شاهد رأى كلَّ شىء!

لقاء جمع بين أم كلثوم ورامى وطاهرأبو زيد والرجيب
لقاء جمع بين أم كلثوم ورامى وطاهرأبو زيد والرجيب


عبد الوهاب الحمادى

لو طلبت منك تحديد أهم أحداث التاريخ فى مصر القرن العشرين، لن تنسى بالطبع أهم حدثين وهما: النكسة، وحرب أكتوبر. وبالطبع قد تحكى لى ما جرى خلالهما، ماذا لو أضفت لك أن هناك مثقفا كويتيا أدرك تلك الفترة فى القاهرة لا بصفته سائحا أو طالبا، بل سفيرا لبلده منذ العام ١٩٦٦م إلى ١٩٧٧م فمن الطبيعى أن تصوّره فى خيالك يصافح جمال عبدالناصر ويجالس السادات فى مؤتمرات واجتماعات ولقاءات عامة وخاصة.. طيب.. ماذا تكون صورة خيالك لو أخبرتك بأن الكويتى كان طالبا فى مصر منذ العام ١٩٤٥م فى عهد الأسرة الخديوية ودرس فى المعهد العالى للتمثيل، وكان زملاؤه: سميحة أيوب، فاتن حمامة، ملك الجمل، نعيمة وصفى، فريد شوقى، عبدالمنعم إبراهيم، عبدالمنعم مدبولى، شكرى سرحان وأخوه صلاح سرحان، وزكريا سليمان، إبراهيم الشامى، عدلى كاسب، على الزرقانى، وعمر الحريرى

. ودرّسه مترجم الإلياذة والأوديسة درينى خشبة والدكاترة زكى مبارك وكان مدير المعهد هو الدكتور زكى طليمات وهو الكويتى نفسه الذى جاء بطليمات لاحقا ليؤسس المسرح الكويتى تأسيسه الثانى على قواعد أكاديمية. وقبلها مثّل ذلك الكويتى مسرحيّات أمام الملك فاروق الذى كانت فرقة المعهد تقيم عرضا له فى القصر مرّة أو مرّتين فى السنة.

وخلال كلّ ذلك هو معلّم مدرسة وملحّن وعازف قانون وممثّل وناظر مدرسة ووزير شؤون اجتماعية وعمل ووزير إسكان وسفير فى القاهرة ولاحقا فى الرباط ومؤسس لعدّة مطبوعات. وفوق كل ذلك عرف بحسّه المرح والساخر.

حينها بلا شك ستسألنى ما اسم صاحبنا؟ وأجيبك دعك من اسمه حاليا وما رأيك أن أقص عليك بعضا من حكاياته التى وثقها فى سيرته الممتعة «مسافر فى شرايين الوطن» والتى للأسف مفقودة من السوق لأن طبعتها نفدت ولم تعد طباعتها.

عندما عرف درينى خشبة بأن صاحبنا كويتى، طلب من تلميذه كتابة نبذة عن الكويت لتصدر فى مجلّة المجتمع، التى كانت تصدرها وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية ويشرف هو عليها، كتب صاحبنا المقال ونشر: «وبعد ١٥ يوما من نشر المقالة جاءنى خطاب بالبريد المسجل على بيت الكويت وبداخله شيك باسمى بمبلغ خمسة جنيهات استرلينية، أجر المقال.

كان راتبى فى ذلك الوقت٣ جنيهات مصرية فكان المبلغ بالنسبة لى كبيرا، والأهم أننى حين كتبته، كتبته من أجل بلدى ولم أفكر فى أننى سأتقاضى أجرا على كتابتى لهذا المقال، كانت الخمسة جنيهات تعادل راتب شهرين تقريبا، فرحت بها كثيرا، وما كان منّى إلا أن ذهبت إلى المعهد وقابلت الأستاذ درينى خشبة وشكرته على المبلغ، وقلت له أتريدنى أن أكتب مقالا عن البحرين؟.. فقال لى سوف نطلب منك فى حينه».



ومرّة رأى صاحبنا زكى مبارك، وكانت علاقتهما قويّة فأراد أن يختبره، فسأله: «ما معنى عَرْفَىْ؟» وهى مفردة كويتية تنطق بالياء وأصلها بالجيم، «وهنا أخذ يتمشى ويردّد عَرْفَى.. عَرْفَى.. ثلاث مرات وكأنه يريد التأكد من المعنى، ثم التفت إلىَّ وقال: يا ابنى لا يوجد فى اللغة العربية كلها كلمة عَرْفَى، وإنّما هناك كلمة عَرْفَج، بالجيم وهو نبات تأكله الإبل وينبت فى الجزيرة العربية.. وكان الجواب شافيا فالأصل لهذه الكلمة عرفج وإنّما نطقتها بلهجتى الكويتية لأختبره».

 يقول: «فى مصر لم أحس أبدا بالغربة وبأننى غريب عن المجتمع المصرى، فأنا أعود إليه بعد غيبة عشرين سنة» إذن عاد الطالب إلى مصر سفيرا لبلده، وبينما كانت الكويت تتوسّط للصلح بين السعودية ومصر شهد صاحبنا هذه القصة: «كان الشيخ صباح الأحمد قد عاد لتوه من السعودية إلى مصر لإزالة الجفوة بين الدولتين الشقيقتين، ذهبت برفقته إلى عبدالناصر فى منزله بمنشيّة البكرى، وكان يحضر اللقاء عبدالحكيم عامر وأنور السادات نائب الرئيس عبدالناصر فى ذلك الوقت وحسن صبرى الخولى»، لقاء مهيب ولحظة تاريخية وسَمَتْ المنطقةَ حتى اليوم بميسمها، «بدأ الشيخ صباح الأحمد حديثه إلى عبدالناصر قائلا إنه عائد للتو من لقاء جلالة الملك فيصل، وإنه أبدى ترحيبا باللقاء مع الرئيس عبدالناصر سواء لديه فى السعودية أو فى مصر لدى الرئيس عبدالناصر.. أو حتى لدينا فى الكويت، وكنت كالعادة أقرأ تعبيرات الموجودين من تأثير هذا الخبر الذى حمله شيخ الدبلوماسية الكويتية إلى الموجودين، وخاصة تأثيره على الرئيس عبدالناصر، لاحظت الارتياح الذى بدأ على تعبيرات وجهه رحمه الله وكان وجهه معبّرا جدا حين سمع هذا الحديث.

ولكننا فوجئنا بالمشير عبدالحكيم عامر يقول موجّها كلامه للرئيس عبدالناصر بطريقة أبسط ما يمكن وصفها بأنها عصبية.. قال: يا سيادة الرئيس أنا وجيشى لن نخرج من اليمن، ولا نريد منكم فلوس (يقصد الرئيس عبدالناصر).. وحنصرف على نفسنا بنفسنا! وكان معروفا أن وجود الجيش المصرى فى اليمن يكلّف مصر والشعب المصرى فوق طاقته، وأنه عبء على الخزانة المصرية.

لا أنسى نظرة السخرية فى عينى الرئيس عبدالناصر وردّه اللاذع الذى يحمل أكثر مما يبدو فى الواقع، قال له بالحرف الواحد: ما تيجى نعملك إمام لليمن!». هذه حادثة على ما يبدو لم ترد فى كتب الصحفيين التاريخية التى ألّفت كثيرا من تاريخ الزعيم المصرى، ثم يكثّف مشاعره معبّرا عن رأى جيله: «مسكين هذا الزعيم المخلص والمحب لبلده وللعروبة، لقد دفع من أعصابه ودمه وحياته ثمنا لهذا الإخلاص ودفع أيضا الثمن غاليا بثقته المتناهية فيمن حوله فكانت هذه النتائج».

 ومن الجوانب الفنية فى سيرته قوله: «وكان من بين أصدقائى الموسيقار رياض السنباطى، وكان معروفا بأنه لا يجتمع بأحد أو يزور أحدا، إنما كان معتكفا فى فيلته بمصر الجديدة، سعيت إليه وكان معى الأديب أمين يوسف غراب، أيامها كان هناك فتور بين أحمد رامى وأم كلثوم، ويومها رن جرس الهاتف وردّ السنباطى، وسمعنا طرفا من الحديث، فهمت أنه يكلّم أم كلثوم ويقول لها: معلش يا ست أنت الأكرم! سألته: أنت بتكلم الست؟ قال: أيوه.. ثم أضاف: بتقول الموسم قرّب ومعندناش كلام، فقال لها السنباطى عن أحمد رامى: كلمتين منّك ترضيه، ادعيه يشرب فنجان قهوة واطلبى منه كلمات. وافقت أم كلثوم على رأى السنباطى».

وتمر الأيام ويجلس صاحبنا فى بيته مع صلاح طاهر وأنور أحمد وعبدالمنعم سعيد وينضم لهم أحمد رامى، ودار حديث سجّله صاحبنا بدون علم رامى، سأله ضمن ما سأله عن بدايات معرفته بأم كلثوم فقال: «وأنا فى باريس أرسل لى صديق يستدعينى للقاهرة فى الصيف ويقول إن عندنا بنيّة تغنى فى حديقة الأزبكية، وهى تغنّى لك شيئا من أشعارك. سافرت للقاهرة فى الصيف وصحبنى صديقى هذا إلى حديقة الأزبكية، جلست على الأرض كان المتفرّجون حلقات، فلمّا خرجت على الجمهور وكان معها أبوها الشيخ إبراهيم، وكانت تلبس عقالا وملابس بلدية ومعها تخت، وأخذت تغنى.. ذهلت من صوتها، وذهبت لها بعدما انتهت، قلت لها [..] عايزك تغنّى قصيدة الصب تفضحه عيونه، قالت له: أوعى تكون أنت أحمد رامى! قال لها بفرح: أيوه أنا! وأضاف، هذه أوّل قصيدة غنتها أم كلثوم لى». وهذه القصّة مخالفة لما ورد فى فيلم «الست» السينمائى الذى أنتج عام ٢٠٢٥م. ثم تذكّر صاحبنا مكالمة السنباطى مع أم كلثوم سالفة الذكر.. فسأل عنها أحمد رامى الذى دهش وقال: «يا سلام! إنت فاكر هذا الكلام، هى يومها كلمتنى على طول وقالت لى: يا أحمد أنا عايزاك تشرب فنجان قهوة».

يكمل رامى: «فرُحت قلت لها على طول: جايلك، وركبت تاكسى وحاسبته أمام فيلتها، وطلعت السلم يا دوب سلمتين وأنا سعيد بهذه الدعوة، أتساءل فى نفسى يا ترى جدّدت حبّك ليه؟ فلما دخلت عندها، أخذت تعتب علىَّ، وبعد أن شربنا القهوة قالت: أريد منك أن تعمل لى كلام علشان الموسم ده، هل ممكن؟ أم لا تزال زعلان؟ فقلت لها: يا ست وجدت المطلع، قالت إزاى؟ قلت لها: ما رأيك بهذا المطلع.. جدّدت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح..» ثم أكمل أحمد رامى فى الحال صياغة استهلال الأغنية الشهيرة.

صاحبنا الكويتى الذى قصقصت عليكم بعض ذكرياته من كتابه، اسمه حمد عيسى الرجيب، ولد عام ١٩٢٢م فى حى الفارس فى مدينة الكويت القديمة وتوفّى عام ١٩٩٨م، وإليه وصاحبيه وهما عبدالعزيز حسين وأحمد مشارى العدوانى يُنسب شطر كبير من نهضة الكويت منذ عادوا لها بعد الدراسة أواخر الأربعينيات، فأسسوا مرحلة جديدة من التعليم والمسرح والفن وكل نغمة جميلة. أثناء اشتغالى على كتاب انتهيت منه عن سيرة أحمد مشارى العدوانى، تعرّفت على حمد الرجيب أكثر، وقرأت سيرته، وعشت مع سيرة العدوانى والرجيب وصاحبهما عبدالعزيز حسين أوقاتا طيبة مليئة بالأمل.

فى سيرة حمد الرجيب سردٌ لطفولته وشبابه فى الكويت وانتقالاته فى الدراسة والوظيفة إلى القاهرة، ووثّق فيه عادات وقصصا. انتبهت إلى أنه كتبها بعد عام الاحتلال فى 1990م وجمعت فى كتاب، وبان ذلك من تعليقات مقتضبة ومريرة على ذلك الزمن، آه، ليته زاد فيها وكتب، لأننى أريد أن أعرف كيف عاين جيله المؤسس تهدّم بناء ظنوه شامخا، لذا سأختم بقصة أوردها وتعليقه المقتضب المرير فى آخرها؛ فى سيرته، وبعدما غادر بلده نحو النيل يرجع صاحبنا إلى زمن ١٩٤٨م عندما ركب ترامواى القاهرة، وانتشر خبر هدنة بين العرب واليهود، فرأى امرأة واقفة تقطّع ملابسها وشعرها وهى تصرخ: «يا ندامة.. هدنة.. ليه يعملوا هدنة، بعدما ضاع دم أولادنا؟» ثم يعلّق ويسجّل للتاريخ: «هكذا كانت الوطنية تشمل الجميع وكانت الهموم يقتسمها الجميع، حتى نحن الطلبة الذين جئنا لتلقّى العلم لم نقف متفرّجين، لا يمكننا أن نقف هكذا من أحداث تؤثر فى عالمنا ولا نشارك..» هذا الهم المشترك بات موجعا عندما عاد الرجيب من التذكّر البعيد إلى التذكّر القريب: «أتذكّر جيّدا بكل الألم العميق عالمنا العربى بالأمس القريب خلال العدوان على وطن مسالم لم يقدّم إلا الخير والعون والمساندة، وفرق كبير بين ذاك اليوم والصورة فى الأمس القريب». هذا الاحتلال الفارق والمؤسس لكل أزمات العالم العربى، والكاشف لما فى الصدور، شرخ زادته الأيام رغم جسور النسيان التى تبنى بين ضفّة وأخرى. 

هل سردت كل قصص الأستاذ حمد الرجيب التى كدت أحفظها من تلذّذى بسيرته «مسافر فى شرايين الوطن»؟ بالطبع لا، لأن لكلمات المقال حدود، ولصبر أحبابى فى الجريدة حدود كما غنّت الست.. وليت أحدهم ينظر ثم يأمر فيعاد طبع الكتاب الثمين.