولم أدافع عن نفسى، وتركت شيئًا يحدث»، وفى التعليق يُذكر أن «باخمان لم تكن ضحية عاجزة أمام إصرار فريش، كما قد توحى هذه الفقرة»، إذ تكشف المراسلات عن دورها الفاعل فى بداية العلاقة، وقد وصفت روايتها «مالينا» بأنها «سيرة ذاتية صراحةً، لكنها ليست بالمعنى التقليدي؛ إنها سيرة ذاتية ذهنية ومتخيلة، هذه الوجودية الليلية لا علاقة لها بالسيرة الذاتية المعتادة التى تُروى فيها حياة الناس وقصصهم».
فى يونيو 1959 سافرت باخمان مع هانس ماجنوس إنتسنزبرجر إلى روما، حيث بدأت علاقة معه، ولاحقًا عاش فريش وباخمان معًا فى روما وفى أوتيكون على بحيرة زيورخ، وخلال «اتفاقية البندقية» عام 1960 -التى قضت بالسماح بوجود علاقات جنسية خارج إطار علاقتهما، بشرط عدم تهديد الحب بينهما-، وفى مارس 1962 التقت باخمان بالناقد الأدبى الإيطالى باولو كييارينى، الذى خاضت معه لاحقًا علاقة عاطفية، وفى روما حدثت خلافات حادة بينها وبين فريش، حتى سافرا معًا بالسيارة فى نهاية يوليو إلى أوتيكون، وفى سبتمبر 1962 بدأت علاقة فريش بماريانه أولرس، التى زارها أيضًا فى ميونخ، وفى يونيو 1963 حدثت اللقاءات الأخيرة بين فريش وباخمان فى روما، وفى اللقاء الأخير غير المخطط له كانت ماريانه أولرس حاضرة، وهى زوجته المستقبلية.
وفى 17 أكتوبر 1973 توفيت فى مستشفى بروما متأثرة بحروقها التى أصيبت بها فى شقتها فى فيلا جيوليا، يُقال إن الحريق نجم عن سيجارة مشتعلة، وربما توفيت أيضًا نتيجة اعتمادها على الأدوية أو بسبب انسحاب حاد، لأن الأطباء لم يتعرفوا على إدمانها أو تأخروا فى علاجه، وهكذا توفيت إنجبورج باخمان عن عمر ناهز الـ 47 عامًا فقط.
«يا وحشى الحبيب»
على قدر ما سيكون إشكاليًا تفسير هذه العلاقة تفسيرًا غائيًا انطلاقًا من نهايتها بوصفها كارثة محتومة، فإنه من الخطأ بالمثل النظر إلى الرسائل المتبادلة بين باخمان وفريش على أنها مادة تقدم معلومات ترضى الفضول السيرذاتى، وما يجعل صدور هذه الرسائل حدثًا هو مستواها الأدبى، فهنا يحاول كاتبان العثور على تعبير لغوى لدراما حياتهما الخاصة، ولعلهما يحاولان الصمود أمام النظرة الأدبية الفاحصة للآخر، تمامًا كما فعلت إنجبورج باخمان فى واحدة من أوائل الرسائل فى يوليو 1958:
من إنجبورج باخمان إلى ماكس فريش، نابولى، 28 يوليو. 1958.
نابولى، فى 28 يوليو 1958
وصل الخطابان فى هذا الصباح الباكر، وقد قرأتهما على ضوء شمس الصباح خارج المنزل، وبيدى آخر فنجان شاى من فطورى، كأن الشروق الذى يملأ الدنيا من حولى بإمكانه تبديد وخزة الحزن الأولى واحتوائها، لكننى الآن عدت إلى غرفتى، التى أظن أنها تبدو تمامًا كما تتصورها أنت.
قل لى، هل ينبغى أن أحررك منى تمامًا، أن أخبرك بأنكَ لست مضطرًا للكتابة إليّ بعد الآن، أو أنك لن تضطر قريبًا إلى...، إلى الكتابة «عنا»، كما تفعل حتى الآن؟
تعكس المرآة صورة مضللة للغاية، أليس كذلك؟ فالواحد منا لا يعرف حقًا كيف يبدو، لكننى لا أستطيع أن أظهر فيها هكذا؛ فى الواقع ليس لديّ أى صورة معقولة عن نفسى، لا أعرف ما هذا الذى يجعلنى، وأنا وحدى، أعرف بوضوح متزايد كيف أتلاشى بداخلك، وكيف كنتَ منذ البداية ضائعًا فى نظرى، وكيف وقفت بحزم ضدى، وأن مادلينه هى أقل من يعرف ذلك؛ لا بد أنها ستجد الأمر مروعًا، ومن الذى سيخبرها؟ فأنت أقل الناس قدرةً على إقناعها، والآن بعدما صرت لا أعلق أى أمل، وأصبحت أحيانًا أفكر، حتى أمام نفسى، فى أيام أبعد تكون فيها محرَّمًا على، أتمنى أن أرى مادلينه أيضًا؛ فبوسعى فعلها الآن، كما أود أن أمر مجددًا، أن أدخل الشقة وأن أنطق باسمك، لكى يكون واقعًا منطوقًا، وأتساءل أيضًا إن كنت سأرزق بطفل، لا بقلق، ولا بفكرة أن ذلك يمكن أن يغيّر شيئًا بيننا؛ لذلك لا حاجة لنا إلى التحدث فى هذا الأمر مرة أخرى.
أنا سعيدة لأنك تعمل، وستكتسب «أندورا» لغتها مع الوقت؛ لا يمكن لكل شيء أن يأتى بهذه السرعة، والأهم تقريبًا أنك أصبحت قادرًا على العمل بالفعل، أما أنا فما زلت لم أنتهِ من أعمال النسخ المتراكمة، ومن معالجة نص، ومن مقال وعَدتُ بكتابته، سيصبح الأمر قريبًا على ما يرام؛ لقد أعطيت نفسى مهلة حتى الأول من أغسطس.
أفكر فى عنوان مسرحية أندورا، وسأكتب لك خلال الأسبوع بعض الاقتراحات، حتى السخيفة منها، فأنت تعرف الحال؛ إذ قد يقودك ذلك إلى ما هو أفضل، حتى لو لم يصلح أيٌّ من تلك المقترحات، اكتب لى أيضًا خواطرك!
فى المساء والليل، لأننى كثيرًا ما يستبد بى الأرق، أنزلق من التفكير فى ذاتى إلى التأمل فى الأمور عامةً، وفى كل ما ارتسم حتى الآن، فأصطدم بشيء لا أستطيع تخيله.
أنت تقول: «يمكن للمرء أن يكون ميتًا، ومع ذلك يظل واقفًا هكذا كما هو الآن»، وفى موضع آخر تقول: «إنك لا تعرف ما إذا كنت تشتاق إليّ أو إلى أى إنسان آخر أصلًا».
ويكاد قولك هذا يتطابق مع ما أفكر فيه؛ إنه تمرين على الفراغ؛ إذ يمكن للإنسان التخلى عن كل شيء تقريبًا، فليس من الضرورى أن يعيش فى مكان بعينه، ولا أن يعيش مع إنسان بعينه، لقد انتُزعَت منى روما ذات مرة، دائمًا ما يراودنى هذا التفكير فى مثل هذه الظروف، وفى ظل ظروف مروعة ظننت أننى لن أستطيع أبدًا العودة إلى المكان الوحيد الذى طالما اقتنعت به كـ «مكان» حقًا، مرضتُ أسابيع طويلة، وتعاقبت المصائب، فبعد الانهيار العصبى جاءت أمراض أكثر واقعية وملموسية، وفى النهاية شعرتُ بأننى ميتة من فرط اللامبالاة.
وبعد عام واحد عدت لأسكن روما مجددًا، لم يقل جمالها فى عينى قيد أنملة، وسعدت جدًا بالعودة إليها، لكن رافقنى شعور مؤلم فَقَد حدته، ومن دون أى إمكانية للاشتياق مجددًا إلى مكان بذلك القدر، أو الإيمان بمكان مطلق.. لست مريضة الآن، ولا يبدو عليّ شيء، لكننى أدرك أننى لست مضطرة إلى العيش معك، أو الذهاب إلى باريس، أو حتى إلى البقاء هنا، ويضاف إلى ذلك أننى كنت دائمًا فائضة عن الحاجة، وتلك بداية جيدة للبصيرة.
لو استطعت الكتابة، لو لم يتبدد كل شيء فى البرد، ولو أن النيران تشتعل فى الأوراق على الأقل، ولو لم نضطر إلى الاحتراق من داخلنا بلا كلمات، فعندها...
لكن ماذا عسانا نضع بعد «عندها»، إن لم يكن أملًا قديمًا، متنكرًا ومشوَّهًا فى زى البشر؟»
إنجبورج».
أوضح عالم الأدب رولاند بيربيج أن لـ باخمان بصمتها الخاصة فى كل مراسلاتها، وينطبق هذا القول أيضًا على رسائلها لـ «فريش»، فربما يمكن القول: إن جوهر الأمر يكمن هنا دائمًا فى صيغة النداء.
فصيغ النداء فى الأيام المشرقة تأتى على هذا النحو: «يا دبى العزيز» «يا أغلى ما أملك» «يا حبيب قلبي»،
وفى الرسالة التالية يلاحظ فريش بدقة صيغ التحية والوداع فى رسائل باخمان، حين صارت أكثر تحفظًا من ذى قبل، حيث تبدأ بـ «ماكس»، وتزيلها بتوقيعها «إنجبورج»، وهى إشارات توضح لـ «فريش» ديناميكية العلاقة فى الوقت الراهن.
ماكس فريش إلى إنجبورج باخمان، [أوتيكون]، 4 مايو 1959
نسخة كربونية
4 مايو 1959
آه يا إنجه، يا إنجهى، التى تخاطبنى بـ «عزيزى ماكس»، وتوقع بـ «إنجبورج»، أنا أتلظى فى اليأس؛ إذ أظن أن قلبى وحده هو الذى يمكن أن يتحجر أحيانًا، وأن لغتى وحدها هى التى قد تصبح بهذا الجفاف، أنا يائس حقًا، هل جعلتكِ بهذا القدر من الجفاء؟ إن عجزى عن إظهار مشاعرى، واكتفائى بالصمت بدلًا من أن أصرخ وأجثو وأتوسل، وعجزى عن إقناعكِ – ونحن فى قمة قربنا- بمدى حاجتى للمساعدة، فهذا كله خطئى.
انظرى، لقد ظللت أنا أيضًا فى انتظار إشارة منك يا إنجه، ويوم الخميس حين عدت إلى المنزل مبكرًا، علمت بوصول تلغرافك، لكننى كنت منهكًا تمامًا؛ واضطررت إلى الاستلقاء فورًا، لم أقو على الكتابة، ولم أستطع إلا أن أرقد، كم أشعر بالتقزز من اضطرارى للحديث معكِ كثيرًا عن اعتلالاتى الجسدية (التى هى جديدة على تمامًا)! على أية حال اضطررت للاستلقاء فورًا رغم أننى صرت أملك عنوانك، وصار رأسى يدور.
وفى صباح الجمعة الباكر، قبل أن أُصطحَب بالسيارة، كتبتُ إليكِ بإيجاز، نعم، على الأقل كتبت بطاقة بريدية موجزة، تمامًا كما فعلت أنتِ أيضًا يا حبيبتى، ثم فى مساء الجمعة، وأنا محتجز فى إنجادين، اتصلت بك لألقى عليك التحية، وقد بهتت بعد المكالمة، نعم، شعرت بأنكِ غاضبة مني؛ أنا أيضًا ذهبت للنوم فورًا ومعى شراب الأعشاب ومسكن للآلام، وفكرت فى إمكانية أن آتى ببساطة لأصطحبك يوم السبت من بيلاجيو؛ لم أعد أعرف ما الذى يجب عليّ فعله.
وفى يوم الأحد، الذى مر على ببطء، كتبتُ إليكِ مرتين، قبل مجيء الأطفال وبعده، واليوم، الاثنين، لم أستطع تصديق أن بريد الصباح لم يجلب أى شيء على الإطلاق سوى طرد لك من بوتيك «فينسه»، إنه عندى فى انتظار قدومك؛ ولكى أشغل وقتى حتى الساعة الرابعة -موعد بريد الظهيرة- ذهبت إلى «بفاننشتيل» وتجولت ذهابًا وإيابًا فى الغابة، والآن وقد عدت فى تمام الساعة الرابعة، وصلتنى تحيتكِ: «عزيزى ماكس. وتوقيعك: إنجبورج».
لا أستطيع شرب أى شيء؛ إذ دائمًا ما أشعر بالغثيان، وأريد الاتصال بهيرشفيلد لأخبره بشأن المسرحية (بقرار سحبها)، وأريد أن أستلقى حتى يحل الليل.. هل تعتقدين يا إنجه أنكِ تحبينني؟ تذاكر الطيران محجوزة لثلاثة أسابيع بدءًا من اليوم، سأحاول القراءة، يجب أن أتماسك، وأود أن أترك نفسى لأهوى، لكننا لا نسقط إلا على بساط أنيق.
ماكسكِ.
فى الواقع يظهر فريش فى هذه الرسالة بوضوحٍ ثاقب مشكلةً أساسيةً تواجهها باخمان معه؛ وهى أنه رغم حضوره بين الحين والآخر بتعبيرات فياضة عن الحب، يعود فى اللحظة التالية متجمد المشاعر كأنه منظرٌ لجبال الألب السويسرية، وقد ردت على رسالته بتلك الكلمات:
«إنجبورج باخمان إلى ماكس فريش، [بيلّاجيو]، 5 مايو [1959]
الثلاثاء، 5 مايو
يا أغلى الأحباب،
أعلم أننى سأسبق رسالتى وصولًا إليك، لكننى لا أريد لرسالتك أن تبقى اليوم بلا رد، آه، أى نوع من البشر أنت؟ تكون عصيًّا على الفهم، وقاسٍ كالحجر، ثم ما تلبث أن تتحول تمامًا، حين تسألنى إن كنت أحبك، فهذا معناه أنك نسيتَ الماضى، لأن السؤال فى نظرى هو فقط: هل أنت تحبني؟ لأنك أعرضت عن الإجابة، وبدوت كأنك راضٍ عن كل المسافات، حتى تلك التى تتخيلها للمستقبل، وعندها لم يبق فى يدى شيء يمكن فعله، شعرت أن عليّ أن أكون أكثر تحفظًا وأن أتركك وشأنك، إن لم تعد ترغب فيَّ أو كانت رغبتك فى قد خفتت.
أنت غريب جدًا، أود أن أستأصل هذه الحجارة التى بداخلك كلها، حتى تعود لتنبض بالحياة مجددًا، أنا أؤمن حقًا بأنك ابتلعت حجرًا هائلًا فى وقت ما، لكننى أريد حبًا، أريد فيضًا من الحب، وإلا فلن أستطيع العيش معك؛ وسأفضِّل المضى وحدى، لأننى عندها سأكون على دراية بموضع قدمى، ولن يهمنى الأمر، فأنت تدفعنى بعيدًا عنك جدًا، لا أقصد الآن فقط، بل فى أوقات أخرى أيضًا، أو ربما لا تتقبل حنانى، لكننى أريدك أن تتقبله، وإلا فسيحدث يومًا ما شيء كريه، أو ربما تتحول علاقتنا إلى اتفاق بارد، وأنا لا أتمنى حدوث شيء كهذا أيضًا.
لن أكرر تجربة بيلاجيو مجددًا، أو لن أكررها إلا فى ظل ظروف مختلفة؛ حين يكون الانفصال منطقيًا، أو باعثًا على الراحة، لكن كفى حتى الآن تعذيبًا للنفس هباءً.
يجب أن تكون لطيفًا معى وأن تُظهر حبك لى، عندها لن أحتاج إلى كتابة رسائل من نوع: (عزيزى ماكس – إنجبورج).
أريد أن أعشقك جدًا وبقوة، لكن عليك أن تسمح لى بذلك، وألا تلمح بأن الوقت غير مناسب، لأن كل وقت هو دائمًا الوقت المناسب، وإن لم تفعل، فسأبدأ مجددًا فى صياغة نظريات لن تؤدى إلى أى خير.
أنت منغلق جدًا على ذاتك، كأنك محاط بأسوار، حتى فى الحب أحيانًا، لكننى سأظل «أقتحم» أسوارك، ولا بد فى النهاية من أن يصبح الأمر كما فى تصورى.
مزّق هذه الرسالة فورًا، حتى لا أعثر عليها لاحقًا؛ لأننى أستطيع أيضًا أن أغار.
إنجبورجك»
ثم تكتب له أيضًا
«إنجبورج باخمان إلى ماكس فريش، [أوتيكون، 27 مايو 1959]
ظهر الأربعاء
يا أغلى الأحباب،
لقد قلت إنك لا تريد رؤيتى هذا الأسبوع، من فضلك اغفر لى أننى أردت -فى اللحظة الأولى على الهاتف- الإلحاح عليك للعدول عن قرارك؛ لأنك يجب أن تتمتع بحريتك فى هذا الوقت بالذات، وألا تضطر لرؤيتى إلا إذا رغبت فى ذلك حقًا، أخبرنى دائمًا بما تحتاجه وبما يمكننى وما ينبغى عليّ فعله من أجلك.
إنجبورج التى تحبك
أتمنى لك عطلة نهاية أسبوع سعيدة
احظ بكثير من النوم والراحة!
مع فكرى وقبلاتى
من إنجبورج حبيبتك».
ثم يظهر جليًا فى المراسلات أن ابتعاد فريش المتكرر هو أيضًا مناورة فاشلة للحماية الذاتية، فهذا الابتعاد يرتبط بشكوكه فى نفسه، وبانعدام الأمان المتجذر بداخله، وربما يتعلق أيضًا بمخاوف رجل يكبرها بخمسة عشر عامًا، يتجنب الظهور فى موقف ضعف بأى ثمن أمام شريكته الأصغر سنًا، فعندما أصيب بالتهاب الكبد فى أوائل صيف عام 1959، ظل يصد باخمان وغلف نفسه بالصمت، حتى اعترف فى إحدى الرسائل:
«ماكس فريش إلى إنجبورج باخمان، [مانيدورف]، 20 يونيو 1959،
نسخة كربونية
حبيبتى البعيدة إنجبورج!
لا ينبغى عليّ فحسب، بل أرغب حقًا فى أن أكتب إليكِ كثيرًا بشأننا، لكن حتى وإن خيّل إليّ -وسط الكثير من الفراغ- أننى توصلت إلى بصيرة ما، أجدنى لاحقًا عاجزًا عن صياغة جُملٍ تحمل فى طياتها شيئًا ذا معنى.. وصلتنى للتوّ رسالتكِ المؤرخة بتاريخ 18 يونيو، وقد أعدت توجيه الرسائل التى لم تكن داخل المظروف كلًا على حدة، أرسلت رخصة السيارة من هنا فى 16 يونيو بالبريد السريع والمُسجَّل، أما أوراق التأمين الشامل فلم تصلنى بعد.
أنا سعيد بكل سطر يساعدنى على رؤيتك فى روما، هل تستطيعين العمل؟ كثيرًا ما أحاول الآن أن أتخيل كيف تسير أيامك، ليس لدى أدنى فكرة عما يدور فى رأسك؛ هل تفكرين فينا أم لا، وما الذى تتمنينه، وما الذى لا تتمنينه؛ هل حدث شيء لك، وكيف تفسرينه؟
فى الاثنين الماضى، حين أقلتنى هايدى بالسيارة، ذهبتُ إلى الشقة لكى أحضر بعض الكتب، ولا أستطيع أن أصف لكِ شعوري؛ جلستُ وحدى غير قادر على إدراك أى شيء حرفيًا، صرت أتلفّت حولى، وأيقنت كيف كنت ربة منزلٍ حقيقية قبل الرحيل، جلستُ كأننى لا أعرف من كان يسكن هنا أصلًا؛ وهل سيعود يومًا أم لا، وهل سيأتى يوم تحزم فيه أيدى رجال غرباء تلك الأشياء؟ فآثار الذوق، والاختيارات المحببة (الطاولة السوداء الجميلة ذات الشكل المربع وأشياء أخرى) تبدو أشباحًا أكثر من مجرد أدوات «تنتمى للعصر»، ولا علاقة لها بالأشخاص، أما ما يمكن أن يعرفه هؤلاء الرجال عن أصحاب المكان، فهو أنهما كانا ذكرًا وأنثى فى المجمل، وببطء شديد -إذ إننى ما زلتُ أشعر بالدوار كثيرًا- غادرتُ وحدى كى لا أظل جالسًا هناك أكثر.
ليس فقط اضطرابات الرؤية (كعرض جانبى للحقن اليومية) هى ما تحول بينى وبين الكتابة إليك، بل الوعى بـ «العجز عن التعبير» أيضًا؛ كأنه ظِلٌ يسبق كل ما يحاول الإنسان التفكير فيه أو اتخاذه من قرارات، ما الذى حدث أصلًا؟ كان من المستحيل على يا إنجه الحبيبة أن أبثك ما بداخلي؛ ولذلك أقنعتكِ بالرحيل، إن صلتى بالعالم قد انقطعت بطريقة جعلت من المستحيل على أى شخص آخر غيرك تقديم المساعدة لى، فى حقيقة الأمر أنا الآن أبكم، إنها تجربة لم أكن مستعدًا لها.. تجربة المرض.
كنت أكتب إليكِ يوميًا هنا فى المستشفى؛ وكأننا نستطيع تقاسم المرض مع شخص آخر، أما مآلات المرض ظاهريًا (لأنكِ تسألين عنها)، فإننا نمضى قدمًا فى عملية التخلص من السموم، صحيح إنها تسير ببطء، لكن دون انتكاسات، لا أشعر بالألم، أما بشأن ازدياد شعورى بالإرهاق، فالطبيب لا يراه شيئًا مفاجئًا، لكننى أجده شديد الصعوبة أحيانًا؛ إذ يجعل الأيام تبدو أبدية، وفى الوقت نفسه قصيرة، لأننى أكاد أعجز عن القراءة والرسم أيضًا.
قرأتُ كتابك «الإله الطيب من مانهاتن»، كما تُقرأ صورة الأشعة السينية؛ والآن أقرأ «خطوط الريح» لفاليرى، وعلى حد سمعى اليوم -لكن الأمر ليس مؤكدًا- فمن الممكن أن أُغادر المستشفى خلال أسبوع، أى فى السابع والعشرين من يونيو، لكننى سأكون حينها منهكًا جدًا لا أزال، وبحاجة إلى رعاية كبيرة؛ ومع ذلك لا أريد أن أذهب إلى مصحة، بل أرغب فى أن أكون بين الأصحاء.
لقد دعانى دورنمات، الذى زارنى مؤخرًا وتعامل بلطف بالغ معى، لكن طاقته قد تسحقني؛ لذلك سأقبل عرض فريدى، رغم أن هذا المكان فى تالفيل يبدو الآن غير مناسب بطريقة مختلفة عما قد تتصورينه، لكننى لا أريد البقاء فى لانجنباوم بأية حال، حتى مع وجود ممرضة.
أظن أننى سأحتاج إلى عشرة أيام حتى أستطيع السفر، بحيث تقودنى هايدى إلى تشيانسيانو، ترى إلى متى سأصمد هناك، بالنظر إلى أننى حطام يعيش على الماء؟ كما أننى أخشى أيضا من الحرارة، لكننى فى الحقيقة أخشى من كل شيء.. ولا أشتاق إلا لشيء واحد، هو أن أكون عند البحر، هل ستذهبين إلى لورمارين؟ هل ستعودين إلى روما؟ ما الذى يدور فى ذهنك؟ أظن أننا سنلتقى عرضًا فى تشيانسيانو؛ يجب ألا تنسى أبدًا، مهما كانت وجهتكِ فى الفترة القادمة، أننى مريض، وقد حصلتُ للتو على تعليمات الحمية التى يجب على الالتزام بها لمدة عام؛ لقد فزعتُ حقًا من أن التقرير الطبى اليومى سيكون بهذا الوضوح.
أظن أنكِ ستكونين فى نابولى يوم عيد ميلادك، على أية حال لستِ وحدكِ. ما الذى أتمناه لكِ؟ أن تقدرى على العمل، آه يا إنجه! لقد احتجتُ إلى ظهيرة كاملة لأكتب هذه الرسالة، وماذا كتبت فيها؟ الباقى هو الاستلقاء؛ أخطط لأن أكون عند البحر.
ماكسك»
2
لقد كنا للأسف مجرد ثنائى مشهور
يتدخل الأدب وعالمه المهنى فى العلاقة العاطفية بين باخمان وفريش بثلاث طرق على الأقل.
أولًا: عبر القيل والقال؛ إذ رافقت الشائعات والتكهنات هذا الثنائى فى جميع مراحل العلاقة، حتى إن الشائعات قد تطرقت إلى الزعم بحمل إنجبورج، وقد تحولت هذه الشائعات إلى عاملٍ يسرع من تفاقم صراعاتهما، لا سيما وأن كليهما كان منغمسًا فى علاقات عاطفية خارج إطار علاقتهما نفسها، ورغم ذلك كانت علاقات باخمان هى فقط التى تتحول باستمرار إلى موضوع للثرثرة داخل الوسط الأدبي.
ثانيًا: التنافس الأدبي؛ فماكس فريش يقر فى أكثر من موضع بأن باخمان تتفوق عليه فكريًا، لكنها ظلت تعبر له عن شعورها بأنه يرهبها ويثبطها، ويبدو أن الإعجاب المتبادل بينهما كان يتحول عند الطرفين إلى نوع من الكبت والشك فى الذات ويتسبب فى أزمات فى الكتابة، حتى أصبح اضطرار كليهما للجوء المؤقت إلى شقق أخرى أو مكاتب عمل منفصلة موضوعًا متكررًا على الدوام؛ إذ كان كل منهما يخشى فى مراحل مختلفة على إنتاجيته الأدبية بقدر ما يخشى على حريته الشخصية، إلا أن هذه الوضعية الأساسية كانت تخفى خلفها سؤالًا أشد خطورة بكثير: ما العلاقة بين الحياة الخاصة والمادة الأدبية؟
فمنذ وقت مبكر بدأ فريش يحتفظ بنسخ كربونية أو نسخ مكتوبة من رسائله إلى باخمان، وفى فبراير 1961 شرح لها هذا الأمر للمرة الأولى؛ إذ قال إنه يحتاج إلى معرفة ما الذى كتبه لها بالضبط، خاصة عندما يقرأ ردودها اللاحقة، لكن حاجة فريش إلى امتلاك أدلة يمكن الرجوع إليها عند الضرورة تكشف الكثير عن عدم ثقته، وعن التوترات وسوء الفهم الذى بدأ يدب بينهما بالفعل، ومن المرجح أيضًا أن يكون الباحثان هانس هولر وريناته لانجر، محررا مراسلات ماكس فريش وإنجبورج باخمان، محقين فى ما افترضاه فى خاتمة الكتاب؛ وهو أن فريش وضع فى حسبانه إمكانية استخدام هذه المواد لاحقًا لجمعها فى عمل أدبى، وهذا موضوع سيساهم بصورة حاسمة فى الشرخ الكبير الذى نشأ بين فريش وباخمان فى ما بعد، كما سيقود لاحقًا إلى معارك حادة بين الباحثين والنقاد الذين تناولوا هذه العلاقة.
وهذا يقودنا إلى النقطة الثالثة؛ فمن المفارقات الجوهرية فى هذه المراسلات الأدبية أن الكاتبين لم يوظفا قدراتهما اللغوية الاستثنائية فقط فى التعبير عن الحب الجارف أو فى ابتكار الصور غير المألوفة، بل استخدماها أيضًا فى خوض معارك العلاقة نفسها، فالقدرة على التحكم فى اللغة قد تصبح سلاحًا يمكن به الدفاع عن النفس، أو قد يستخدم للهجوم، ولا يتجلى ذلك فقط فى الجروح التى سيلحقها كل منهما بالآخر بعد الانفصال النهائى، بل يظهر أيضًا فى الوخزات الصغيرة التى بدأت قبل ذلك بكثير، فى التعليقات اللاذعة التى تبدو عابرة، وفى الاتهامات السلبية العدوانية التى تتخفى فى زى النقد الذاتي.
ثم يتعرف فريش لاحقًا إلى ماريانه أولرس البالغة من العمر 23 عامًا، وتصبح فيما بعد ماريانه فريش، أما باخمان فظلت ترسل له رسائل حب مفعمة بالعاطفة وتؤكد له على أنها موافقة على كل ما فيه خير له، بل وطلبت منه أن يسافر مع ماريانه دون داعٍ للتبرير، لكن فريش رفض ذلك معبرًا عن رفضه بأن «الحب لا يعاش بين ثلاثة!».
وحين بدأت نبرة الحديث تزداد حدة بينهما كتب لها فريش: «لماذا ندمر بعضنا بعضًا؟»، غير أن المرحلة الأولى من الانفصال اتسمت بمحاولة الطرفين تجاوز النهاية من دون مزيد من الخراب، ورغم ذلك واصلت باخمان العمل على رواية «ليكن اسمى جانتنباين» بالنقد البنّاء وبإظهار تقديرها الكبير لها، وحتى طلباتها المؤقتة بألا يبعث إليها برسائل أخرى، عادت فتراجعت عنها لاحقًا.
ثم مرت باخمان بأزمة وجودية عميقة ظلت تلازمها طويلًا، فقد صارت تتنقل بين المصحات لأِشهر، كما خضعت لتدخل طبى خطير تمثل فى عملية استئصال للرحم، ثم تلقت علاجًا نفسيًا، كما تفاقم اعتمادها على الأدوية بصورة حادة بسبب «وصف العقاقير بصورة غير مسئولة»، وهكذا تحولت أزمتها الصحية المتجذرة شيئًا فشيئًا إلى أزمة حياة شاملة، وإلى أزمة كتابة قاسية ومفصلية.
وفى يونيو 1963 وقع لقاء غير متوقع بينها وبين فريش وماريانه أولرس فى روما، انتهى بمشادة، كتبت باخمان إلى فريش: «لن نرى بعضنا بعضًا بعد الآن. لا أستطيع الاستمرار».
«إنجبورج باخمان إلى ماكس فريش، [أوتيكون، 31 ديسمبر 1962-1 يناير 1963]
أوتيكون، ليلة رأس السنة 1962/1963
ماكس الحبيب،
لقد كتبتُ ثلاث صفحات بيدى، لكنها تزداد غموضًا؛ فيدى ترتجف أكثر مما ينبغي.
لا مفر من الأمر، يجب أن ننفصل، لم يعد هناك معنى لمواصلة خداع نفسى، أو استجدائى للآمال ساعةً بعد ساعة، فقد كنت ستنفصل عنى فى الربيع على أية حال، وما دفعك لتأجيل ذلك هو ظنك بأن عليك الانتظار حتى تتحسن حالتى، دعنا من عواطف المستشفيات المشحونة هذه.
أنا مستيقظة لليلة الثانية على التوالى، أقرأ، أتدبر، وأعيد التفكير فى كل شيء مرة أخرى، أما الفكرة الأخيرة المزعجة والحمقاء، رغم هذا الوضوح كله، فتتلخص فى أنه يجب عليّ اختيار التوقيت المناسب لمواجهتك، وهذا التوقيت المناسب غير متوفر بالطبع، ليس الآن، ولا فى أمريكا قبل العرض الأول، وليس بعد العرض، ولا حتى عند العودة.. إذن، لن تجد عندى خيارًا للوقت المناسب، كما أننى لا أستطيع كبح الرؤى التى تباغتنى وتقهرنى، لا يمكننى دفعها، أو تدفئتها أو إخفاءها لأسابيع، حتى أتمكن من الإفصاح عنها فى وقت مناسب لاحقًا.
لم يعد أمامنا سوى الانفصال، وفى غضون أيام قليلة ستتخفف ويغمرك الفرح لأننى تلفظت به، أعلم أنك لا تحبنى الآن، وأن هذا «التغير» قد طرأ، أما إنك ستحبنى لاحقًا فجأة، فأنت نفسك لم تعد تصدق ذلك، وأنا لم أعد أصدق حتى أن قلبك قد انطوى يومًا على شعور حقيقى تجاهى، ما معنى هذه السنوات فى نظرك؟ لا أعلم، مجرد خطأ، أو قدرًا ابتليت به فى أوقات معينة.. لكنه كان على أية حال قدَرًا مثمرًا بالنسبة لعملك، وستتمكن فى النهاية من الامتنان قليلاً لضياعك هذا.
لقد أحببتك بصدق وبكل جوارحى -حتى فى الوقت الذى آذيت فيه مشاعرك بحماقتي- ودفعتُ ثمن حبى خوفًا عليك وألمًا لم يكن أقل من ألمك أنت بأية حال، وما زلت أحبك، لكننى أريد أن أضع حدًا لهذا الشعور قريبًا، قريبًا جدًا، وألا أعود مجددًا لأشعر بشيء كهذا تجاه أى إنسان أبدًا، ما حدث لى على دفعات طوال أشهر حتى اكتمل ليلة أمس، جعلنى أعود إلى وعيى، لم يعد للأمر علاقة بالمشاعر، ولا بالغيرة، ولا بالتفكير، ولا بهذه العذابات كلها.. لقد انكسر قلبي.
وإذا سافرت إلى نيويورك عبر أوتيكون، فلن نرى بعضنا البعض بعد الآن، لا يمكننى ذلك، وسأمنع حدوث ذلك؛ لأنه سيؤدى إلى كارثة أو إلى لا شيء، وهو ما يوازى الكارثة أيضًا.
يمكننا أن نلتقى فى الربيع لبضعة أيام، حين أخرج من المستشفيات ومن هذا كله، سنتناقش حينها فى الكتاب ونعمل عليه، وبالطبع سأكتب ملاحظاتى على الكتاب فى الأيام والأسابيع القادمة كما وعدتك، لقد أرسلت لك برقية بالفعل تفيد بأننى أعلم مدى أهميته ومدى تميزه، وبالطبع هو بحاجة إلى مزيد من الصقل ليصبح حقًا كما يجب أن يكون.
أنا سعيدة جدًا لأننى ظللت أشجعك على إتمام هذا الكتاب وأخبرتك عن المكانة التى سيصل إليها، ولهذا سيصبح من السهل عليّ أن أصارحك بالملاحظات النقدية المتعلقة بالنقاط الثانوية، سيكون حقًا كتابًا تاريخيًا، كتابًا عظيمًا جدًا، وعليك أن تبذل كل جهد ممكن لتحقيق الهدف الذى يصبو إليه هذا الكتاب.
أنت حقًا أديب عظيم جدًا جدًا، يجب ألا تنس ذلك حتى لو شعرت بعكس تلك الحقيقة فى بعض الأحيان، ولهذا يجب أن تبذل قصارى جهدك، يجب ألا تتراجع وألا تركن إلى الراحة.
بخلاف ما سبق، وبما أننى لن أغادر المستشفيات إلا فى فبراير على أية حال، فاعفنى من حسم الأمور العملية، التى يتحتم على إنجازها، لا أستطيع فعل ذلك الآن ببساطة، وليس لدى نية أيضًا لمغادرة سويسرا بتهور أو رعونة، لأننى ببساطة لا أعرف مكانًا يمكننى الاستقرار فيه لاحقًا، سيحدث ذلك ببطء، وسأمنح نفسى الوقت الملائم، ربما أسافر أيضًا لمدة عام بأخف الأمتعة؛ ولهذا السبب تحديدًا سأحتفظ بـ «محل إقامتي» هنا، أعتقد أن بإمكانى اقتراح حل عملى ومعقول لكلانا بخصوص شقة أوتيكون، ولا يحضرنى غير ذلك الاقتراح الآن؛ بما أننى لن أبقى هنا إلا فيما ندر، فسأتحمل الإيجار، لأن الشقة مسجلة باسمى فى النهاية، لكنها ستظل بالطبع تحت تصرفك ومتاحة لذويك كما هى متاحة لى تمامًا، أنا فقط لا أريد حلًا متسرعًا بخصوص البقاء فى بلدان أخرى ما دمت بالكاد أستطيع التصرف، لأننى أصبحت بعد هذه السنوات كلها أكثر ألفة مع أوتيكون عن أى غربة أخرى، وأستطيع تدبر أمورى هنا، بما فى ذلك التعامل مع السلطات. أرجوك اسمح لى بالبقاء هنا مؤقتًا.
فى فبراير، عندما أغادر المستشفى ستتاح لى عدة إمكانات، يمكننى الذهاب إلى برلين أو إلى بلدان بعيدة -رغم أننى ألغيت كل شيء للتو-، إلى الشرق أو اليابان، أو حتى إلى أمريكا، أعتقد أننى قد أتراجع عن ذلك (أعنى قرار الإلغاء)، بالطبع أود الذهاب بعيدًا، لكننى لا أعلم ذلك يقينًا بعد، ولا أريد التسرع فى أى شىء.
أردت الكتابة لـ «ماريانه»، على الأقل لأشكرها على رسالتها اللطيفة وأخبرها أننى أخليتُ سبيلك، لكننى ربما أفضل عدم فعل ذلك، لأننى فى هذه اللحظة غير واثقة وأخشى ارتكاب خطأ ما، بلغها حبى وأخبرها مدى حبى لها.
إنها ليلة رأس السنة، ولا أريد أن أصدق، رغم كل هذا الظلام، أنه قد يمر على عام آخر مثل هذا العام، لنأمل فى عام أفضل، ومن الأفضل حقًا ألا نرى بعضنا البعض بعد الآن، لن أتمكن من قول أى شيء، ولن أخبرك أو أخبر أى أحد بأى شيء.
هناك إضافة «عملية» أخيرة، قررتُ ألا أخبر الناس بانفصالنا إلا بعد عودتك من أمريكا (أى حين أتمكن من ذلك بهدوء بعد أن أكون قد تدربت عليه)، أنت بالطبع حر فى فعل ما تريد، سأقول ذلك حينها، وبدون تعليق.
أفكر الآن فى أشياء كثيرة، خاصة فى النصف الأول من العام، حين كنت سعيدة جدًا وشعرت بأننى فزت بحظ وافر، أجراس زيورخ ما زالت تُقرع، والنافذة مفتوحة ونسيم الليل يهب متسللًا إلى الداخل، حاول أن تتذكرنى بالخير، ولكن بقدر ضئيل أو عظيم بما يكفى شريطة ألا يزعجك.
أريد وأتمنى أن يصبح كل شيء هينًا، أن يصبح الانفصال هينًا، بلا أثقال من التفاهات، أن تعيش بخير وبسهولة فى أمريكا، فى نيويورك الرائعة، وأن تنال كل السعادة هناك، وأن تعمل بوعى، وتظفر بالكثير من السعادة مرة أخرى، وألا يصيبك الوهن، ستصبح سعيدًا جدًا يومًا ما.
إنجبورج
>>>
ويكتب ماكس فريش إلى باخمان رسالة -ردًا على رغبتها فى الانفصال- يقول فيها «... ليست هذه هى المرة الأولى التى نصل فيها إلى مثل هذه الرؤية...»، أى حتمية الانفصال بينهما، لكنه لم يقصد بها رغبته هو الآخر فى الانفصال كما فسرتها باخمان فى رسالتها، بل أراد أن يحاول معها من جديد، رغم أن شعور حتمية الانفصال قد راوده هو الآخر من قبل، وهو أحد التفاصيل التى تعكس سوء الفهم المتبادل بينهما فى مختلف أطوار تلك العلاقة.
من إنجبورج باخمان إلى ماكس فريش، [زيورخ، 4 يناير 1963]
ظهر الجمعة
وصلنى خطابك اليوم يا ماكسى العزيز، لن نلتقى إذن، هذا منطقى أكثر، وأتمنى لك رحلة موفقة تحملك بعيدًا عن ضغوط اللحظة الراهنة، ووقتًا طيبًا مفعمًا بالعمل المبدع فى نيويورك، وأهديك كل الأمنيات الطيبة للعام الجديد.
قصة المستشفى ستأخذ وقتها، ولا أعرف أكثر من ذلك، وإذا أردت الكتابة لى، فمن الأفضل أن ترسل خطاباتك إلى «أوتيكون» فى الشهرين القادمين، فبقدر ما أستطيع الحساب، سأضطر للبقاء هنا حتى نهاية فبراير، لا داعى للقلق بشأن العملية الجراحية، فنحن نعلم ذلك جيدًا، لن أُجرِى العملية فى الكونغو، بل فى زيورخ، حيث كل شيء موثوق وآمن، ولهذا لم أعد أشغل بالى بالأمر، ولكى تشعر بطمأنينة أكبر على أية حال، سأبعث برسالة لك فور إجراء العملية، سأوضح لك فيها كل شيء عن سيرها الذى سيكون جيدًا بلا شك.
الآن، وقد صار خطابك بين يدى، أصبحت أكثر يقينًا بأن إرسال رسالتى فورًا هو التصرف الصحيح، ورغم أنه لا فائدة ترجى الآن من إضافة هذا أو ذاك أو محاولة إيضاح بعض الأمور، وددت لو أزيل سوء فهم قرأته فى خطابك، إذ قلت: «ليست هذه هى المرة الأولى التى نصل فيها إلى مثل هذه الرؤية...» لقد كنت تملك هذه الرؤية منذ زمن طويل، وأنا أعلم ذلك الآن، لأننى لم أكن أفطن إليها.
(وهذه الرؤية فى نظرى ليست ذات صلة بالأفكار المعتادة، والشكوك، والتقلبات التى تحدث فى أفضل الزيجات، وحدثت كثيرًا فى علاقتنا أيضًا، ربما تفاقمت عندنا فقط لأن كلينا قادر على التعبير عن نفسه).
رؤيتى التى قادتنى إلى كتابة ذلك الخطاب لا علاقة لها بكل هذا، لا تتعلق بأى اضطراب، ولا أى من المصائب التى نعلم أنها تزول بمرور الوقت، سامحنى، ولا حتى انصرافك عنى وتوجهك نحو إنسان آخر كان ليدفعنى لأكتب لك هكذا، ولأطلب منك الانفصال.
لأننى أعلم –ربما على نحو لا تعرفه أنت، أو على الأقل لا تدركه– أنك تجاوزت العلاقة بالفعل، وقد امتلكت الشجاعة لأقول لك ما هى الحقيقة فى اعتقادك؛ لأن هذه الرؤية أصابتنى كالصاعقة، كما أريد أن أخبرك بأننى مستعدة لاستخلاص النتائج من ذلك، بل ومُجبرة على استخلاصها.
أستطيع أن ألمس ارتياحك، رغم أننى أشعر أيضًا بأنك لم تسمح لنفسك بعد بالانغماس فى الشعور بالارتياح، وأن الكثير من الأشياء لا تزال مختلطة بداخلك.
وإذا كان لى أن أُبدى أمنية أو نصيحة أخيرة فهى أن تسمح لنفسك بالتحرر أكثر فأكثر، وأن تستمد من ذلك التحرر قوة إلى جانب القوة التى تمنحك إياها الحياة الجديدة التى تعيشها.
أشكرك لأنك وافقت على اقتراحاتى كلها، لن تكون هناك حاجة لإهدار كلمة واحدة إضافية، مادمت تلتزم بالاتفاق فى كل الأحوال.
بعد عودتك، وقبل أن تعود إلى العمل، أو إذا لم يسعفنا الوقت أو الفرصة لنلتقى ونتحدث بخصوص الرواية فى غضون الربيع، عندها سيتحتم علينا أن نتراسل لنتفق على الزمان والمكان المناسبين لأيام العمل! ومرة أخرى: تمنياتى لك بالخير، وبأوقات جميلة!
إنجبورج
ربما عبرنا عن أنفسنا فى كثير من الأحيان أكثر مما كان يتناسب مع الموقف.
من ماكس فريش إلى إنجبورج باخمان، أوتيكون، 6 يناير 1963
نسخة كربونية
لانجنباوم، 6 يناير 1963
يا إنجبورجى التعيسة!
بالأمس استبد بى السهر حتى أعماق الليل وأنا أحاول الكتابة لك، دعينى أحاول مجددًا الآن فى الصباح، لقد قرأت رسالتك يوم الجمعة مرة أخرى، أنتِ عظيمة يا إنجبورج، لا تتحدثين بلغة اللوم، بل بهدوء شخصٍ تدفعه قوة مخيلته إلى صم أذنه عن كل ما لا ينسجم مع قراره، وأنا أقف عاجزًا تمامًا أمام هذا، تمامًا كحالتك عندما أصرخ محاولًا تفسير كل شيء من منظورى الخاص، أنتِ تكتبين هنا عن ارتياحى -الذى لم أعترف به بعد- لأنكِ أعلنتِ الانفصال، لا أحد يعلم كيف حالى، ولا حتى عائلة «أولرس» رغم أننى تحدثت إليهم، وأنتِ أيضًا لا تعلمين يا إنجبورج، لقد نسخت -ولا تغضبى مني- رسالتى الأخيرة إليكِ؛ كان على أن أعرف ما الذى كتبته، ووجدت أننى كتبتُ شيئًا مغايرًا لما تقرأينه.
ربما توقعتِ أن أعترض ببساطة على فكرة الانفصال، لقد كتبتُ لك: ليست هذه هى المرة الأولى التى نصل فيها إلى مثل هذه الرؤية، لكننى بلا شك لم أكتب أننى أرى هذه الرؤية صحيحة، دعينى أحاول مجددًا أن أشرح لك ما قصدته فى الرسالة التى أرسلتها إليك فى رأس السنة، ولكن قبل أن أفعل هذا أريد أن أسألك: لقد قرأتِ من رسالتى أننى أرغب فى الانفصال وأننى تجاوزت منذ زمن طويل، بل وترين طوال تلك الفترة أنك أنت الطرف الراغب دائمًا فى العلاقة والمؤمن بها، هل الأمر هكذا حقًا؟
لسنا بحاجة للاتفاق حين نكون بصدد الانفصال؛ لكننى كتبتُ أيضا عن إمكانية تحديد لقاء جديد بيننا، ومن هذا المنظور -أى منظور المستقبل- سأتحدث عن الماضي؛ أعترف بأننى فكرت فى حتمية الانفصال من قبل، حين كنت فى المستشفى آنذاك، وهذا ما قصدته بتلك الجملة، أن هذه ليست هى المرة الأولى التى نصل فيها إلى هذه الرؤية، وأنت تعرفين ما حدث بعد ذلك.
أشعر اليوم بأننى محطم كما كنت آنذاك، تكتبين لي: «أتمنى لك الخير!»، «أتمنى لك أوقاتًا جميلة!» تكتبين هذا لمن خسر كل شيء، أعلم أننى سأقبع فى غضون أسابيع أو أشهر قليلة فى فراغ تام، لكننى فهمت هذا المعنى من رسالة رأس السنة يا إنجبورج ؛ فهمت أننى لا يمكننى مطالبتك بالانتظار متأملة -كما أردتِ فى البداية- حتى حلول الربيع، وأن على أن أضع فى حساباتى أن الانفصال بالنسبة لك صار قيد التنفيذ.
لكننى فى الوقت نفسه شكرتُكِ لأنكِ لا تتعجلين شيئًا الآن؛ كنت أخشى أن تسافرى دون إخبارى وتقطعى التواصل بيننا، لا تفعلى ذلك! سأوافيكِ بأخبارى، وأرجوكِ أن توافينى بأخبارك، عاهِدينى على ذلك! والآن هناك شيءٌ يعلو فوق كل شيء آخر، وهو عمليتكِ الجراحية، لقد قرأتُ، كما تعلمين، رسالتكِ إلى «فريد»، ولم أفهم منها ما الذى توصل إليه طبيبك، وما هو مفترض أن يحدث تحديدًا، أنتِ تقصدين خيرًا حين تحاولين طمأنتى، لكن هذا ليس جيدًا، ولا صائبًا، لا أعرف حتى إن كنتِ أنت نفسك تعرفين بدقة ما الذى تُواجهينه وما الذى يجب فعله.
هل أنتِ حامل أم لا؟ هذا هو كلام الأطباء، رغم أننى كنت لأقوله بأسلوب مختلف، لكن هذا ليس مهمًا الآن، ما هى الحقيقة؟ لم أنجب طفلًا من أى امرأة أحببتها حقًا، ولكننى أُرحب بالأطفال، بل وأحبهم، وأعترف لك بأننى لم أكن أتوق لطفل، إلا إذا كانت حبيبتى تريده، وتريده منى أنا، أنا الشخص الذى أصبحت أكبر سنًا من أن أكون أبًا، ولا أقصد بهذا القدرة على الإنجاب، بل أقصد مرافقة هذا الطفل فى الحياة، إذن ما الأمر؟ لا تخبريننى به إن كنتِ لا تريدين لنفسكِ أن تسمع قولك، لكن يجب أن تعلمى أننى لا أستطيع معرفة ذلك من رسالتكِ إلى فريد، فمن الذى يقرر ما يجب فعله؟ أأنتِ أم الطبيب؟
إذا كان القرار بيدكِ يا إنجبورج، وأظن أن الأمر كذلك، فيجب أن تعرفى بدقة أن هناك أمر هائل على المحك، «لسنا فى الكونغو!» تكتبين ذلك، لكن ليس هذا هو خوفى، خوفى ليس من ألا تُجرى العملية بشكل سليم؛ لدى خوف آخر، مخاوف كثيرة، يضاف إليها عجز استنتاجاتى، الخوف عليكِ يا إنجبورج.. هل يجب أن يحدث الأمر الآن؟ أخشى أن تتخذى قرارًا نابعًا من ارتباك عميق -أنا المتسبب فيه- ولا يسمح لك بالتراجع عنه
آه يا إنجبورج، أنتِ ورجلكِ المشئوم، ليس الأمر كما تظنين، أعلم أن اليأس لا يتجلى فى أفعالى الآن؛ لكن يأسى لا يخص أحدًا، لم أتوقف عن حبكِ، لكن حبى هو عذابٌ لكِ وعذابٌ لى، ولا يمكن تبديده بأى سعادة أخرى، فلماذا ندمر بعضنا البعض؟ لا علاقة لـ»ماريانه» بالأمر، أنتِ تعلمين ذلك، ولا علاقة لها بما تسمينه حماقتك فى الربيع، انظرى، الأمر ليس كما تظنين؛ كان بإمكانى التخلى، ربما كان ذلك ليكون نعمة للفتاة، وما الجديد الذى سيطرأ على علاقتنا جراء هذا التخلي؟ لقد أملتُ كثيرًا ألا أجد نفسى وحيدًا عند اقترابى من الشيخوخة، وتشبثتُ بكِ يا إنجبورج، حتى أُنهِكنا نحن الاثنين، وقد رأى المحيطون بنا ذلك، وإن لم يكن فى يدهم السلطة النهائية، والآن صرت أعلم ذلك.
فى الخريف وبعد تلك الوحدة كلها، اعترفتُ بالرؤية القائلة بأننى سأحيا وحيدًا؛ لا أعرف كيف سأتحمل ذلك، أنا خائف، ومعجب بكِ؛ أنتِ تحتاجين إلى وحدة أكبر من القدر الذى يمكننى تحمله، أما خطئى فيكمن فى النقطة التى بذلت فيها أقصى جهدى، وأنا لا أملك جهدًا آخر، أملى الأخير -وإن كان يائسًا بالفعل- هو أن نجتمع عبر مسارات ملتوية، وقد أدركتُ من رسالتكِ فى رأس السنة أن هذا الأمل غير موجود، وقبلتُ بذلك، لقد خضتُ مجازفة واعية، والآن أعلم أننى خسرتها.
أنتِ فى المشفى، وأنا بكامل صحتى، هذا هو المظهر الخارجي؛ لكن الحقيقة مختلفة يا إنجبورج، إننى أستيقظ كل ليلة على ذلك وأبكى، وأمضى الآن إلى العالم الكبير، غير مبالٍ بالموت، وموقن من أعماقى أن الأمر يسير نحو الهاوية، وكلما زاد الانحدار، كانت الهاوية أفضل وأسرع.
سأضع سيارتك غدًا فى شارع كوليكر شتراسه، وسأرسل لك بالمفاتيح، وكذلك مفاتيح شقتنا فى روما، من الأفضل أن تتصلى بورشة صيانة لتُجرى لسيارتكِ خدمة دورية؛ لم أستطع فعل ذلك لأننا فى يوم الأحد، سأخضع لرغبتكِ وأوقف دفع إيجار «لانجنباوم» ابتداءً من فبراير؛ الإيجار يبلغ 300 فرنك شهريًا ويجب إرساله إلى السيدة «كنيشت».
أرغب أيضًا فى ألا نتحدث عن الانفصال الآن، فإن كان لا بد له أن يحدث، فسنجد متسعًا من الوقت من أجله لاحقًا، سأقول فى أمريكا إنكِ مضطرة للمرور بفترة نقاهة، فالشائعة منتشرة هنا بالفعل كما تعلمين، لا أعرف كيف؛ لكن يجب أن يكون ذلك آخر همومنا، والآن أنت بحاجة إلى الكثير من المال، وأعلم أنه لا ينبغى لى أن أعطيكِ إياه، وكما طلبتِ منى أن أنصاع لنصائحك -فى حال اضطررنا للانفصال فى الربيع- دون نقاش قدر الإمكان، أطلب منكِ أن تقبلى الترتيبات التى وضعتها فى البنك كما هي؛ أى أن تتصرفى فى القيمة المالية المسجلة باسمكِ.. إنها سندات بقيمة 60,000 فرنك، إن لم أكن مخطئًا، وبعيدًا عن الوصايا المكتوبة.
عمليًا؛ يجب أن تأمرى ببيع إحدى هذه السندات، وسيدخل المبلغ فى حسابك الجارى ويمكن سحبه.
لقد تحدثتُ -خلافًا لما كنت أنوي- مع «فريد» و»هايدي»، مدفوعًا بقلقهما الكبير بشأن سبب وجودكِ فى المستشفى حاليًا؛ ولم أخفِ عليهما أمر «ماريانه»، أخبركِ بذلك حتى لا تشعرى بأى حرج من كشف أمرى، إذا أردتِ التحدث معهما يومًا ما، إنهما، حتى لو شككتِ فى ذلك يومًا، صديقاكِ كما هما صديقاي.
«ماريانه»، التى تبعث لكِ بالتحية فى رسالتها، تعلم أنكِ هناك، لكن لا شيء أكثر من ذلك؛ غير أنها التقطت من نبرة صوتى ما أنا فيه من ضيق ومعاناة، وهى أيضًا لم تعد تلك الفتاة الوثّابة المرحة؛ لكننى لن أخبر «ماريانه» بشيء عنا، رغم أنها تسأل دائمًا عن إنجبورج، أو سأفضى لها بأقل قدر ممكن، سيكون الأمر صعبًا كما هو حال كل شيء الآن.
لقد اتصل نيتسون، لكننى لا أستطيع رؤية أحد الآن؛ وأترك لكِ القرار بشأن ما إذا كان ينبغى عليه الذهاب إلى «نوتاريس» أم لا؛ إذا كنتِ متأكدة أنكِ لن تذهبى إلى روما، فأعطيه إشارة، إذ إن نيتسون لا يعلم أنكِ الآن فى «بيرشر-بينر»
هل من المنطقى ألا نلتقى الآن قبل سفري؟ لست متأكدًا، سأحزم أمتعتى الآن، ثم أقود السيارة إلى شارع «كوليكر» لتسليم هذه الرسالة، ومن ثم أحاول النوم.
أذكرك بوعدك لى فى رسالتكِ يا إنجبورج بأن توافينى بالأخبار، أنا فى انتظار ذلك، إذا بقيت دون أخبار عنك، فسأطير عائدًا إلى زيورخ.
سأسافر غدًا فى الساعة 12:50، سأغمض عينى يا إنجبورج، وأقبلكِ بكل ذرة من فكرى
ماكس خاصتك.»
>>>
يدور الحديث فى هاتين الرسالتين التاليتين حول واقعة إتلاف مذكرات مرض ماكس فريش عام 1959، حيث طُرحت لاحقًا رواية تُشير إلى أن إنجبورج باخمان هى من عثرت عليها فى إحدى الخزانات، وقرأتها ثم أتلَفتها بدافع حماية الخصوصية ومنع وصولها إلى أى عين أخرى، وقد قوبلت هذه الرواية بالجدل، إذ ترفض باخمان هذا الاتهام وتقر بعدم صحته، وتندرج هذه الواقعة ضمن سياق أوسع من تشددها المتزايد فى رفض كشف الحياة الخاصة.
«من ماكس فريش إلى إنجبورج باخمان، روما، 2 يوليو 1963.
نسخة كربونية
شارع دى نوتاريس
إذن يا إنجبورج، لقد حانت اللحظة، بعد ربع ساعة سترسل لى الكونتيسة شخصًا ليحتال عليّ ويتسلم المفاتيح، هذه هى الأسطر الأخيرة التى أنسخها من هذه الشقة، ودعت «بينا»، والحرارة فى روما تصل إلى 34 درجة، بالنسبة للمشاعر؟ فهى مشاعر حزن، وندم، ومرارة، وخزى، لقد بكيت.
أحببتكِ كثيرًا فى البداية وحين انتقلنا إلى هذه الشقة أيضًا، وبمعنى آخر، سأظل أحبكِ دائمًا، بمعنى الجرح الذى لا يندمل، لم نحسن التصرف، وسامحينى على إقحامكِ فى الأمر؛ لأنك أنتِ أيضًا يا إنجبورج، لم تحسنى التصرف، وهكذا أغادر هذه الشقة الآن شاعرًا بهزيمة كبرى.
بالنسبة للأمور العملية: سأتوجه إلى زيورخ فى 4 أغسطس وسأحضر بعض الأشياء، كتبًا، وأسطوانات، وفضيات، إلخ. هل ستمانعين إذا ذهبت إلى شقة لانجنباوم؟ سأقضى الليل فى فندق، والآن سأغادر إلى «سبيرلونجا»، أتمنى أن تشعرى بالراحة فى شقتك ببرلين، وأقبلك متجاوزًا كل شيء بحزن (بما فى ذلك تجاوزى لتصرفك بشأن يوميات مرضي).
حبيبك القديم ماكس
>>>
إنجبورج باخمان إلى ماكس فريش، [برلين الغربية]، النصف الأول من يوليو 1963
عزيزى ماكس،
لقد مر على هذا الخطاب ما يربو على الأسبوعين، ولا بد أن أكمل بدايته بخط يدى ليتضح معناه، فقد قُوطعتُ حين حاولت كتابته آنذاك بشكل مفاجئ.
أرجوك، يجب أن يحدث شيءٌ ما فورًا، فأنا أواجه هنا ادعاءً لا يمكن اعتباره مجرد شائعة عابرة، ولا يمكن نسبه إلى مخيلة الغرباء وحدهم - الادعاء هو أننى سافرت إلى روما، واقتحمت الشقة هناك، وأحرقت مخطوطات قيّمة ويوميات، إلخ، وسببت خسارة لا تُعوّض، وضررًا فادحًا، وما إلى ذلك.
أطلب منك التصدى لهذا التشهير والبهتان فورًا، وبكل حدة، فالعواقب المترتبة على مثل هذا الاتهام لا يمكن أن تمر دون أثر على بقائى، وأنا لا أستخدم تدهور صحتى بسبب هذه الاضطرابات الأخيرة كذريعة، ولا ينبغى للأمر أن يكون كذلك؛ فقد ظل هذا الجانب برمته منطقة محظورة؛ لكى لا أُثقل كاهل أحد، لكن يجب أن تكون هناك حجةً واحدة على الأقل تثبت أن هذا الأمر غير صحيح!!
لا أحد يعرف أفضل منك ما الذى فعلته من أجل عملك، وماذا كان يعنى لى، وكيف أننى انشغلت به لأشهر فى ظل الألم والانهيار، وكيف طُلب منى أن أقدم كل التنازلات الممكنة، وهناك على الأقل - إن كنت لا تستطيع تصديق ذلك دون دليل - رسالتان مني: الأولى فى ليلة رأس السنة، بعد القراءة الأولى، حين لم أعد أعرف ماذا أفعل؛ ثم رسالة أخرى أكثر هدوءًا من برلين جاءت مع الملاحظات وبعض الطلبات الصغيرة المفهومة.
إذا لم يتمكن أى شيء يومًا ما من جعلك تعى حجم مشاعرى، فما عشته كان كفيلًا بأن يُفهمك ما الذى يمكن للمرء أن يذهب إليه فى لحظات معينة، لم أطلب ذلك من نفسى فحسب، بل نجحت فى تقديم شيء يفوق طاقتى، وما قلته لك فى الورقة المرفقة لا يزال ساريًا: أى إننى أنتظر منك خبرًا فى الخريف، ويظل طلبى بشأن مناقشة المخطوطة معك قبل صدورها قائمًا، وما زلت أُعوّل على وعدك، أما وعدى أنا - بالصمت والتحمل للأبد- فيسهل التعويل عليه فأنا لا أريد أبدًا، وتحت أى ظرف، أن أشكل عائقًا.
أما أن أُتهم هنا بأننى مجرمة تلحق الضرر - والجميع يعرف ما تعنيه يومياتك، بوجود يوميات أخرى معلوم أهميتها للجميع– فهو ما يجعلنى أفقد صوابى حقًا، ليس إحساسى بالعدل والظلم، ولا الحد الأدنى من المطالبة بالإنصاف، أنا لم أُتلف شيئًا له أدنى علاقة بالمخطوطات أو اليوميات، حتى وإن كانت مجرد مسودات، وأنت تعرف ذلك، ويجب نفى هذا الاتهام، أمامك عدة مخارج معقولة، ولن أعترض على أى منها: تقول إنك عثرت على المخطوطات مرة أخرى، أو أن بينا – التى سبق الحديث عن تصرفاتها الغريبة – جسرت على تصرف من هذا النوع، أو أى شيء آخر، هناك طرق تسمح بالحفاظ على ماء الوجه وفى الوقت نفسه تمنحنى إمكانية لمواصلة حياتى.
أرجوك تحرك بسرعة، وأبلغنى بالرد فورًا -حول هذا الأمر تحديدًا- لكى أعرف ما أنا عليه، أنا أقاوم الذهاب إلى المصحة ما استطعت، لأننى أجد أن الذهاب ضرب من العبث، أذهب ثم أخرج منها، وأعود أتعرض للعذاب من جديد، لن يكون هذا سوى امتدادًا لهذه الأشهر التسعة، وسيصبح أى علاج بلا جدوى.
وإذا كنت تعتقد -لأن كل شىء يبدو لى الآن ممكنًا- أن تدمير تلك المخطوطات قد يكون له علاقة بما قلته لك فى روما، فإن ذاكرتك وأى ذرة من تعاطفك قد خاناك، ظننت أنك تدرك ما حدث، ولماذا لا أزال مريضة ولم أتعافى، واعتقدت أن هذا وحده -إلى جانب أمور أخرى لم يعد الحديث عنها مجديًا- كافيًا جدًا لأن يدفعك إلى كلمة أو إشارة أو أن تخرج معى فورًا من المكان حتى يُرفع هذا الرعب، وقد كان الخوف الوحيد هو أن تقع تلك الأشياء فى يد أحد الأقارب، ولا شيء غير ذلك).
إنجبورج
فى بداية عام 1964 حدثت القطيعة النهائية، وقد سبق أن طلبت باخمان - دون أن تنجح - من فريش أن يحرق رسائلها، «حتى لا تترك لأعين أحد يومًا ما مشهدًا من حياتها»، أرادت استعادة رسائلها من فريش، وأعلنت أنها «لن تحتفظ بشيء» من رسائله، ويرد فريش بأنه هو أيضًا «معرض للإصابة بالأذى»، وقد أعاد إليها ملاحظاتها على «جانتنباين»، لكنه لم يستجب لرغبتها المتعلقة بالرسائل، وقال: «رسائلك تخصنى، كما أن رسائلى تخصك!».

لم تكن منحة من غرباء
القراءة الغربية لمصر القديمة وصناعة الخرافة
الآثار فى الإعلام.. لمن نفتح الأبواب؟





