نجوان درويش
قالَ لى: كانَ كُلُّهُ بِلا أَمَلٍ الأَمَلُ كانَ بِلا أَمَلٍ
القَمحُ وهو يُحصَدُ كانَ بِلا أَمَلٍ
الثَّلْجُ وهو يَفتَرِشُ الحُقولَ كانَ بِلا أَمَلٍ
صَوتُ مُغَنّى التِّينور
وصَوتُ مُغَنِّيَةِ السُّوبرانو كانا بِلا أَمَلٍ
كُنّا بِلا أَمَلٍ
وكانَ هذا سِرَّ أَمَلِنا.
قالَ لى: عِشْتُ صَنّاجَةً
ظَنَنتُ أَنَّنى أُغَنّى للعَرَب
وظَنَّ العَجَمُ أَنَّنى لَهُم أُغَنّى
وكُنتُ بِصَوتى الأَسوَدِ
أَشُقُّ عُصورَ الجَليد
لِأُقَدِّمَ أُغنِيَتى للإِنسانِ الأَوَّلِ
يَأساً مِنَ الإِنسانِ الأَخير.
قالَ لى: نَلتَقى فى شيراز
فى قِنّسرين
فى قَندهار
فى بُخارى أَو أَصفهان
فى دِلهى وتاج مَحَل
فى احتِراقِ النّارِ الكَريمَةِ
فوقَ جَبَلِ سِنجار
وَدَعْ سَمَرقَند
تَرقُصُ تَحتَ السَّماءِ والشَّمْس
ودَعْ وَراءَنا مُدُناً
تَحكُمُها دُمىً وأَصنامٌ
ليسَ لِأَى مِنْها جَمالُ الدُّميَةِ
أَو عِفَّةُ الصَّنَمِ.
قالَ لى: اكسِر حاجِزَ الصَّوت
واكتُب
بَيْنَما أَنتَ تَقْفِزُ
فى صَفاءِ الدَّوْخَةِ
بَيْنَ التّاسِع والعاشِر مِنْ يناير،
بادَ قَومٌ لَمْ يَكتُبوا قَفْزَتَهُم
ولا دَوْخَتَهُم
وارتَفَعَ حاجِزُ الصَّوتِ مِنْ حَوْلِهِم
حَتّى صارَ سُورَ مَقبَرَة.
استَيقَظَ مِنَ النَّومِ وقالَ لى: لا أُريدُ أَنْ أَعيشَ أَكثَر هَهُنا
لا أُريدُ أَنْ أَستَنْشِقَ أَكثَرَ
رَوائِحَ الاحتِلالِ
الشَّبيهةَ بِرائِحَةِ بَولِ الجُرذان
لا أُريدُ أَنْ أَنظُرَ إِلى الغِربانِ
وهى تَأكُلُ أَعيُنَ الأَطفال.
ثُمَّ أَبعَدَ يَدَيهِ عَنْ عَيْنَيه
فإِذا هُما قد أُكِلَتا مُنذُ زَمَنٍ بَعيد.
قالَ لى: كَمْ لى مِنْ جُذُورٍ قَطَعَها المُستَعمِرونَ
بِمَخالِبِ الجَرّافاتِ والأَسلاكِ الشّائِكَةِ وجُدرانِ الإِسمَنت
بِقَصفِها مِنَ السَّماءِ
واستِجوابِها على الحَواجِزِ
وتَهديدِها بالسِّلاحِ النَّوَوِىِّ
وبالطَّبع لَنْ أَغفِرَ لَهُم
لَكِنّى أَيضاً لَنْ أَغفِرَ لِنَفْسى
التى ظَنَّتْ نَفْسَها طائِرَ الرَّخّ
وراحَتْ تُسافِرُ فى الدُّنيا وتَنتَمى إِلى كُلِّ أَرضٍ
وبَدَّدَتْ بَقِيَّةَ الجُذُورِ
التى لَمْ يَستَطِع الغُزاةُ قَطْعَها.
قالَ لى: احفَظْ عَنّى: كُلُّ ساقٍ
سَيُسْقى
بِما سَقى
انظُر لهؤلاءِ المَسْمومينَ فى سَكَراتِ الضَّيم
انظُر لهؤلاءِ المُهانين
لقد كانوا سُقاةَ سُمٍّ
وهؤلاءِ كانوا سُقاةَ خِذلان،
واحفَظْ عَنّى هذه أَيضاً
إِنْ سَقَيْتَ الحُبَّ فاقتَصِد
فإِنّى عَهِدْتُكَ مُفْرِطاً.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







