الخلود السردى

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


ممدوح فرّاج النابى

الموروث الحكائى العربى (الشّفاهيّ والمكتوب) ثرٌّ، وحافل بالكثير من الحكايات الغرائبيّة والعجيبة كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والمقامات وغيرها، وقد أسّست هذه الحكايات للأدب العجائبى الذى أثّر فى الآداب العالميّة وأسهم فى ابتكار تقنيات كتابيّة جديدة تتواءم مع طبيعة السّرد المتولّد والمتشعّب، وبفضل هذه الحكايات الخرافيّة اكتسب الأدب العربى أرضية جديدة، فنالت الحكايات شعبية واسعة لدى جمهور الغرب بسبب البهاء الخيالى وسُبل البناء والتشويق، ففولتير يقول عن تأثير ألف ليلة وليلة: «إننى لم أزاول فن القصص إلا بعد أن قرأت ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة»، وكان لمشاهد السحر، والصور الواقعية للطباع والعادات - كما يقول محسن جاسم الموسوى - الأثر الكبير فى ميل الكثيرين لزيارة الشرق.

 وكان لسلطة العجيب والغريب بالغ الأثر فى تغيير مصائر الشخصيات، وتبديل نمط حياتهم، فالسّرد كان طوق النجاة من الموت، ولعب دورًا فى العدول عن الظلم، وتبدّل المقامات؛ فالحاكم صار عبدًا، والعبد صار حاكمًا، كما كان بمثابة الخلود بعد الموت الفعليّ. الشيء المهم أن شخصيات الحكايات التى زخرت بها هذه المُصنّفات التى يمكن إدراجها تحت مُسمّى «المعتمد الأدبى العربي» على غرار «المعتمد الأدبى الغربي»؛ ماتت على مستوى الواقع الحكائى، ولم يبقَ منها سوى الخلود السرّدى الذى حفظها فى الذاكرة الأدبية، فاستلهمتها المخيلة الإبداعيّة فى مرويات جديدة. 

فى هذه المقالة محاولة لقراءة الحكايات الإطار لألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، والبحث عن الوظيفة السّردية المزدوجة لشخصيات الحكايات الإطار، حيث معظم الباحثين توقفوا عند حكاية شهريار وأخيه شاه زمان أمام وقع فعل الخيانة، دون التوقف عند حكاية الأب الوزير ودوره مع ابنته، وبالمثل فى كليلة ودمنة توقف الباحثون عند الرسائل السياسيّة التى مررتها الحكايات التى جاءت على ألسنة الحيوانات والطير، لكن ما وظيفة الأب فى الحكاية الأولى، وما موقع الملك دبشليم فى الحكاية الثانية؟ هو ما سوف تكشف عنه هذه المقالة.