ممدوح رزق
حين قرأت قصيدة «وضاعةُ الحياةِ داخل قصص الحب» لإيمان جبل ضمن مجموعتها الشعرية «كل هذا الدفء فى عينى مريم» الصادرة عن دار المحرر؛ توقفت عند كلمة «المجموعة» فى هذا المقطع «بإمكان جرح يتيم / أن يكتب ألف قصة أصلية.. / ما من واحدة بالمجموعة / تشبه الأخرى”. تساءلت: لماذا لم تكتف إيمان جبل بكتابة «ما من واحدة / تشبه الأخرى» فقط، أو «ما من واحدة منها / تشبه الأخرى” فكرت فى أن إيمان جبل أرادت أن تكتب كلمة «مجموعة» فى حد ذاتها احتاجت ولو بشكل غير واع لأن تُظهر هذه الكلمة بوضوح، لأن «الجمع» هاجس مترصّد فى قصائد المجموعة لكن أى «جمع» أقصد؟. لا أتحدث عن التضاد التقليدي: «الجماعة البشرية» فى تعددياتها أو تحديداتها المراوغة مقابل «فردية» مؤرقة بما يسمى الانتماء أو التحرر، وإنما أتحدث عن «الجمع» كتخييل ملغّز، الامتلاك الغيبى الكامل، والمتعذّر للحيوات كافة، الذى تسترد به «الأنا» كونيتها، بلا مجاز، لكى تعود «ذاتًا كلية» كما كانت قبل أن تُحتجز فى «الإيهام القسرى بالوجود».
«بإمكان جُرحٍ يتيمٍ
أن يكتب ألفَ قصة أصلية..
ما من واحدة بالمجموعة
تُشبه الأخرى
بإمكانك أن تشهد معى
ميلادك المستمر
فى كل كلمةٍ
دون أن تتكرر مرة وحيدة
لا أعرف هل أسميها بلاغةَ الأدب
أم وضاعة الحياة داخل قصص الحب!».
هنا نضع أيدينا على مكمن اليُتم. إنه ذلك البتر الاستباقى المبهم للذات عن المطلق. تجريد الذات من عموميتها اللانهائية قبل ولادتها فى العالم لتتحول إلى كائن عابر، مؤقت، زائل، يكتب جرح يُتمه قصصًا أصلية، لا تتشابه، عوضًا عن غياب تلك الذات عن استبدالها كذاكرة غير مدركة بـ «كائن» حُرم من قدرته «الإعجازية» أن يقبض على القصص جميعها، أى على كل قصة فى ذاتها، وكأن «الميلاد المستمر فى كل كلمة» محاولات لا تتكرر أى منها لاسترجاع «الهيمنة الكونية الغامضة» التى خسرتها الذات لحظة تمريرها إلى العالم كأن هذا الخلق المتواصل لـ «قصص الحب» بانطوائها على «وضاعة الحياة» سوف يعيد إلى الذات حضورها الشامل، الأصلي؛ يقودها عبر القصص إلى ما قبل «اليُتم» المحاولات نفسها التى توطد «الأنا» كجرح لهذا اليُتم.
«بالأمس كنتُ خيطًا
سحبنى أحدهم حتى انتهيت
وفى آخر ثانية فكرت
لو أنى قمت بحرق طرفى
بعود ثقاب..
لحظيت بميتة إضافية
أُبْعَثُ من بعدها ثانية
لأكمل اللعبة
التى لا أعرف سبيلًا لرفضها!».
فى هذا المقطع من قصيدة «أمهلنى يومًا آخر» تجسّد «الأنا» ذلك البتر الاستباقى المبهم للذات عن المطلق، أى ما جعلها «أنا». الخيط: الضعف مقابل الكمال، البداية والنهاية مقابل الأزلى والأبدي، النسج المخادع للخطو مقابل المعرفة التامة بما تخفيه الأقدار والمصائر، «يسحبنى أحدهم» مقابل إرادة غيبية لا تُخدش بأدنى عائق الخيط مجاز، أى أن «الأنا» لا وجود لها، عدم يستعين بـ «الخيط» لكى يشير إلى كونه سرابًا للذات، إلى كونه «ذاتًا» مستبعدة يحضر المجاز كصورة مناقضة لما يُنبئ به ولا يمكنه التيقن من حقيقته صورة مناقضة «الخيط» لما يُفترض أنها الكينونة المجهولة «المحصنة» التى حلت «الأنا» بكامل سرابيتها بدلًا منها «الحرق» فى هذا المقطع من القصيدة هو إعطاب للمجاز، ومن ثمّ لما أُجبرت «الأنا» أن تكونه ألا تكون «خيطًا» وهذا ما يعنى بالضرورة «الموت»، لأنه لا امتداد لـ «الأنا» خارج وهم وجودها الذى يمثله المجاز فى هذه اللحظة تحديدًا يتحوّل البتر الاستباقى للذات عن المطلق من «قدر» إلى «لعبة» «لعبة كتابة» تجابه «لعبة القدر». تعطب إيمان جبل المجاز بالمجاز. تواجه مجاز «الخيط»، بمجاز «الحرق» لماذا؟. لأن «الحرق» المجازى يضمن مواصلة اللعب، يتيح لـ «الأنا» أو سراب «الذات» الاستمرار فى خوض هذا المرح الكابوسى الناجم عن رد اللعب بمثله لكى تكرر «الأنا» مع كل «بعث» جديد الاشتباك مع ذلك التخييل الملغز لامتلاك الحيوات كافة لكى يصبح الإرغام على اللعبة احتفالًا سوداويًا بكونية «الأنا» التى لا يمكن استردادها هكذا فقط تتحوّل «الأنا» المقهورة على «العدم» أو الممتثلة رغمًا عنها كسراب متعسف لـ «الذات» الكلية المحتجزة لتكون «الظل الأرضى» لتلك الذات. تتحوّل «الأنا» إلى «ذات كتابية»، «مطلق مضاد»، يناوئ سر «المطلق».
«فى الماضى كنت أقول لك:
«هذه الأرض تقتل أبناءها»
والآن أعكس لك صورة الدماء
وهى تنز من جُرحٍ لا يمكن رؤيته
ربما بدأَ القتلُ
قبل أن يعمّر العالمُ بندقيته
أحدهم سرقَ منى
الكتالوج الرئيسى للحياة
من وقتها وأنا لا أكف
عن خلق أنماط بديلة
لسرقات تعنينى وحدى».
فى هذا المقطع من قصيدة «كتالوج بديل للحياة» تتجلى الاستبصارات السابقة على نحو ناصع: الأرض التى تقتل أبناءها / موضع سقوط الذات من غيبيتها دماء تنز من جرح لا يمكن رؤيته / دماء الفناء الناجمة عن الجرح المخبوء لليُتم. القتل الذى بدأ من قبل أن يعمّر العالم بندقيته / تجريد الذات من عموميتها اللانهائية قبل ولادتها فى العالم سرقة الكتالوج الرئيسى للحياة / استبدال الذات كذاكرة غير مدركة بـ «كائن» حُرم من قدرته «الإعجازية» أن يقبض على القصص جميعها. خلق أنماط بديلة لسرقات تعنى «الأنا» وحدها / رد اللعب بمثله.
يجدر الانتباه طوال الوقت إلى أن لعبة المجاز لا تستهدف «غاية» مجازية، بالعكس؛ إنها فى تحويل كل فكرة ممكنة وكل خاطر محتمل عن «الكتالوج» إلى «لهو شخصى» تريد أن تتوقف «الأشياء» عن أن تكون مجرد «كلمات» تريد لكل شيء أن يتخلص من رمزيته، من إحالاته التبريرية التى ليس بوسعها أن تحمى خيطًا من الانقطاع أو من الفشل فى الالتئام بخيط آخر ألا يكون الخيط عدمًا، أو ما يقرره عن نفسه سرابًا. تريد لإحراق الخيط أن يكون استدراكًا فعليًا، تعطيلًا لمشيئة الخسارة فى مهدها بأثر رجعي. يجدر الانتباه طوال الوقت إلى التوق العقابى المضمر فى اللعبة.
«كنت كلما غالبنى البكاء/ أغرس وتداً،/ اليوم أملك قلعة عظيمة/ على أرض تحلم برد الاعتبار».
«كان بإمكانى أن أعيش/ قصة حب ملحمية/ لولا أن القبيلة وصمتني/ بتجربتى الخاطئة/ كان بإمكانى أن أكتبها/ لولا أنهم حرموا عليّ أصابعي».
فى المقارنة بين هذين المقطعين يمكن تأمل «الاستدراك الفعلي»، و«التوق العقابى» بصورة أكثر حدة؛ «رد الاعتبار» كحلم لـ «أصابع محرمة» تريد أن «تكتب تجربة خاطئة». لنفكر فى أن البكاء تمهيد لما يتجاوز الألم. الوتد كتابة، وحصيلة ما تشيّده الكتابة هى بصمة الحالم برد الاعتبار، على أرض شكّلها الموت.
لكن، أى قصة يُقصد كتابتها بالنظر إلى «تحريم الأصابع»؟ لتكن «قصة حب ملحمية»، ومع ذلك حين تُكتب سواء على مستوى الذهن أو بتدوينها فإنها لا تقارب ثنائية «الكاتب / القبيلة» بوصفها (الفرد ضمن أو خارج الجماعة)، كما أشرت من قبل، وإنما الذات الكتابية، التى كلما غالبها البكاء وكتبت قصيدتها أدركت أن عدم حيازتها لـ «حيوات القبيلة» هو ما يحدد لغتها، هو ما يصوغ ألمها، ويحفر بصمة رغبتها فى استدراك ما فقدته، وتوقها إلى عقاب «الفقد» فى ذاته.
إن هذه الحيازة المستحيلة للحيوات كافة شبق ملتبس، لا يتعلق ببشرية الكاتب بقدر ما يرتبط بكونيته المصادرة، الأكثر بدائية من كونه إنسانًا، بخلوده المستلب، لذا فتلك الهيمنة لا تٌعرّف إلا بنقيضها فحسب، أى بكونها عكس ما تلاقيه «الأنا» فى العالم. لا تعرّف إلا بالفناء. تحدس الكتابة، حتى دون إفصاح، بأن ذلك الامتلاك الغيبى الكامل للحيوات كافة إن تحقق كاستثناء خارق أو كهفوة غيبية غير متوقعة؛ فلن تكون هناك أقدار أو مصائر، بما أن الذات ستتخلص من سراب الأنا، ستعود كل «أنا» ذاتًا، ومن ثمّ يكون لكل «مطلق» لعبته، التى سوف يعرف بالتأكيد استنادًا لبداهة معجزاته كيف يخلق القصص ويُبقيها فى خيال غير مٌهدَد، يعرف كيف يجعل اللعبة كتابة أيضًا.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







