أشواك حديقة تورينغ

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


رنا حايك


نعم، نعم... الحلم... اعذرنى يا سيغما... إنّه مخى المثقل العشوائى الاستطرادى الغبى مجدّدًا... 
كانوا جميعًا هناك، أحبّائى الجميلون الحمقى، الطيّبون المؤذون، الموجوعون ولذلك هم يوجِعون، الذين، فى المجمل، امتصّوا دمى ولم أحصل من بعضهم إلّا على فتات حبّ كنتُ أفرح به ككلبةٍ داشرةٍ تفرح بعظمةٍ رُميت لها كنّا فى سهرة نار طبعًا، فى أحلامى تتداخل أمورٌ بمنتهى الواقعية من يوميّاتى مع فانتازيا تلحّفتُ بها طوال حياتى كدرعٍ واقٍ ومنفذ للهروب، استمدّيتُها من قراءاتى فى الأدب والتاريخ وعلم النفس والطقوس الروحانية النار فى الوسط مهيبة.

الطبول تقرع وصوتٌ أنثوى يصدح بإحدى أغانى الفايكينغ القديمة التى أعشق، تلك التى ترشح حزنًا وأملًا، وحروبًا وسلامًا فى الوقت عينه وكنتُ الملهمة كما أردتُنى دائمًا أن أكون (وذلك أحد أدوارى، وواحدة من حماقاتى أيضًا التى ساعدتنى بنجاح على التمرّغ فى وحول المبدعين و«المثقّفين» مرّة بعد مرّة).

كنتُ خفيفة ونورانيّة بقميصى الأبيض الشفاف وصولجان الورد الملتفّ على رأسى. كنتُ إلهةً إغريقيّةً، شعرى يتطاير مع نسماتٍ رقيقة محمّلة بصرخات كليوباترا ومجون ديونيسوس وانتشاء زيوس.

كنتُ الضحيّة (دورى المحبّب على مدى سنوات، هههه) مجمّلةً بوهم التضحية كنتُ أضحية عليها أن تموت كى يعيشوا، وكنتُ على وشك تقديم حياتى قربانًا لحيواتهم، كما فعلتُ دائمًا. ثمّ حدث شىء مفاجئ؛ رعدت السماء وبرقت وانهمر المطر كالفولاذ، كانت حبّاته الكبيرة ترتطم بوجهى وجسدى بعنفٍ يقصد اختراقى للوصول إلى روحى فتحتُ عينى وكأنّنى كنتُ مسرنمة. فتحتُهما بهلعٍ، فبدتا ضعف حجميهما الصغير، وشهقتُ فخرجت النار من فمى.

انتفضتُ كالمجنونة ونظرتُ إليهم لم يعودوا هم كانوا عراة لونهم أصبح مختلفًا وداعتهم اختفت عن محيّاهم، تمامًا مثل دوريان غراى فى اللوحة كانوا بشعين (وهذا غريب، فأنا فى العادة أختار الوسيمين تعرفنى كم أحبّ جمالهم يا سيغما فأنا أيضًا أسلّعهم، وليسوا هم دائمًا مَن يسلّعون ويشيّئون النساء هذا مفهوم خطأ، وبصراحة فيه بعض التحامل عليهم، لأنّنا نحن النساء نفعل هذا أيضًا، لكنّ المجتمع يتواطأ معنا ويغفر لنا ما لا يغفره للأسياد المتسلّطين بعد أن أنصفهم التاريخ بالتسيّد والتفوّق).

نظرتُ إليهم كالمجنونة، وانطلقتُ نحوهم بسُعار من يريد أن يقتص من كلّ ما هو قبيحٌ فيه. اقتلعتُ قلوبهم يا سيغما، وكنتُ أبكى وأنا أفعل. أبكى لأنّهم دفعونى للقيام بذلك. أبكى لأنّنى لم أرد منهم سوى الحب، لكنّهم قتلوه فى كلّ يوم. 

كانت مجزرة. الأرض الخراب... وكنتُ وحدى أقف فى المنتصف، كما كنتُ دائمًا، لكن هذه المرّة من دون إعطائهم ميزة أنّهم بجانبى، عن كرم أخلاقٍ منّى، بينما ليسوا كذلك بالفعل. سئمتُ من الادّعاء والنفاق فقط بهدف مساعدة الآخرين وتعزيز ثقتهم بأنفسهم على حسابى، بينما هم يتلقّفون أقرب فرصة للحط من قدرى بهدف تغذية «أناهم» الخاوية الهشة.

لن أسمح لهم بعد الآن بالنموّ كالطفيليّات على جسدى والتغذّى على دمى لن أحاول بعد الآن أن أظهرهم بأبهى مظهر وأنا أنزف. أحبّ حبّى لهم، ويؤلمنى أنّهم لم يحبّوه مثلى على قلوبهم هذه أن تتعمّد بالنار كى تُبعث من جديد قلوبًا تعرف الحبّ، قلوبًا تنبض فى صدورٍ شجاعةٍ لا تخاف استقباله ولا منحه.

لأوّل مرّة أقتل من أحبّ يا سيغما (لا تستعد الآن مجلّدات ما كُتبَ حول قتل الأب والسلطة، أبوس إيدك!).

كان المطر قد هدأ قبّلتُ قلوبهم واحتضنتها قريبًا من صدرى، قبل أن ألقمها للنار التى أشعلتُها بزفرةٍ من فمى خرج معها كلّ ألمٍ تسبّبوا به يومًا ذرفتُ دموع الخيبة والمرارة منهم، والحزن والإشفاق عليهم، ثمّ نهضتُ كالثكلى، أشعر بإنهاكٍ فظيعٍ ولكن أيضًا بخفّةٍ «تُحتمَل» هذه المرّة تأمّلتُ النار وهى تلتهم آخر أحلامى وآمالى وأوهامى ودّعتهم بدمعة القبول الممزوج بالحكمة والحنين، دمعة المُفارق الذى ينتصر لنفسه للمرّة الأولى، ولم أودّعهم بابتسامة الغاضب ولا المتشفّى ولا الحقود حامل الضغينة. 

ثمّ قادتنى خطواتى إلى الجبل المقابل لم أكن أفكّر. قوةٌ ما كانت تسحبنى إلى هناك لسببٍ لا أعرفه تيّارٌ رقيقٌ لكن حازم استسلمتُ له، فمشيتُ بخفّةٍ وسلامٍ لم أختبرهما من قبل هناك، فى الأعلى، رأيت معبدًا يشعّ نورًا وطمأنينة، فتوجّهتُ نحوه وأنا لا أزال مسحوبةً بذلك التيار الخفى من الجاذبية كأنّه يندهنى، كأنّه هناك ينتظرنى منذ آلاف السنين صعدتُ درجاته الكثيرة وكان على أن أحنى ظهرى كى أتمكّن من الصعود، كما فى الهرم الكبير حيث على الزائر أن ينحنى حُكمًا، لضمان تقديمه فروض الإجلال، وهو يصعد باتّجاه الحجرة الملكيّة فى محاكاةٍ جنائزية لملاقاة مومياء عبرت إلى العالم الآخر لم أشعر بالتعب وأنا أصعد (مع أنّنى أعجز فى الواقع عن صعود طابقين بسبب ذلك الوجع اللعين فى ركبتى)، بل شعرتُ بالحماسة، بولادةٍ جديدة، بتباشير عبورٍ يشبه عبور خوفو.

مع كلّ درجةٍ أصعدها، كان يتفتّح فى صدرى برعمٌ جديدٌ من الثقة بنفسى وفى حبّها. مع كلّ درجةٍ أصعدها كنتُ أشعر أنّنى أكتشف زاوية جديدة فى روحى، وأقترب أكثر فأكثر منّى. عندما وصلتُ إلى الدرجة الأخيرة، انكشف المشهد أمامى على بلاطٍ أندلسى بمائه الرقراق وفسيفسائه الملوّنة وهناءته الراغدة. كان ثمّة بركة، على حافتها جلست فتاة صغيرة تحمل مرآة وتتلهى بالحديث إلى نفسها.

طفلة تلعب كما آلاف الأطفال غيرها لعبةَ المرايا اقتربتُ منها ببعض الحذر الممزوج باليقين. نعم، للمرّة الأولى فى حياتى، اليقين اليقين بأنّنى فى المكان الصحيح اقتربتُ أكثر وواجهتُها لأغرق فجأة فى دفقٍ من الكمال والاكتمال نورٌ كأنّه الأوّل لضريرٍ رأى للمرّة الأولى.. غلافٌ من الطمأنينة لفّنى. نظرتُ مليًّا إلى وجهها، فابتسمَت ابتسامةً فاضت لها روحى رقّة. «انتظرتُكِ طويلًا»، قالت، فلم أجب. فقط احتضنتُها. احتضنتُها ودموعى تنهمر على وجنتى ولا كلام يحضرنى. أتعرف من كانت تلك الفتاة يا سيغما؟ كانت أنا. تلك الفتاة كانت أنا!

«لن أهجركِ مجدّدًا»، همستُ لها، كما حدث مع شجرة الزيتون لم أفكّر جاء الكلام على لسانى وكأنّنى لُقّمته، كأن لا كلام غيره، وكأنّ كلّ الكلام انتهى ولم يبقَ غير هذه الجملة بمجرّد أن نعرف، لا يعود بإمكاننا الرجوع إلى الوراء، وتلك كانت لحظتى فى المعرفة لقد وصلت بعد مشوارٍ طويلٍ من الوحدة والاغتراب فى دهاليز ومشقّات وآلام التنكّر للنفس، وصلتُ أخيرًا. أنا هنا الآن، ولا قوّة فى العالم ستنتزع هذه الطفلة عن صدرى، لن أفلت يدى بعد الآن عمّا أمتلكه، لن أتنكّر له، لن أغترب عنه، لن أخونه، لا أحد سيمسّ تلك الطفلة بسوءٍ بعد اليوم.

فى السماء، كانت الهامة تحلّق مرتويةً هانئة، لا تنادى كعادتها: «اسقونى، اسقونى!». فروحها لن تقبل العطش بعد الآن، لن تشعر به أصلًا بعد هذا اليوم.
ثمّ استيقظتُ وجئتُ إلى هذا المكتب التافه.