عاطف محمد عبد المجيد
تظل الثقافة أحد الأعمدة التى لا ينبنى المجتمع إلا عليها، بل قد تغيب أشياء أخرى ولا يجب أن تغيب الثقافة عن الواقع المجتمعي، لأن غيابها يشير إلى فقدانه لركيزة أساسية من الركائز التى تدعم استمراره وضبط زوايا اتزانه ومنعه من الانحراف إذا ما حاولت ظروف وعوامل محيطة فعل ذلك، كما ستظل الثقافة شغل المثقفين الشاغل بما لها من أهمية وجودية لا غنى لأى تجمع بشرى يريد أن يظل موجودًا بفاعلية عنها.
«تمر المنطقة العربية والعالم بمرحلة مضطربة وشائكة، قد تعقبها تحولات عميقة، وقد جاء هذا الكتاب نتيجة لهذه المرحلة، والانشغال بالوضع الراهن، فهناك حروب مشتعلة، وإبادة فى غزة صُنفت باعتبارها الأبشع فى تاريخ العالم، وكل هذا يجعلنا قلقين، والقلق لا يدعو إلى الاطمئنان للمستقبل، خاصة إذا كان هذا المستقبل فى المنظور القريب به ضباب كثيف».
هذا القلق يُشعرنا به إسماعيل سراج الدين فى كتابه «الثقافة العربية..تحديات ورؤى» الصادر حديثُا عن الدار المصرية اللبنانية، الذى يناقش فيه عددًا من القضايا التى تتعلق بالثقافة، عارضًا تحديات ورؤى للثقافة العربية آملًا أن يكون مفتاحًا لمناقشات موسعة حول ما هو قادم فى هذه الثقافة، داعيًا إلى التفكير مليًّا: أين نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ معتقدًا أننا رغم تعودنا نسبيًّا على نقد الذات، بل وجلدها فى أحيان كثيرة، فإننا لا نزال بحاجة إلى مراجعة استراتجياتنا الفكرية التى تقود حركتنا الجماعية، كى تتسق مع اتجاهات أفراد منا أبصروا طريق المستقبل ودعونا للمضى فيه قدمًا، لكننا لا نملك الآن الإرادة الجمعية ولا الوعى الضرورى لمتابعة هذه الطليعة الرائدة من قادة الفكر.
تباين جذري
الكاتب الذى أتاح له موقعه من حيث علاقته المباشرة بالتحولات المعرفية والفروق الهائلة بين الثقافات الإنسانية، أن يلمس التباين الجذرى فى ما يشغل الناس شرقًا وغربًا، يسمى الأشياء بأسمائها فى مظاهر التخلف والتقدم دون أن يرضخ للمبررات، لأنه واحد من أبناء هذه الأمة العربية يعتز بماضيها لكنه لا يقدسه، بل يحاول أن يكون وفيًّا له بتجاوزه والتفوق عليه، ولا يرى أية موانع هيكلية تحول بيننا وبين التقدم السريع فى طريق البناء الحضارى الخلاق، مبرزًا فى صياغة رؤيته للمشروع الحضارى العربي، البعدَ الثقافى لأن الثقافة هى عماد الحضارات وأساس التقدم، مدليًا بشهادته عن رؤيته للأسئلة التى تطرحها ثقافتنا العربية حول المشروع الحضارى العربى ودوره فى التكتلات العالمية فى مواجهة ثقافة العصر الذى نحياه بكل آماله وتحدياته وبكل إنجازاته وإخفاقاته.
ما يراه الكاتب هنا أن عالمنا اليوم يشهد الكثير من التغيرات السياسية والجغرافية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، حيث نشاهد صعودًا للشرق على حساب الغرب، مشيرًا إلى أن الدول الحديثة فى عالمنا المعاصر هى دول المؤسسات والأفراد التى يتشارك فيها المجتمع فى ظل سيادة القانون، بحيث تكون العلاقة بين الأفراد والمؤسسات من ناحية، وعلاقاتهم بالحاكم من ناحية أخرى، فى بيئة يحكمها القانون ويصونها القضاء، معتقدًا أننا يلزمنا، لتحقيق المشروع الحضارى العربي، إنجاز إصلاح مجتمعى شامل فى جميع الدول العربية بحيث ينبع من داخل مجتمعاتنا ذاتها ويستجيب لتطلعات أبنائها فى بلورة مشروع شامل للإصلاح، يضم الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، معتقدًا أن الوثيقة التى صاغها عدد من المثقفين العرب فى الاسكندرية عام 2004 قد رسمت الكثير من المعالم الرئيسية للإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى الذى نطمح إليه، مؤكدًا أن بنيان أى مشروع حضارى لا يمكن أن يقوم إلا من خلال الثقافة وحرية التعبير وهما يشكلان أساس المشروع وجوهره.
أسلوب حياة
سراج الدين الذى يرى أن الثقافة هى أسلوب حياة فى المجتمع تظهر فى طريقة التفكير والسلوك الجماعى والفردى ونظرة الأفراد لأنفسهم وللآخرين، يذكر هنا أن التاريخ الإنسانى لم يعرف مجتمعًا تقدم دون أن يمتلك ثقافة متقدمة، وكذلك يُعد انتشار الثقافة العلمية أحد قواسم النهضة الثقافية فى المجتمع حيث تشمل رؤية للعالم ونواميسه ومنهجًا للفكر وأسلوبًا للحوار والقرار يستند إلى المنطق والعقلانية ويحتكم إلى الحجة والبرهان ويرفض الغيبيات والتصدى للعقائد احترامًا لها وتأكيدًا على أن لها مجالًا خاصًّا بها منفصلًا عن مجال العلم والمعرفة التى نقصد بها المعرفة الدنيوية المبنية على الملاحظة بالحواس والاستدلال بالقياس والاستنباط بالمنطق وإعمال العقال البشري، مؤكدًا كذلك أن الثقافة لا تقاس بحصيلة المعارف والآداب والفنون والآثار التى تمتلكها الأمم فقط، ولا بمنجزاتها التاريخية فى العلوم والاختراعات، بقدر ما هى القوة التى تتبقى من كل ذلك لتمثل الطاقة المتجددة والمبدعة للإنسان، والقدرة على مواجهة التحديات الطبيعية والبشرية والتفوق على ضروراتها، ذاكرًا أن الفرق بين الثقافات المختلفة يتجسد فى مدى هذه الطاقة وحيويتها، إذ توجد ثقافات متجمدة متكلسة أقرب للموت منها إلى الحياة وهناك ثقافات وثابة شابة متوالدة خلاقة مهما كان عمرها، متسائلًا ما هى دلائل هذه الحيوية وما حظنا منها فى الثقافة العربية؟ الكاتب الذى ينفى عن نفسه كونه واحدًا ممن يقدسون الماضى ولا يعبأون بما فيه من أخطاء، ذاكرًا أن شجون الثقافة العربية تبعث الكثيرين على اليأس، يعتقد أن الأمم العريقة استطاعت تطويع تراثها وتدريب ثقافتها على الانفتاح والتعددية، واستيعاب مقتضيات ثقافة المعرفة من نهم التجديد والالتزام بالتطورات المنهجية للعلوم الطبيعية والإنسانية دون تفرقة، ومساءلة الموروث الثقافى ونقده، بل ونقضه أحيانًا، اعتمادًا على الحجة والبرهان وتغليبًا للصالح العام، متوقفًا عند طبيعة المثقف الذى يجب عليه أن يأخذ موقفًا ناقدًا تجاه مجتمعه، فليس من دوره تأكيد الأيديولوجيات السائدة بل مساءلتها، خاصة وهو عنصر التجديد الفكرى فى المجتمع، وهو أيضًا حافظ هوية مجتمعه، ومن ثم فعليه التجديد مع التأصيل، عائدًا إلى الجذور من جهة ومنفتحًا على الجديد من جهة أخرى، مشيرًا إلى أن كل ثقافة حية متغيرة متجددة، عليها التواصل مع ماضيها والانفتاح على غيرها.
تيارات رافضة
ما يرصده سراج الدين هنا أيضًا هو وجود تيارات مجتمعية ترفض التجديد وتُضيّق دائرة المقبول وتحارب كل دخيل، بل وترفض ما يخالف نظرتها الخاصة للمجتمع وللتاريخ، فارضة حصارًا جديدًا على المبدعين والمفكرين والباحثين والمجتهدين، مشيرًا إلى أن السياق العام لمجتمعاتنا أكثر تشددًا أمام حرية الإبداع وحركة الفن والأدب من يد الدولة ومقص الرقيب، حتى أصبحنا فى أمس الحاجة لمجابهة هذه التيارات والوقوف بوضوح إلى جانب حرية التعبير بصوره المختلفة، متسائلًا هل هناك حدود لحرية التعبير، مجيبًا أن الحرية لا يجب أن تمثل تعديًا على حقوق الآخرين التى ضمنها القانون وفى مقدمتها حق الحياة والأمن فى النفس والعرض والمال، مؤكدًا أننا بحاجة إلى حماية حرية الكلمة كى نقول ما من حقنا أن نقوله خاصة إذا ما كان يُحق الحق أو يكشف عن جوانب علمية أو إنسانية يجهلها الآخرون ولا يودون التعرض لها لأنها مضادة لما يرون أو ضارة بمصالحهم، معتقدًا أن الثراء المعرفى والتعدد الثقافى أصبحا فضاءً يتقلب فيه المجتمع، وتتوقف قيمة المجتمعات على قدرتها على الإفادة والإسهام والتفاعل مع هذا الثراء والتعدد حتى لا تقضى على نفسها بالانكماش والتهميش. سراج الدين الذى أخذنا معه فى رحلة طويلة متشعبة تتعلق بعالمنا العربى ودوره فى التكتلات العالمية، من الإصلاح السياسى والاقتصادى والاجتماعى إلى البعد الثقافي، يؤكد أن المستقبل سوف يختلف تمامًا عما عهدناه فى الماضي، أو ما نمر به حاليًا فى الماضي، مكررًا أن المشروع الحضارى العربى يجب أن يتبنى رؤية مستقبلية مبنية على فهم واع لأعمدة الثورة المعرفية الجديدة، وأن يتفاعل مع تأثيرها فى مجالات المؤسسات التعليمية، وأن ثقافتنا العربية متجددة وثابة بعقول أبنائها متخلصة من قيود بالية يريد البعض فرضها عليها.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







