المؤبد لقاتل «عريس الشرقية».. المجني عليه حاول منع الابن العاق من ضرب والده فسقط قتيلا

الضحية
الضحية


الشرقية‭ ‬–‭ ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق

 

أسدلت محكمة جنايات الزقازيق بمحافظة الشرقية، برئاسة المستشار محمد عبدالغفار، رئيس المحكمة، الستار على وقائع قضية يندى لتفاصيلها جبين البشرية؛ بعدما سولت نفس لعينة لصاحبها عقوق والده ومحاولة ضربه بعد سبه، ولما حاول أحد الجيران التدخل لمنعه من عقوقه هذا كان جزائه القتل بدمٍ بارد، في جريمة وقفت منها العدالة موقف القصاص العادل العاجل لتقضي بحكمها في الجلسة الثانية بأن يظل المتهم خلف القضبان في غياهب سجن لفترة مؤبدة لما اقترفته يداه من إثمٍ مبين.

في صباح يوم مشمس، كانت قرية البحاروة التابعة لنطاق ودائرة مركز أولاد صقر أقصى شمال محافظة الشرقية تستيقظ على صمتها المعتاد، حيث تتقاطع الحياة اليومية بين الحقول والمنازل، وتبدأ حركة الأطفال في المدارس، والرجال في أعمالهم، والنساء في تحضير مستلزمات اليوم، في روتين معتاد لم يكن أحد يتوقع أن يتحول معه ذلك الصباح الهادئ إلى لحظة مأساوية ستخلف أثرًا لا يُمحى في قلوب أهل القرية.

ما كان في الواقع ليس مجرد خلاف عائلي عابر بين أب وابنه لكنه عقوق أخذ منحى دمويًا لم يكن في الحسبان، ليصبح شاب في عمر الزهور ضحية لكرم أخلاقه وتدخلاته النبيلة، في واحدة من أقسى الجرائم التي تُسفك فيها الدماء لا لعقابٍ على تدخل أو تجاوز، ولكن بمثابة جزاء الكرم ونُبل الأخلاق.

"طه عبدالرحيم"، شاب في التاسعة عشرة من عمره، يعيش حياة هادئة وبسيطة، مقتربًا من أسرته ومعروفًا في القرية بأخلاقه الحميدة وحبه للسلام، إذ كان يوشك على الدخول في مرحلة جديدة من حياته؛ فبعد أيام قليلة كان سيحتفل بزفافه، وكان قلبه مليئًا بالخطط والأحلام لمستقبله مع زوجته المرتقبة.

في كل صباح، كان «طه» يتنقل بين منازل أقاربه والجيران، حريصًا على ألا يترك أي خلاف يتفاقم، مؤمنًا بأن الحكمة وضبط النفس هما السبيل الوحيد للعيش بسلام، لكن أمام طيبة قلبه وبراءة نيته وأخلاقه كان في القرية شاب يكبره بنحو أربعة عشرة عامًا يُدعى «رمضان»، يخالف تلك الصفات جميعها ويحتل الصدارة في العقوق وجلب سخط كل من يعرفه، فهو الذي لا يتورع في التشاجر مع والده أمام الجميع دون ذرة خجل أو حتى حفظ لقيمة من كان سببًا في مجيئه إلى الدنيا.

في ذلك اليوم، وقع خلاف حاد داخل منزل «رمضان»، البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، وهو عامل بسيط، وبين والده، حيث تصاعدت نبرة الحديث بينهما وتحولت إلى مشاجرة فعلية، وكانت الأصوات تتعالى في المنزل، والجيران يستمعون بقلق، إذ لم يكن ذلك مجرد شجار عادي، بل كان مليئًا بالغضب والتهديدات.

وبينما كان «رمضان» يلوح بالتهديد والعنف تجاه والده، شعر «طه» بأن التدخل ضرورة، لا لأن الخلاف يخصه، بل لأن ضمير الإنسان والمبادئ الأخلاقية التي آمن بها تحتم عليه التدخل لإثناء الابن عن ضرب أبيه، حتى لو كان الثمن غاليًا.

تقدم «طه» نحو المكان الذي احتدم فيه الشجار، مطالبًا «رمضان» بضبط نفسه ووقف إيذاء والده، حاول أن يهدئ من روعه، محاولًا شرح أن العدوان لن يحل شيئًا، وأن الاحترام يجب أن يكون أساس العلاقة بين الأب وابنه مهما كانت الظروف.

كان «طه» يتحدث بصوت هادئ، محاولًا استخدام كل ما لديه من كلمات عقلانية، لكن الأمر بالنسبة لـ«رمضان» كان بمثابة تحدٍ شخصي لم يتحمله، وفي تلك اللحظة، اندفع المتهم بسكين كانت بحوزته، وفي لحظة اندفاع وغضب دفعته الرغبة في السيطرة والتصرف بعنف، ليوجه الطعنة مباشرة نحو "طه".

السلاح أصاب الرقبة بشكل مباشر، ووقع «طه» على الأرض غارقًا في دمائه، مفارقًا الحياة قبل أن يُدرك أن جهوده لحماية الأب كانت السبب في نهايته المأساوية، سقط الشاب العريس في لحظة لم يتخيلها أحد، قبل أيام قليلة من بدء فصل جديد في حياته الزوجية، فيما يتمكن الجيران الذين شاهدوا المشهد من التدخل، إذ كانت الصدمة والخوف قد سيطروا عليهم، فيما بدأ آخرون في الصراخ ونقل البلاغ إلى الأجهزة الأمنية.

بلاغ

عقب الحادث، سارعت الأجهزة الأمنية إلى البلدة، حيث تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وضبط المتهم، وتبين من التحقيقات أن «طه» لم يكن مجرد متفرج، بل حاول بكل ما لديه من قوة إنهاء الاعتداء، وكان موقفه هو الذي دفعه ليكون هدفًا لغضب المتهم.

خلال التحقيقات، أوضحت التحريات أن «رمضان» كان قد عقد العزم مسبقًا على استخدام السلاح الأبيض للتخلص من أي معارضة، وأن الحادث لم يكن عفويًا، بل جاء نتيجة تراكمات الغضب والإصرار على فرض السيطرة بأسلوب عنيف تجاه والده.

عائلة الضحية عاشت صدمة لا توصف، خاصةً أن الحادث جاء قبل أيام قليلة من حفل زفاف «طه»، وهو الحدث الذي كان من المفترض أن يكون أكثر لحظات الفرح في حياتهم، وكأن المكان الذي كان سيحتفل فيه الجميع قد تحول إلى مأساة، والفرحة إلى حزن، والأمل إلى صمت ثقيل يملأ قلوب أهالي القرية، لتتحول كل التفاصيل اليومية البسيطة إلى فاجعة أصبحت مرتبطة بتذكر اللحظة التي فارق فيها «طه» الحياة، والمشهد الذي لم يتمكن أحد من نسيانه.

توافد أقارب الضحية والجيران إلى مركز الشرطة ومن بعده سراي النيابة العامة، وهناك بدأت التحقيقات تأخذ مجراها الرسمي، وبدأت النيابة إصدار أوامرها بجمع الشهادات وإجراء المعاينات الميدانية، مؤكدة أن المتهم ارتكب جريمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، وأن الطعنة كانت غادرة، واستهدفت رقبة «طه» مباشرة لتودي بحياته دلالةً على عزم المتهم المصمم على القتل وسفك الدماء.

المحكمة بدورها استمعت إلى كل التفاصيل، من شهادات الشهود الذين أكدوا تدخل «طه» لإنهاء المشاجرة، إلى ما أكدته التحريات عن عنف المتهم وتصميمه على فرض إرادته بالقوة، ومن ثم ارتكاب الجريمة، ما نقل المشهد والقضية برُمتها إلى حالة واضحة تعبر عن شجاعة الضحية وتضحيته من أجل حماية والد رمضان، أمام عنف المتهم وإصراره على استخدام السلاح الأبيض كأداة للقتل.

الحكم

وفي جلسة النطق بالحكم، كانت أعين الجميع شاخصة نحو القاضي، والأجواء مشحونة بالانتظار والتوتر، قبل أن تُسدل المحكمة الستار على وقائع القضية من الجلسة الثانية للمحاكمة؛ إذ أصدرت حكمها على المتهم «رمضان ع ر»، مؤكدة أن الجريمة ارتكبت عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، وأن التدخل النبيل للمجني عليه لن يكون سببًا لتخفيف العقوبة، بل على العكس، أظهر جسامة الفعل الإجرامي للمتهم.

أوراق القضية التي حملت رقم 10302 جنايات مركز شرطة أولد صقر لسنة 2025، المقيدة برقم 1839 كلي شمال الزقازيق، أسندت للمتهم «رمضان ع ر»، مبيض محارة، يبلغ من العمر 33 عامًا، مقيم في قرية البحاروة التابعة لنطاق مركز شرطة أولاد صقر، تهمة قتل المجني عليه «طه عبدالرحيم»، 19 عامًا، يقيم في ذات القرية، عمدًا مع سبق الإصرار بأن عقد العزم وبيت النية على قتله؛ وذلك لما ثار ضمير المجني عليه ورأى عقوق وإيذاء المتهم لوالده، اندفع على إثره لرد الاعتداء الواقع من المتهم على والده فتلقى طعنةً غادرة بواسطة سلاح أبيض (سكين) استقرت بموضع قتل منه (الرقبة) فأحدثه به الإصابات التي أودت بحياته على النحو الوارد تفصيلًا في التحقيقات.

أمام هيئة المحكمة وقف ممثل النيابة العامة يسرد حيثيات إدانة المتهم بالقتل العمد، مبينًا أن المجني عليه قبيل مقتله كان قد أبصر مشهدًا تقشعر له الأبدان ويندى له الجبين، حينما شاهد المتهم وهو يعتدي على والده سبًا وشتمًا وضربًا في الطريق العام، وحين حاول التدخل بدافع الشهامة والمروءة ليمنع الظلم ويدفع الباطل، لم يقبل المتهم هذا التدخل، بل رفضه وطالب المجني عليه بالابتعاد، وهدده صراحة بالقتل إن هو عاود التدخل مرة أخرى، إلا أن المجني عليه لم يتراجع أمام ذلك التهديد، ولم تثنه تلك الوعود الآثمة عن موقفه الإنساني النبيل، حتى سولت للمتهم نفسه الأمارة بالسوء أن يجهز على المجني عليه، فبادر بطعنه في عنقه طعنةً غادرة، ليحوّل ذلك الموقف النبيل إلى سببٍ لإزهاق روح بريئة، مؤكدًا مطلب النيابة بتوقيع أقصى عقوبة على المتهم.

بعدها حكمت المحكمة على المتهم بالسجن المؤبد، مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة للنظر في التعويضات المطلوبة عن الضرر النفسي والمعنوي والمادي لعائلة المجني عليه، في قرار قضى أيضًا باعتباره ردًا واضحًا على جريمة ارتكبها شخص تجاه آخر لم يضره، بل وقف دفاعًا عن والده، ليؤكد أن القانون سيقف دائمًا ضد من يسيء للآخرين بالعنف المتعمد، مهما كانت دوافعهم أو تراكمات خلافاتهم الشخصية.

اقرأ أيضا: السجن 7 سنوات لعامل تعدى على ابنته بالضرب حتى الموت بالشرقية

;