نوة: شذوذ الروح والجسد

نوة
نوة


الغربى عمران

رواية «نـوّة...» الصادرة عن «الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم بتونس»، للكاتبة التونسية وحيدة المى رواية مشوقة ومدهشة بألاعيب سرد أحداثها التى بدأت بمشهد فتاة ليل: «قذفتها السيارة فى منعرج الطريق مع أعقاب الليلة الباردة ممشوقة، طرية، شهية، تتضوع منها رائحة التبغ والعنب مختلط بعطر ساخن موجع، فهى لتوها تغادر سرير الغريب تحمل فوح سخونة جسده.» تلك هى أولى أسطر الرواية وما تلاها تصور الكاتبة فيها حالة فتاة ليل بعد أن فرغت ليلتها برفقة شخص ما.

ليدور التساؤل فى ذهن القارئ: هل خلف كل فتاة ليل حكاية، وهل هن ضحايا، أم جلادات؟ وتلك التساؤلات نجد أجوبتها من خلال سرد وتساؤلات وحوارات الشخصية مع ذاتها.

قبل أن ننتهى من الصفحة الأولى تذهب وحيدة بقارئها إلى ماضى تلك الفتاة: «أسرعت الخطو تتأبط ذكريات الطفولة البعيدة...»  لتنقلنا عائدة إلى أيام مقاعد الدراسة، ومشهد أتقنت وصفه تفاصيله، ويتمثل بدخول معلمة الفرنسية «عقيلة» الفصل الدراسي، رافعة صوتها: «... أنتم مثلى نزلتم من الثقب الملعون، فهم لا يحبون فى المرأة غير ثقبها، ثم يتجاهلون بالنسيان أو التناسي... عمرى قضيته فى نوايا الرجال الخسيسة... حقيقة لا وجود للحب فى قلوبهم الإسفنجية... يعشقون... يولعون ويلتهبون فى اللحظة وكفى... يمارسون إرهابهم علينا باسم الحب... يمقتون فينا الحس الصاخب... يدنسون صفونا بالغدر والخيانة، إنهم يكرهون المرأة من أعماقهم، لكن اضطرارهم الحيوانى  يدفعهم لنهش لحمها نيئًا...» ولم تكتف  بل استمرت المعلمة عقيلة فى حديثها إلى طلبة وطالبات صفها بصوت ساخط وقد بدأت بنزع ملابسها قطعة قطعة حتى وقفت أمامهم عارية «وتكشف عن قنفذ عجوز ردمته التجاعيد...» لحظتها اصطخب الفصل وتدافع الجميع إلى خارجه يتصارخون فى ذعر مما كان منها. 

ظل ذلك المشهد فى ذاكرة «نوة» فتاة الليل التى حملته طوال حياتها. يعود السرد لحاضر حياتها حين وصلت شقتها تحت أمطار غزيرة لتندس تحت أغطيتها بعد أن أخذت دشا دافئا. لكن منبه الهاتف أزعجها بتعاليه، ليأتى صوت «نوار» ذلك الكائن الجميل الذى تحبه حباً مختلفا.

ومن خلال سرد ذلك يدرك القارئ أن وحيدة  قد استخدمت المراوحة فى سرد أحداث روايتها، أو النقلات السريعة بين الأزمنة، وأن نوة هى الشخصية المحورية بين عدة أسماء، تميز بعضها بأثره القوى على حياة نوة منهم : «الأعور» والدها من نكأت هى إحدى عينيه بأحد أظافرها، وهو من كان سبب فى شقائها روحيا حتى وفاتها، ثم «نوار» الحبيب الذى ظلت تحلم أن تعيش معه، بعد أن أستحوذ على تفكيرها بلطفة ومحبته، واختلاف تعامله معها، إلا أنه لم يستجب لدعوتها أن يعيشا معاً، وظل يخفى قناعته بأنه لا يصلح لها لفقدانه فحولته كذكر حتى صرح لها بعجزة، ثم  تركها رغم إلحاحها بدعوته للعيش معاً، ثم الغريب، والغريب لم يكن شخصا بعينه، أو هكذا تراءى لى بل رمز للرجل الذى لا يرى فى المرأة إلا وعاء لشهوته، الرجل الذى يدفع الكثير ليمارس ما يريد فى كائن لا يتعامل معه إلا جسدا لإثبات فحولته و رجولته، بعد تلك الشخصيات تأتى «شامة»  الأم المستلبة،  و«زنيخة» من تعهدتها وحملتها من حياة الريف البائسة إلى المدينة طفلة صغيرة وألحقتها بالتعليم حتى أتمت دراستها الجامعية، ثم الخالة «تفاحة» و«قطة» نوة و«العربي» زوج زنيخة.

وحيدة المى ترسم تلك الشخصيات بتفاصيل دقيقة، فالأعور الأب كائن قاسى وقذر كأقذر ما يكون كائن، إذ صورته متجاوزا لكل القيم والذوق والأخلاق.

ونوار الكائن المثالى بتعامله ونظرته لمن حوله، ليجزم القارئ من وصفها له بأنه كائن يحمل فى تكوينه، فالذكورة لديه تساوت مع الأنوثة أو أنه كائن كامل إنسانيا. 

ونوة الكائن الإشكالى الذى نجد فيها ما فينا من تناقضات، حين مزجت وركبت المى هذه الشخصية بين الرقة والقسوة بين الحس المرهف وبلادة الكائن المتناهية، بين سمو الروح ودناءتها.

نـوة الكائن الحالم بالحب، الحب المجرد من شهوات الجسد، إذ أن والده يمتهنها بداية بجلافته وقسوته، بل ويعتدى عليها جنسيا، وأمها شامة لا يكتفى أبوها الأعور بالممارسات الطبيعية بل ويتجاوز إلى شذوذه، ثم نوار ضحية لمثل تلك الممارسات ما حاولت الرواية إيصاله هو التعدى المفرط وتجاوز المعقول، وعدم رؤية مجتمعية للمرأة ككائن له الحق فى أن يتماثل مع الرجل فى كل مناحى الحياة.

نوة تعيش العذاب خاصة بعد أن أعلن لها نوار بأنه لا يستحقها معترفا بأنه فاقد الذكورة، لتكتشف أنه لا يختلف عن غيره من الرجال من يحسبون الرجولة ما هى إلا فحولة، متوسلة إليه البقاء ليعيشا سويا، لكنه تركها.

ثم الغريب ذلك الذى ظل يمتهنها مستغلا حاجتها لأن تعيش عيشة مقبولة بحيث تستطيع تسدد إيجارات شقتها، ومتطلبات معيشتها، لتجده ذلك الغريب يتغير هو الآخر فى طريقة تعامله معها، وزيادة استغلالها، حينها قررت أن تنهى امتهانها، ولم تجد إلا أن تنهى عذاباتها ببتر عضو الغريب وتركه ينزف حتى الموت، وإن كانت وحيدة المى قد قدمت ذلك الفعل فى صورة سريالى بين الحقيقة والخيال، ثم تقرر نوة  ترك حياة المدينة والعودة إلى مسقط رأسها حيث تجرعت فيها حياة بؤس طفولتها الأولى، لكنها تُدهش حين ترى أمها المتوفاة منذ سنين، وقد اشتعلت النيران فيها، حينها اندفعت فى محاولة لإطفاء النار، لكنها تشتعل بها وتنتهى الرواية بموتها حرقا.

الرواية مليئة بالحوارات الذاتية، وتلك التساؤلات العميقة حول حالة نوة وحول الوجود، لتتجاوز تلك الحوارات والتساؤلات من نوة إلى عقل القارئ الذى يجد نفسه متعاطفا مع طفولتها ومسار حياتها حتى وهى تقتص من والدها بفقء إحدى عينيه، ثم بعد أن دفعتها الحاجة لاستغلال جسدها، ثم وهى تقتص من الغريب، وكل ممارساتها وما قامت به خلال حياتها يجد القارئ لها مبررات وتعاطف دون حدود.

الصراع بين القيم الإنسانية والغرائز الذاتية، هو ما تقدمه الكاتبة من خلال ذلك التوحش العنيف المشرئب بالدم والغدر، والخيانة والقسوة الفضة، رواية يجد القارئ نفسه فى صف نوة من صفحاتها الأولى يفكر بعقلها ويرى الوجود بوجدانها، ولا يخرج من قراءة هذه الرواية إلى وقد تشرب مفاهيم وقيم ومواقف نوة الإنسانية.

ما يلفت أكثر فى هذه الرواية مساحة الجدل التى اتسعت، ليشمل معظم مساحات صفحاتها الـ 140، وذلك ما فرض عليَّ أن أقرأها قراءة متأنية، حيث صاحبتنى طوال رحلتى من تونس إلى القاهرة ثم عدن، إذ أن ذلك الجدل الذى ظل متقدا بين نوة وذاتها كان يدفعنى للتفكير وإعادة قراءة ما قرأته، ثم المضى فى صفحات جديدة وهكذا حتى النهاية، لأسأل هل كل ذلك العنف والقسوة التى تعرضت لها شخصيات هذه الرواية مبررة، وضمن أى منهج أو عقيدة كان يعمل عليه أفراد مجتمع الرواية، لأدرك بأن الروائية قد هدفت من ذلك مناقشة قضايا مجتمع بأكمله.

 هى رواية خيالية بالطبع، لكن لكل خيال نصيب من الواقع المعاش فأى نوة تقصد الكاتبة أم أن كل أنثى هى نوة، وأى رجل أعور، أم كل رجل هو الأعور والغريب ونوار، وأى من النساء الأخريات فى الرواية مثلن المرأة هل شامة أم زنيخة أم أنهن أوجه أخرى لنوة الكائن المهان الذى يتعرض للصلب يوميا حتى ينتهى الوجود، وهل الموت حرقا طريق للنجاة، أو نهاية حتمية أتبعتها نوة وعلى كل النوات إتباعها.

رواية تأملية بحاجة لقراءة متأنية، فهى ذات رسالة عميقة ولا تكفى هذه الكلمات ولا عشرات الصفحات لتقديمها للقارئ إلا بأن يقرأها كل قارئ قراءة متأنية.  

أجدنى متسائلا حين أقرأ لكاتب أو كاتبة عمل روائى لأول مرة، ليدفعنى الفضول بالبحث عن معلومات حول إصداراته الأخرى، خاصة إذا ما كان بين يدى عملا سرديا مدهشاً وعميقا كـ نوة، فأذهب باحثا عن ماضى إصداراته. لأجد بعد بحثى أن للأديبة وحيدة المى عدة إصدارات، منها رواية «رغبة بيضاء، ورواية «عاشقة الصمغ» وكتاب للأطفال بعنوان «صياد الفراشات العنيد»، و «نصف قلب وضفتان» من أدب المراسلات مع الشاعر «محمد الهادى الجزيري» وكذلك مع نفس الشاعر «سماء قانية» ولها أيضا مواضيع أدبية منها «الظلم والقهر» و«الذاكرة والهامش». هنا أدرك بأن ألمى ذات نتاج متنوعة، إضافة إلى أنها من أبرز الناشطات ثقافيا وإعلاميا فى تونس.

سعيد بقراءة هذه الرواية العميقة موضوعيا والمجددة فنيا.