العقاد.. الصائم فى مطاردة الزمن

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد


محمد جادالله

قبل الأذان بقليل كانت الغرفة تبدو كأنها خارج الزمن تخيّل أنك تفتح الباب بهدوء وتجلس فى الركن المقابل للمكتب؛ سينخفض الصوت تلقائيًا احترامًا لذلك الصمت الكثيف، وسيظهر الضوء الخافت جزيرة صغيرة فوق الطاولة، والكتاب المفتوح فى قلبها كأنه كائن حى يتنفس ببطء فى الخارج كانت القاهرة تستعد لطقسها اليومى الكبير، أما هنا فحركة عقارب الساعة وحدها تُسمع، كأنها تقطع العمر قطعة صغيرة بعد أخرى، وعند هذه اللحظة يتضح أن القضية لم تكن الجوع، بل الدقيقة التى تمر ولا تعود لم يكن الصيام عند عباس محمود العقاد انسحابًا من العالم، بل دخولًا أعمق إليه؛ الامتناع عن الطعام كان يعنى إغلاق الأبواب كلها إلا باب الفكر، وتنظيم اليوم كأن العمر مشروع يجب أن يكتمل، وكأن اللحظة نفسها مرآة نقيس عليها أعمارنا على إيقاعها الخافت.

لم تكن الغرفة مجرد مكان يجلس فيه، بل كانت أشبه بورشة سرية لصناعة الزمن الكتب مصطفّة كجنود فى حالة استعداد، والأوراق البيضاء تنتظر أن تتحول إلى حياة مكتوبة، والقلم موضوع بعناية كأنه أداة جراحية لا يجوز أن تُستخدم فى غير موضعها كل شيء هناك كان يوحى بأن الوقت مادة ملموسة يمكن تشكيلها، وأن اليوم ليس مساحة فارغة، بل كتلة خام تحتاج إلى من ينحتها.

وحتى النافذة، التى كانت تطل على الشارع، لم تكن مجرد منفذ للضوء، بل ساعة أخرى تُقاس بها حركة العالم، سرعة المارة، تغيّر الظلال، وملامح النهار وهو يتقدم ببطء نحو الغروب كان ينظر أحيانًا إلى هذا المشهد العابر فى الخارج كما لو كان يقرأ كتابًا مفتوحًا، فحركة الناس بالنسبة إليه لم تكن ضجيجًا، بل دليلًا إضافيًا على أن الزمن يمضى بالجميع، وأن النجاة الوحيدة منه ليست فى الهرب، بل فى الوعى به.

الجوع هنا صفاء لا ضعف؛ حين تهدأ الحواس يعلو صوت الداخل، ويصبح الصمت عملًا والعزلة امتلاءً، ويظهر أن العمر لا يضيع دفعة واحدة، بل دقيقة وراء دقيقة. ولهذا كان يحرس وقته كما يُحرس كنز نادر، وحتى وهو يقلب الصفحة التالية كان يفعل ذلك بحذر يشبه حذر من يلمس شيئًا ثمينًا، كأن المعرفة نفسها وقتٌ متجسد لا يجوز تبديده.

الدقيقة التى تمر بلا فكرة تشبه نافذة أُغلقت قبل أن يدخل منها الضوء، والندم الحقيقى لا يكون على ما فات من طعام بقدر ما يكون على ما فات من معنى وكان يشعر أحيانًا أن الفكرة الجيدة يمكن أن تُنقذ يومًا كاملًا، وأن صفحة واحدة تُقرأ بعمق أصدق من كتاب يُقلب بلا حضور.



وكانت لحظة التعب الخفيف، تلك التى يمر بها كل صائم، تتحول عنده إلى اختبار صغير: هل يترك الجسد يقوده أم يقوده هو إلى فكرة جديدة؟ لم يكن يقاوم الإحساس بالعطش بقدر ما كان يحوله إلى طاقة، كأن الجسد حين يطلب الماء يذكّره بأن هناك شيئًا آخر يجب أن يُروى: العقل.

وكان يكتشف فى هذه اللحظات أن الصفاء لا يولد من الامتلاء، بل من النقص، وأن الفراغ الذى يصنعه الصيام فى الجسد تملؤه المعانى بهدوء عجيب وحتى صوت الأذان كان يمر كنسمة لا تقطع الخيط الممتد بينه وبين الصفحة؛ يجعل من العطش توقًا إلى المعرفة، ومن انتظار الإفطار لحظة لقياس ما عاشه لا ما أكله.

الساعة المعلقة على الجدار لم تكن مجرد أداة قياس، بل شريكًا فى حوار طويل؛ كل دقيقة سؤال، وكل يوم صفحة يجب أن تُكتب قبل أن تُطوى، وكأن الزمن نفسه يجلس طالبًا أن يُستثمر لا أن يُستهلك.

وكان يحدث أحيانًا أن يرفع عينيه عن الكتاب فجأة، لا ليتأكد من الوقت، بل ليتأكد من نفسه: هل ما يفعله الآن يليق بالعمر الذى يمضي؟ كانت هذه الوقفة القصيرة أشبه بمحاكمة داخلية، لا قاضٍ فيها سوى الضمير، ولا حكم فيها سوى الشعور بالرضا أو الخسارة.

فى نهارات الصيام تتضح المعركة الحقيقية: ليست مع الجوع، بل مع التشتت. كم فكرة ضاعت؟ كم لحظة مرت بلا معنى؟ كان الصيام فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا التبعثر.

القراءة فى هذا الشهر كانت تأخذ شكلًا آخر؛ لا يُفتح الكتاب هربًا من العالم، بل عودةً إليه بعمق أكبر، والجملة تتحول إلى تجربة داخلية، والصفحات تصبح أبطأ لكنها أكثر كثافة، وكأن الكلمات نفسها تصوم معه فتصفو وكان يشعر أن اللغة فى هذه الحالة تصبح أكثر شفافية، وأن المعانى التى كانت تمر عابرة فى الأيام العادية تتوقف هنا لتُرى بوضوح.

بعد الإفطار، حين تغرق المدينة فى أحاديثها الطويلة، يعود الصمت الأول؛ لا لأن الناس لا تعنيه، بل لأن هناك مسؤولية خفية تجاههم. كان يشعر أن كل دقيقة ينجح فى إنقاذها هى انتصار صغير للمعنى فى عالم يبدد معناه بسهولة.

المفارقة أن رجلًا فى غرفة صامتة يحمل فى داخله صخب مجتمع كامل؛ يقرأ وحده لكنه يفعل ذلك نيابة عن كثيرين لا يجدون وقتًا للقراءة. وكان يرى أن الفكر ليس ترفًا شخصيًا، بل شكلًا من أشكال العدل، لأن فكرة واضحة قد تغيّر حياة إنسان لا يعرف حتى اسم صاحبها.

ومع اقتراب الفجر يبلغ الصفاء ذروته؛ لا صوت إلا أنفاس المدينة النائمة، ولا حركة إلا عقرب الساعة اليوم الذى مضى لن يعود لكنه يبقى: كل فكرة قُرئت، كل صفحة كُتبت، كل دقيقة حُرست أصبحت جزءًا من الكيان فى تلك اللحظة لا يعود الزمن عدوًا يطارد، بل صديقًا يجلس إلى الجوار، ويصبح العمر واسعًا مهما كان قصيرًا إذا امتلأ بالمعنى. وكان يشعر أن الفجر لا يأتى ليعلن نهاية يوم، بل ليشهد على يوم عاشه كما ينبغي.

هذا المشهد يعيد ترتيب العلاقة المرتبكة بالوقت، وينبّه إلى الساعات التى تضيع بلا أثر، لا ليضعنا فى دائرة الندم، بل ليفتح بابًا نحو حياة أكثر يقظة. وعند انتهاء الشهر لا يكون الخروج منه كما كان الدخول إليه؛ الزمن نفسه يتغير فى الداخل، يصبح أبطأ وأثمن، ويتضح أن الخوف من إهدار دقيقة لم يكن خوفًا من الفناء، بل خوفًا من أن تمر الحياة دون أن تُعاش.

ولو جلست الآن قبل الأذان، وأُغلقت الهاتف قليلًا، وتُركت الساعة لتُسمع صوتها الخافت، سيظهر أن الدقيقة ليست رقمًا، بل حياة كاملة يمكن أن تضيع أو تُنقذ، وأن الصمت الذى نهرب منه قد يكون الباب الوحيد لسماع صوت أعمارنا.