زيّاح: أن تقرأ الرواية تاريخًا

زيّاح
زيّاح


د. أحمد هاشم 

يشهد حقل الرواية التاريخية نقاشًا متصاعدًا حول طبيعة العلاقة بين السرد الإبداعى والكتابة التاريخية، كما تجلّى فى الحوار الذى جمع توم كونروى وجوانا غروخوفتش وكريستينا ساندِرز ضمن مؤتمر جمعية التاريخ النيوزيلندية عام 2021 بعنوان «تعلّم التاريخ من خلال الرواية».

وقد طُرحت فى ذلك السياق أسئلة جوهرية حول إمكان تعلّم التاريخ عبر النصوص الإبداعية، وحدود التوازن بين الحقيقة والتخييل، إضافة إلى مفهوم «العقد القرائي» الذى صاغته هيلارى مانتل، بوصفه اتفاقًا ضمنيًا يتيح للكاتب حرية السرد ضمن إطار من الأمانة التاريخية. 

الزمن والبنية والذاكرة: قراءة تاريخية فى رواية «زِيّاح» بمنهج مدرسة الحوليات

تقدّم رواية «زِيّاح» للكاتب منير الحايك نصًا سرديًا غنيًا بالزمن، والمكان، والذاكرة، حيث تتداخل طبقتان زمنيتان تفصل بينهما مئة عام تقريبًا: عام 1916، زمن المجاعة الكبرى والوجود العثمانى فى لبنان، وعام 2014، زمن الحاضر القريب.

من خلال شخصية جانيت التى تعيش ازدواجًا زمانيًا عبر أحلامها، تصبح الرواية فضاءً مثاليًا لتطبيق مقاربة مدرسة الحوليات الفرنسية، التى أسّسها المؤرخون لوسيان فيفر ومارك بلوخ، والتى طوّرها فرناند بروديل فى منتصف القرن العشرين.

هذه المدرسة التاريخية لا تركز على الأحداث الكبرى والزعماء السياسيين فحسب، بل تهتم بما هو أعمق وأكثر استمرارية: البُنى الاجتماعية، والذهنيات، والحياة اليومية. من هذه الزاوية، تتحول «زِيّاح» من عمل أدبى إلى وثيقة سردية تساعد على فهم التاريخ من الداخل، عبر العيون التى عاشته لا التى كتبته.

التاريخ الطويل والبنية الاجتماعية

تمنح الرواية للقارئ مشهدًا واضحًا للبنية الاجتماعية فى قرية بقاعية لبنانية تقع بين جبلين، مقسّمة إداريًا بين متصرفية جبل لبنان وولاية دمشق، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون فى بيئة واحدة، تربطهم طقوس دينية مشتركة وتاريخ طويل من التعايش والتوتر فى آنٍ واحد.

هذه الصورة لا تقتصر على وصف حدث عابر، بل تكشف عن بنية اجتماعية مستمرة: مجتمع زراعى يعتمد على الأرض والمحاصيل، يخضع لسلطة الإقطاعيين والدرك العثماني، ويتشارك طقوسًا دينية مثل الزيّاح ومواسم القديسين. هذه البُنى كما يشير بروديل تتجاوز زمن الحدث السياسي، وتشكّل الخلفية العميقة التى تعيش فيها المجتمعات على مدى قرون.

الذهنيات والتمثّلات الجماعية

تمنح الرواية أهمية كبيرة للذهنيات، أى للطرق التى يفكر بها الناس ويؤمنون ويتفاعلون مع عالمهم فالخوف من المجاعة، والإيمان بالقديسين، والاحتفال المشترك بين المسلمين والمسيحيين، كلها عناصر تكشف عن نظام ذهنى جماعى ما زال حاضرًا رغم تغير العصور.

جانيت، الشخصية المحورية، ليست مجرّد راوية أو شاهدة؛ بل هى تجسيد لذاكرة جمعية، ترى الماضى فى أحلامها وتستعيده بوضوح، فتربط بين المجاعة العثمانية والنزاعات الطائفية الحديثة، وبين الطقوس الدينية القديمة والممارسات الاجتماعية المعاصرة هذه الأحلام ليست مجرد عنصر خيالي، بل تعبير أدبى عمّا يسميه مؤرخو الحوليات «الذهنيات الطويلة الأمد» التى تشكّل وعى الجماعة.

الحياة اليومية والتاريخ من الأسفل

واحدة من أهم إنجازات مدرسة الحوليات هى نقل مركز الاهتمام من القصور والمعارك إلى الأسواق، والمزارع، والمنازل؛ أى إلى الحياة اليومية. والرواية تزخر بمشاهد دقيقة من الحياة اليومية:

فى 1916، نقرأ عن إعداد الكشك، توزيع الخبز، التعامل مع رجال الدرك، وطقوس السحور فى زمن الجوع.

فى 2014، نرى متابعة المسلسلات، الخلافات العائلية الصغيرة، الطقوس الرمضانية، وتفاصيل الحياة المنزلية المعاصرة.


هذه التفاصيل لا تُقدّم كزينة سردية، بل كأداة لفهم التاريخ الاجتماعى والثقافي فالأحداث الكبرى (المجاعة، الحرب، السلطة العثمانية) تنعكس وتتجسّد داخل هذه الحياة اليومية البسيطة، مما يجعل الرواية وثيقة غنية لدراسة التاريخ الاجتماعي.


تعدّد الأزمنة والذاكرة الحيّة

الرواية لا تسير وفق خط زمنى واحد، بل تخلق طبقات زمنية متداخلة، تشبه ما وصفه بروديل بـ«تعدّد الأزمنة» فى التاريخ:

_ الطبيعة والمكان اللذان يبقيان ثابتين عبر القرون (الوادي، السوق، المزار)

_ الذهنيات التى تتواصل رغم تغيّر الأنظمة السياسية


_ الأحداث التى تتغيّر سريعًا، من الاحتلال العثمانى إلى الحروب الحديثة


جانيت تتحرك بين هذه الأزمنة، ما يجعلها نقطة تلاقى بين الماضى والحاضر، ويحوّل الرواية إلى مساحة لاستحضار الذاكرة الجماعية وتفكيكه.

من خلال مقاربة مدرسة الحوليات، لا تبدو رواية «زِيّاح» مجرّد عمل أدبى يستحضر الماضي، بل نصًّا يعيد مساءلته من الداخل، عبر الذاكرة الجمعية، والبُنى الاجتماعية، والطقوس، والذهنيات التى تصوغ حياة الناس فى امتدادها الزمنى الطويل. فهى لا تتعامل مع التاريخ كأحداث منتهية ومغلقة، بل كطبقات حيّة تتسرّب إلى الحاضر وتؤثر فى تشكيله.

غير أن هذه القراءة تفتح إشكالية أعمق: هل تمثّل رواية «زيّاح» قطيعةً مع التراث، أم امتدادًا له؟ والمقصود بالتراث هنا ليس مجرد الموروث الثقافي، بل الاتكاء على الماضى بكل مآسيه، واستدعاء الألم والبكاء عليه بوصفه أداة لإنتاج الحاضر أو تبرير تعثّره فهل تسعى الرواية إلى تفكيك هذا الاتكال، وتحرير الوعى من أسر الحنين والمراثي؟ أم أنها تعيد إنتاج العلاقة ذاتها مع الماضي، وإن بصيغة سردية حديثة؟

من هنا، تتحول «زِيّاح» إلى مساحة نقدية لا لتفحص التاريخ فحسب، بل لقراءة علاقتنا به: أهو عبءٌ نرثه، أم طاقةٌ نعيد تشكيلها لبناء مجتمع جديد.