لعبة النوافذ: مُخطط سردى لاستئناف الحياة

لعبة النوافذ
لعبة النوافذ


سيد ضيف الله

يحفظ أغلب القراء العرب البيت الأشهر للشاعر العباسى أبى تمام القائل:نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ وغالبًا ما يُستشهد بهذا البيت للإشارة إلى الأثر الذى لا يُمحى للحب الأول رغم الدخول فى علاقة عاطفية جديدة إن شعور الحنين شعور إنسانى عام، لكن البيت الشعرى فى هذا السياق يعمل على تكريسه دون تحفيز لقاريء الشعر على تفكير نقدى فى حقيقة هذا الحنين وآثاره، بل لا يتم الالتفات إلى تحوّل الحنين إلى قيد يُحدّ ويُحدد حركة الإنسان حين يأتى البيت الشعرى التالى ويربط استعاريًا بين الحب والمنزل.

كَم مَنزِلٍ فى الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ

إن ما يفعله الموروث الشعرى ممثلاً فى هذين البيتين الشعريين الشهيرين بمثابة تربية للقاريء العربى على تكريس الحنين ليس لعلاقة عاطفية فحسب، وإنما لمكان مُحدد كان فضاء لتلك العلاقة.ومن هنا، أرى أن ما تفعله رباب كساب فى روايتها «لعبة النوافد»، الصادرة عن بيت الحكمة، بمثابة مُعارضة ثقافية لما راكمه الموروث الشعرى من تقييد للروح بشخص أول ومكان أول تقييدًا يُعطل الحياة ذاتها. 

فى رواية «لعبة النوافذ» أربع شخصيات رئيسة؛ اثنتان منها حاضرتان فى الرواية كشخصيتين تشاركان فى الأحداث وتشاركان كذلك الراوى العليم فى فعل السرد وهما شخصيتا المهندسة الزراعية المُطلّقة (سما)، والعجوز الأعزب شديد الثراء الذى لم يُكمل تعليمه (بهجت الكومي)، أما شخصيتا (جهاد) زوج سماء السابق، و(عزة) التى أحبها بهجت الكومى فى شبابه ورفضته لقبح شكله وعدم استكمال تعليمه فهما مروى عنهما فى حديث كل من سماء وبهجت باعتبارهما الحب الأول أو بالأحرى الصدمة الأولى التى أعاقت كلا من سماء وبهجت عن الحياة فانحرف كل منهما عن المسار الطبيعى واتخذ كل منهما مسارًا خاصًا فى انحرافه عن الحياة، وإن اتفقا فى قاسم مشترك وهو الهروب من الذات ومن ثم التلصص على حيوات الآخرين كى يسشعر من موقع المتلصص أنه لازال على قيد الحياة ومُستغرَق فيها بقدر ما يستطيع أن يُلهى نفسه بحياة الآخرين عن مواجهة ذاته لاستئناف الحياة التى توقفت عند نقطة معينة فى حياته وهى نقطة الحب الأول/الصدمة الأولى أو الألم الأول.

إن النقطة التى تتوقف عندها حياة سماء مع جهاد هى لحظة اكتشافها خيانته لها، والخيانة فى جوهرها احتقار وإهانة من الزوج لزوجته ومن ثم يشوّه صورة الذات عن نفسها ويفقدها ثقتها بنفسها، ومن هذه الزاوية تشبه خيانة جهاد لسماء ذلك الاحتقار الذى وجهتهه عزة لبهجت الكومى الذى خلّف فى نفسه ألمًا نتيجة تشويهٍ للذات تشويهًا أفقدها الثقة فى نفسها.

لكن وعلى الرغم من الفرق الواضح بين خيانة زوج فى حالة سماء ورفض طلب ارتباط فى حالة بهجت، فإن القسوة فى إعلان أسباب الرفض والممثلة فى قبح الشكل والجهل تكشف عن أن غاية الرفض الإذلال الذى تمارسه عزة من موقع الأعلى فى القيمة والمكانة.

لقد وظفت رباب كساب الفصول على أساس علاقة تناوب بين فصول ذات أرقام فردية (1، 3،5، 7...إلخ) حتى انتهاء الرواية بالفصل 35، إضافة إلى الفصل 22 الذى جعلته لسماء أيضًا، لتكون فصولاً خاصة بشخصية سماء لا يشاركها فيها بهجت كراوٍ، ولكن يتوزع السرد فيها بين الراوى العليم بضمير الغائب ليحكى عن سماء وشخصية سماء كراوٍ ذاتى يروى بضمير الأنا فى الأجزاء الظاهرة بالبنط الأسود.وفى المقابل، خصصت رباب كساب الفصول ذات الأرقام الزوجية فى الرواية باستثناء الفصل الثانى والعشرين لشخصية بهجت دون أن تشاركه فيها سماء كراوٍ، إذ توزع السرد فى هذه الفصول بين الراوى العليم مستخدمًا ضمير الغائب ليحكى عن بهجت، والراوى الذاتى ممثلاُ فى صوت بهجت راويًا عن نفسه والذى يظهر حديثه الذاتى مميزًا بالبنط الأسود.

إن الشكل الطباعى للفصول يتحقق بالفصل بين عالم سماء وعالم بهجت؛ حيث السرد لحكايتهما بالتناوب وكأننا أمام حاكٍ لا بد أن يُنهى حديثه حتى يبدأ المستمع فى أخذ دوره فى الحكي، لكن لأن الشخصيتين لم يتشاركا فى سرد أى من فصول الرواية، فلم يكن ممكنًا تمثل دور الحاكى والمستمع إلا بعد سقوط الحاجز بين الشخصيتين فعليًا، ونسج حبكة تمكّنهما من اللقاء الفعلى بعد فترة طويلة من المراقبة الصامتة لكل منهما للآخر من خلال الشرفات، وهو ما لم يتم الترتيب له إلا مع منتصف الرواية، ففى الفصل الخامس عشر تتلاقى عدة خيوط لتدبير لقاء بين بهجت وسماء خارج الحارة فى إطار مهمة من مهام عمل المهندسة الزراعية التى تعلم فى إدارة الإنتاج الحيوانى سماء حيث كانت تزور مزارع الخيول على طريق الاسماعيلية بهدف إصدار تراخيص وفق قرار صدر مؤخرًا، فيكون من بين هذه المزارع مزرعة خيول نكتشف لاحقًا أنها مملوكة للتاجر الثرى بهجت الكومي.

إن التناوب لا يهيمن على علاقة سماء وبهجت على مستوى توزيع الفصول فحسب، وإنما يهيمن على علاقة الراوى العليم (الغيري) بالراوى الذاتى فى كل فصل من الفصول. إذ المُلاحظ أنه منذ الفصل الأول وحتى الفصل التاسع تكون بداية كل الفصول بسرد الراوى العليم (الغيري) سواء كان موضوع الفصل يخص شخصية سماء أو شخصية بهجت، ولا يتغير هذا الوضع إلا مع الفصل العاشر الذى يبدأ بسرد ذاتى لبهجت يعقبه سرد غيرى من الراوى العليم.

ونلحظ ثمة درجة ما من الندية بين السرد الذاتى والسرد الغيرى على مستوى استهلال فصول الرواية من الفصل الحادى عشر وحتى الفصل الخامس والثلاثين؛ إذ يتصدر السرد الذاتى اثنى عشر فصلاً بينما يتصدر السرد الغيرى ثلاثة عشر فصلاً. 

إن هذه الملاحظة تتخذ أهميتها من النظر لاستهلال الفصول على أنه تحديد لموضوع الفصل الذى يفرضه عليها الراوى الغيرى حين يتصدر الفصل، أو تحدده لنفسها حين تتصدر الفصل، وهو أمر مهم عند النظر فى العلاقة بين الراوى الغيرى والراوى الذاتي، لاسيما عند الوقوف على شخصيات غايتها الهروب من العالم والتوقع على ذاتها، وتمارس المراقبة الصامتة والتلصص فى الوقت الذى يتعاون معها الراوى العليم فى وضع إطار فكرى وفلسفى ونفسى لأبعاد التلصص يخالف به الفهم السائد فى الثقافة عنه باعتباره مذمومًا أخلاقيًا. 

ومن ثم يبدو التلصص مفهومًا له دلالته الخاصة فى الرواية المستمدة من تجارب الشخصيات الهاربة من العالم، ويبدو أن رباب كساب لم تكتف بأن يكون التلصص ممارسة حياتية لشخصيتين هاربتين من العالم من أثر تجربة الحب الأول، وإنما أرادت أن تجعل تطور العلاقة بين الراوى العليم والراوى الذاتى جزءًا من مخطط سردى يعادل تقنيًا المفهوم المؤطر لعلاقة الشخصيات الروائية ببعضها البعض، وبالعالم من حولها، وهو مفهوم التلصص وتحولاته من العزلة إلى المراقبة الصامتة إلى التورط فى الحوار مع العالم، إلى صناعة عالم جديد أو تجديد العالم القديم مع ميلاد ذات جديدة نجحت فى التعافى من الحب الأول. 

إن الفصل بين صوت الراوى الغيرى وصوت الراوى الذاتى عبر التمييز بن بنط عادى وآخر أسود هو فصل يوهم على مستوى التقنية بحدود وحواجز بين صوتين متمايزين أو عزلة بين كيانين، بل وقد يمتد التوهم ليصل لتوقع أن يكون الصوت الغيرى مهمته وصف خارجى للشخصية وللأحداث التى يستطيع رؤيتها، بينما الصوت السردى مهمته وصف مشاعر الشخصية وسرد الذكريات الأقرب لها بطبيعة الحال من الراوى الغيري.

 إن طبيعة العلاقة بين الراوى الغيرى والراوى الذاتى سواء كان متعلقًا بسماء أو ببهجت لم تكن عبر كل فصول الرواية إلا تجسيدًا لراوٍ يتلصص على شخصية(سماء مثلاً) ويستدرجها لتنقل له ما يريد أن يسمعه منها من ذكرياتها، ثم يأخذ من كلامها ما يصلح لسرده على شخصية أخرى (بهجت) ليحفزه على حكى ما يريد أن يسمعه من ذكرياته أو مشاعره، وهكذا نتوهم الانفصال على مستوى الفصل الواحد بينما يتحقق الوصل، ونتوهم الانفصال على مستوى الفصول، بينما تتقارب الشخصيتان من بعضهما على نحو يخلص كل منهما من العزلة والوحدة ويتورطان فى الحوار مع العالم فى اللحظة التى ينافسان الراوى العليم على زمام الحكى سواء باستهلال الفصول أو بتحول علاقة التلصص بين الراوى الغيرى والراوى الذاتى إلى علاقة مواجهة أو حوار على إثره تتغير رؤية الشخصية للعالم.

فعلى سبيل المثال، نجد الراوى الغيرى يؤرخ لبدايات بهجت الكومى فى التلصص بعد الانسحاب من عالمه، فيسرد ما يجعل من التلصص نافذة لمعرفة بالذات غير مسبوقة، وذلك حين يسرد هذا الراوى الغيرى حال المتلصص عليهم (الجيران لحظة الجماع بعد شجار) والمتلصص (بهجت)، ليعرّى بهجت أمام ذاته، بعد أن توهم أنه نجح فى الانتقام من عزة ومحو الإهانة الأول بممارسة الجنس مع العاهرات. 

ثم نجد هذا الراوى الغيرى لا يكتفى بتعرية الجرح القديم وهو يؤرخ لبدايات التلصص، وإنما يدير ذاكرة بهجت على نحو يعيده لعزة وسيرتها بينما يقوم هذا الراوى الغيرى بالحديث عن انشغال بهجت بسماء، فالوصل بين عالمين منفصلين على مستوى الفصل الواحد وعلى مستوى فصول الرواية كاملة يكون فى هذا المثال عبر حافز يقدمه الراوى الغيرى لبهجت لينتقل من عالم سماء لعالم عزة، وهذا الحافز يتمثل هنا فى اللكنة الريفية التى سمعها منها ذات يوم وهى تشترى من إحدى البائعات. 

«سارعت بالدخول، تركته نهبًا لأفكاره عنها وعن تلك اللكنة الريفية التى لم تتخلص منها- سمعها وهى تشترى من واحدة من بائعات الشارع ذات يوم- لكنة ذهبت به بعيدًا لأبعد مما تتصور، فتذكّر عزة!» (الرواية، ص54).

إن العلاقة بين الراوى الغيرى والراوى الذاتى تتجاوز المراقبة الصامتة التى تعيشها سماء وبهجت فى عزلتها، إلى مستوى آخر يمكن أن نعتبره المراقبة اللصيقة جسديًا وذهنيًا والاستدراج المغرض للحكي. ومن ثم يمكن القول إن التلصص فى «لعبة النوافذ» ليس موضوعًا للرواية فحسب، وإنما بناء فنى يتطابق فيه المحتوى والشكل، وهو ما يجعل من رواية «لعبة النوافذ» معارضة ثقافية للثقافة الشعرية عن الحب الأول، ومغامرة فى الوقت نفسه لحكى التلصص بالكلمات والتقنيات السردية فى آن.