زينة الحلبى
كانِت نار، كانِت نار، كانِت نار
كانِت حارقة السما ونشّفت الأنهار
دا مش حب، دا إنذار
دا مش حب، دا كازينو
دا رَهان، دا قَمار
هنا اللعب بالأعمار
«يا سلام»، مروان موسى x الوايلي
ماذا لو اندلعت الحرب فى القاهرة، ماذا لو ماتت المدينة؟ وحينها شيدنا قاهرتك الجديدة، من دمج أنسجة مشيمات الرُضَّع الموتى الجهلاء عن فظائع الدنيا، بذاكرة حقيقية وحيَّة، موحدة بقصة واحدة غنية عن الحياة، لتصير القاهرة كائنًا مُدهشًا، خارجًا من رَحم الحزن الذى يطهرنا، لتصبح نسيجًا منسجمًا لا متنافرًا؟
«كازينو الملائكة»، هدى عمران
ما هو سبيل خلاص الإنسان من أنقاض الكارثة؟
تطرح رواية «كازينو الملائكة» لهدى عمران (دار العين، ٢٠٢٦) هذا السؤال عبر الإجابة على أسئلة أخرى: ماذا لو أُزيلت القلعة فى وسط القاهرة، فتحوّلت المدينة إلى غابات وحيوانات برية، وسبحت بيوتها على الماء، وبُنى مكان القلعة، أى فى عمق المدينة التاريخي، كازينو كبير شرطه المتعة، تحوم فوقه ملائكة «تحلّق فوق رؤوس الشهود، تصيبهم بسهام أقدارهم، ومنها يخرج الإنسان إلى مدينته الجديدة، كيوم ولدته أمه، نظيفاً طاهراً، مستسلمًا لقضاء الله، مزهوًّا برغباته، بلا رغبة قهرية فى السيطرة على الأمور»؟
يشغل هذا السؤال الاستشرافى شخصية المعمارى خالد الهادى الذى تفترض رؤيته زمناً خطياً، يقوم على سرديات «تقدمية» متتالية، بدءاً من هدم مكمن الذاكرة الجمعية، ثم تشييد مدينة جديدة مركزها كازينو، ثم التغنى بالإنجاز العمرانى هذا بوصفه ترجمة لعبقرية المعمارى وتفرّده. الزمن الخلاصى الذى يتصوّره خالد، إذن، هو معياري، بمعنى أنه يطمح إلى تحقيق الخلاص من خلال الاتكاء إلى أنظمة خبرات ومؤسّسات صُمِّمت تاريخياً كى تعيد إنتاج مركزية النظام السائد والسلطة الأبوية التى تشرّع وجوده.
إلا أن هذا الزمن لا يلحظ احتياجات الآخرين، كأهمية الحفاظ على ذاكرة جمعية ومفهوم الرعاية بشكل عام، وكأنها قِيَم خارج السرديات الكبرى للتاريخ. يعمل خالد على تسويق فكرة مشروعه الهندسى الضخم هذا من خلال ندوات يقيمها فى القاهرة من دون أن يكون معنياً بإقناع أحد بصوابية المشروع وامتداداته الأخلاقية. وكأنّ ما تصوّره رؤية خالد، بوصفها مستقبلاً متخيّلاً، يحاكى حاضر القاهرة اليوم، حيث تُختبر المدينة يومياً كحيّزٍ يعاد تشكيله تحت ضغط الهدم وإعادة البناء، وتحت إغراء المتعة بوصفها تخطياً للسياسة وبديلاً للذاكرة.
لا يقتصر خيال خالد الأبوى على الهندسة، بل أيضاً على إدراكه الحميمى لعلاقته مع النساء، والتى هى أقرب لأن تكون صراعاً معهن: بدءاً بعلاقته المقطوعة مع أمه، وصولاً إلى علاقته المبتورة مع «المدينة-الأم»، أى القاهرة، انتهاء بما يشبه الحريم الصغير الذى بناه لنفسه فى الفيوم، والذى يجمع بين زين، زوجته الأولى، المرأة-الطفل التى لا تنجب، وزوجته الثانية ليلى، الروائية الضحلة التى تكتب كتاباً ضحلاً عن الأمومة، والتى تحمل منه جنيناً. وعلى غرار علاقته المتوترة بزوجتيه الاثنتين، لخالد علاقة مع مديرته وعشيقته سارييه التى يحاول أن يتّقى شرّ ذكائها.
فهو المركز، العالِم، والثابت، والمسيطر، والعقلاني، والقادر على الإمساك بأواصر التاريخ والمستقبل معاً. أما المرأة فى رؤيته للعالم وللحميمية، فلا كيان لها سوى نسبةً إليه. هى المتحولة، الخاضعة، العاطفية، المرادفة للحاضر، والتى لا تاريخ لها ولا مستقبل، كونها تنتمى إلى الحيز الطبيعى السابق للعقل. رؤية خالد للعالم، كما للنساء، ستترجم خيالات جنسية، هى نفسها قائمة على الفتح والإخضاع والتسلط والأذى. هكذا تكون ذكورته شرطَ حياة لا نساءه وحسب، بل أيضاً المدن، وصولاً إلى الإنسان الجديد نفسه.
ومقابل رؤية خالد لخلاص الإنسان، يتشكّل الخلاص عند الشخصيات الأنثوية وفق أزمنة متعددة بديلة للزمن المعيارى الأبوي. ففى سرديتهن الخاصة والعامة، يحاكى الزمن إيقاعات جسد المرأة — زمن انتظام الطمث أو انقطاعه، زمن الحمل والرضاعة، حدث الإجهاض أو الولادة، أى التجارب التى تعيد ترتيب علاقة النساء مع الزمن بوصفه دورياً دون أن يكون مثالياً أو كاملاً، فقد يكون عنيفاً، معلقاً، منقطعاً، معطوفاً على الفقد.
ففى تجربة الشخصيات الأنثوية، تبدو التجربة الشعورية للحياة غير معنية بالعقلانية ومركزية العلم. فهناك، مثلاً، أختان تلهوان فى مشيمة (بلاسينتا) والدتهما، ورضيعة تصمت عشر سنوات قبل أن يأتيها الكلام دفقاً.
أما الجنس وفق هذا العالم، فهو ليس مجرّد تواصل بين جسدين أو إخضاع لجسد الآخر، بل امتداد للبنى العلاقتية المؤسِّسة كالأمومة والأخوّة والبنوّة والحياة الشعورية المرافقة لها، حيث تكون لحظة الانسلاخ الأولى عن قلب الأمّ عنفاً وفقداً أصلياً. ففى عالم الشخصيات الأنثوية فى الرواية، تبدو إمكانية الأمومة مأزومة. فالنساء لا يحملنَ، وإن حملنَ يجهضنَ، وإن ولدن يموت رضيعهن، وإن أصبحن أمهات، فهنّ يغبن، إما موتاً، أو اكتئاباً، أو فصاماً.
وإن كان خالد يبدو وكأنه مركز السرد، فإنّ الرواية تركّز على قصة زوجته الأولى زين وبحثها الدائم عن الصديقة، التى هى نفسها الحبيبة، وهى نفسها الأمّ، وهى نفسها الأخت: «ليلى وسارييه وفيفي، ثلاث نساء طويلات، هن حب حياتها، هنّ أخواتٌ لها، خرجن من نَفس النَّبع الشيطانى الذى يغوى بالانحناء فوقه، لتَذوّق مائِه». تعيش زين على إيقاع نساء يظهرن فى حياتها، تتماثل معهن حتى الالتحام، حدّ الانسلاخ.
تنسج زين علاقتها مع تلك النساء اللواتى تحبّ، على هذا القدر من التلاحم، فتشكّل المشاعر والانفعالات والذاكرة والحدس أساساً لإدراك الذات والآخر، ولنظامٍ معرفى وخلاصى بديل لذلك الذى ورثه زوجها خالد، والذى يعيد إنتاجه هندسياً وحميمياً، بوهم تلاحم قوة العقل والعنف والخيال.
ومن التباس الزمن المعيارى من جهة، والأزمنة المتعددة من جهة أخرى، يبرز فى الرواية سؤال استشرافى آخر، أكثر راديكالية، أكثر حلماً: ماذا لو اندلعت الحرب النووية وماتت القاهرة، أين سيعيش الإنسان؟ كيف يُبنى بيت الإنسان على أنقاض نفسه، كى لا ينتهى كل شيء؟ تطرح سارييه، مديرة خالد الألمانية فى شركة الهندسة العالمية، المشروع على خالد وتحثّه على تنفيذه بإصرارٍ توظّف فيه سلطتها الإدارية والجنسية عليه. على خالد أن يعمل، إذاً، على بناء بيت مصنوع «من أطفال رُضَّع ماتوا فى الحرب، أطفال ماتوا للتوّ، وأطفال لم يستطيعوا أن يُولَدوا… بيتٌ مخلَّقٌ من رحِم حقيقي، مندمج مع أنسجة الأجنّة، يتثاءب برِقّة، وحين تدخله، تتحوّل هى نفسها إلى جنين هانئ، تُمحى ذكرياتها السيئة، لأنها ستستغرق فى هذه الرأفة. بيتٌ له ذاكرة وعواطف». يُنسب هذا المشروع الذى تحلم بتنفيذه سارييه، إلى مدرسة سمّتها «العمارة التوليدية». تنطلق هذه المدرسة الاستشرافية فى الهندسة من إمكانات الرحم على العناية، والتى تشكّل امتداداً هندسياً للعالم نفسه الذى تجهد زين على بنائه مع النساء اللواتى تحبّ.
هكذا تتجلّى فى الرواية صيرورتان مختلفتان للإنسان الجديد المنبعث رغم الأبوكاليبس المحتم: ترتكز الأولى إلى رؤيا أبوية للخلاص، تنطلق من دمار الذاكرة، الذى يسبق بناء صرح للّهو يلجأ إليه الإنسان ليغوص فى متعته هرباً من عبء ذاكرته والعنف الذى ينضح منها.
وفى مقابل هذا المستقبل، هناك احتمال خلاص آخر متعدّد الأزمنة، بامتداده الداخلي، الحميمى والشعوري، بعمق ذاكرته، بصلابة خلاياه المشتقة من رحم يجمع ويوحّد، وبذلك يقلب الرؤية الأولى على رأسها، من دون أن يعنى ذلك أن المستقبل البديل خالٍ من الالتباسات والعنف والفقدان.
تبنى هدى عمران عالم «كازينو الملائكة» الروائي، من مستويات حسّية ليست من سمات المركز بوصفه زمناً معيارياً وخطياً، بل من الهامش بوصفه ممتدّاً، دائرياً، منقطعاً، يعود إلى لحظة التكوين الأولى، أى إلى زمن الرحم. تتكثّف فى السرد إشارات إلى كل ما هو سائل، كالمثلثات العاطفية التى تقيمها زين مع زوجها وكل من حبيباتها بالرغم من رابط الزواج، بل تلاعباً به. تُخضع السيولة شخصيات الرواية الأنثوية التى تتكثّف فى مساحات تكثر فيها المسابح وحمامات السباحة، الفردية والجماعية والعامة، والبانيوهات، والمطر فى الصحراء، والثلج الذائب. وكأن السائل استعارة لهذا الرحم الضخم الذى تعوم داخله الشخصيات.
ولأن شخصيات «كازينو الملائكة» تعوم على سائل، فلا استقرار فى المكان. تتحرّك الشخصيات، فى سينوغرافيا تجمع بين بيتٍ فى المعادى وآخر فى الفيوم، مقهى فى وسط القاهرة وشقة مكتظة فى مانهاتن وكنيسة فى السويد.
ولكن كما فى اللاوعى فى طوره الأنثوى الذى يتجلّى فى الرواية، ليست الأماكن إلا تكثيفاً لحالة الشخصيات الشعورية، للرغبة والذاكرة والصراعات التى لا تزال الشخصيات تجهد لسبر عمقها. وكما فى اللاوعى أيضاً، يبدو الزمن الروائى معلقاً.
ندرك أننا فى اللحظة المعاصرة فقط من خلال التكنولوجيا التى تستخدمها الشخصيات، وبعض الإشارات الخجولة لأحداث تاريخية كبرى كثورة يناير وسقوط حائط برلين، وتواريخ حقيقية كسنة ميلاد زين. باستثناء تلك الشذرات الزمنية، فإنّنا نبقى معلّقين، مع إحساس بالقلق لدى كل محاولة التماس اليابسة فى عالم الرواية السائل.
نحن أمام رؤيتين متقاطعتين، بل متنافرتين، للمستقبل ولإمكانية الحياة فى أعقاب الكارثة تتكشّف الرؤيتان على لسان راوٍ كأنه يؤدّى مهمة سرد مستقبل يسيل بين يديه هو أيضاً، ليس بإمكانه الإمساك به إلا بواسطة التكثيف السردي. تتكشّف على لسانه سرديات أتى بها من أرشيف الأساطير والجان والنبوءات، من الروايات الأزلية كجلجامش وانكيدو، من الأفلاك ونجومها، من الحضرات الصوفية والآيات القرآنية؛ من الآيات الكلثومية، من الأمثال الشعبية، من التراث الموسيقى الشعبي، من القصص، من الخيالات الجنسية، أو أى مكمن آخر لذاكرة جمعية بديلة.
ولو أن الراوى يغوص فى المستويات الشفوية، إلا أن لغته فى السرد لا تلحظ المحكيات واحتمالاتها، بل تبقى مكثفة وهى تختبر حدود الشاعرية، بوصفها مضاداً حيوياً للعقلانية وبديلاً لجمود خيالها. يضع كل تلك السرديات فى تناصّ مع مفاهيم فلسفية — من دريدا ومفهومه للغفران إلى عبد الفتاح كيليطو ومفهومه عن الغرابة — وكل ذلك فى حوار مستحيل مع التأريخ والهندسة والعلوم والتكنولوجيا.
يمسك الراوى بسرديات الخلاص المتنافرة والمتقطعة بواسطة التأصيل، فلا يغفل أن يدعم معلوماته العميقة بمجموعة من الهوامش التى يؤصّل فيها لأهم ما أشار إليه فى متن الحكاية (كالهامش السادس الذى يعود فيه إلى الفنان الروسى كازيمير ماليفيتش، وصولاً إلى فوكو وبارث، للتأكيد أنّ الكتابة والخطاب محكومان دائمًا باللغة والتاريخ وشبكات السلطة والمعنى).
لا يؤصّل للمعلومات التاريخية فحسب، يؤدّى أحياناً دور الراوى النهضوي، فيعلّق السرد ليشرح بين قوسين، تاريخ الشخصيات مشيراً إلى دوافعها بنبرة متعاطفة، فيعطينا سياقاً كى نتفهّم تعقيدها وتركيبة رغبتها الجنسية، وإن لم نتفهّمها، أقلّه نتقبّلها على ما هى عليه.
على من يبحر فى قراءة «كازينو الملائكة» أن يجعل عدّته النظرية والنقدية عرضة لنزق خيال هدى عمران، ومستجيبةً له. فالكاتبة تبنى عالماً روائياً يدعونا للتخلى عن كل ما اعتدنا على الاستهداء به، كالسرديات الواقعية، وتلك الغائية، والأخرى التأصيلية، كما منهجية التحقيب الأبوى وخياله معاً.
فـالرواية تراهن على حدود التصنيف، تحاكى الرواية الذهنية من خلال حوارات فكرية بين شخصيات تتناقش حول ما إذا كانت الأخلاق بوصفها نظاماً قيمياً، مثلاً، تصلح لأن تكون معياراً أدبياً يُقتاد به. إلا أن عناصر من الرواية الاستشرافية الديستوبية، تزيح الأسئلة الأدبية الأزلية وتطرح أخرى، يُعيد مجرّد التفكير بها ترتيب البنى الفكرية والمعرفية السائدة.
فالخلاص فى خيال الكاتبة الروائى هو إعادة تخيل الرحم بوصفه نظاماً قائماً على يوتوبيا الالتحام الأول مع جسد الأم، أملاً بالإنسان الجديد فى أعقاب الكارثة. فى النهاية، سندرك أنّ ما تقترحه الرواية ليس مجرد تعدد أزمنة، بل إعادة تعريف للخلاص فى مستقبل محكوم بخرابٍ من صنع الإنسان، خلاص من صنع أنسجة الأجنة، تعود فيه العاطفة والذاكرة كطبقات شعورية ومعرفية مناقضة للمنطق الزمنى الأبوي.
بهذا المعنى، لا تُقرأ «كازينو الملائكة» عبر تصوّرها المستقبليّ وحسب، بل بوصفها تشخيصاً لخيالات المستقبل السائدة فى المدينة اليوم، تلك التى تتغذّى من لغة التطوير ومن مركزية المعمار كما العمار بوصفهما قدراً، خيالات المستقبل نفسها التى تستبطن خيالاً أبوياً للسلطة يرى الخلاص فى المحو وإعادة البناء، وفى تحويل المدينة إلى مشروع متعة أو إلى مخطط تَملُّكٍ للزمن والذاكرة والأجساد. وفى مقابل هذه الخيالات المستقبلية القهرية، تقترح هدى عمران رؤيةً خلاصيةً بديلة لا تعد بالخلاص عبر الهيمنة، بل عبر استعادة الرحم كمنظومة رعاية وذاكرة جماعية ونظام عاطفي، أى كسياسة للتماسك لا للإحتفاء بالقوة.
أهمية الرواية، إذن، أنها تُعيد توجيه سؤال المستقبل من السؤال الأول «من سيسيطر على المدينة؟» إلى «كيف ستُصان الحياة فى المدينة؟»، فترينا أهمية الانتقال من الخيالات المشروطة بالتدمير والسيطرة التى تعيد خلق الانسان الجديد على أعقاب الكارثة التى صنعها بنفسه، إلى أخرى يكون فيها خلاص الإنسان مشروطاً بصلابة البنى الحميمية المشتركة، والذاكرة الجماعية الحاضنة.
دكتورة أكاديمية تهتمّ بالأدب والنقد الثقافى
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







