الخروج من «الفخ النظرى»

اثناء القاء المحاضرة
اثناء القاء المحاضرة


د. نهال أحمد يوسف


على مدار عقود طويلة، استقرت دراسة النظريات الأدبية والعلوم الإنسانية فى أروقتنا الأكاديمية داخل ما يمكن تسميته بـ«الفخ النظرى»؛ ذلك الحيز الضيق الذى تُعامل فيه النظرية بوصفها جثة هامدة تُشرح، أو نصاً مقدساً يُحفظ بمعزل تام عن مختبر الحياة اليومية إننا نواجه أزمة عميقة فى التعليم العالى، خاصة فى تلك المجالات التى تشكل وعى المجتمع وتصيغ وجدانه، حيث تتحول المحاضرة فى كثير من الأحيان إلى طقس جنائزى لتلقين مفاهيم مجردة، تنتهى صلاحيتها بانتهاء ورقة الامتحان، تاركةً الطالب أمام واقع معقد لا يملك أدوات تفكيكه وكأن النظرية جزر منعزلة لا جسور بينها وبين الشارع، الأمر الذى يحول المعرفة الإنسانية إلى ترف أكاديمى لا يسمن ولا يغنى من جوع، ويفصل الجامعة قسراً عن نبض المجتمع وتحدياته المهنية المعاصرة التى تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، ويفقد العلوم الإنسانية جوهرها القائم على نقد الواقع وتطوير الثقافة الإنسانية الشاملة.

وفى بحثى المنشور فى مجلة «بحوث التعليم والابتكار» الصادرة عن مركز تطوير استراتيجيات وبحوث التعليم بجامعة عين شمس حول «تصميم مناهج قائمة على النشاط»، رصدتُ أن أزمة التعليم فى العلوم الإنسانية لا تكمن فقط فى غياب المحتوى المعرفى أو حداثته، وإنما فى خلل جوهرى يمس فلسفة «التلقى» وآليات «توصيل المعلومة» على حد سواء؛ فالأطر النظرية الكبرى التى تشكل جوهر كلياتنا تُدرس فى الغالب بوصفها تاريخاً للأفكار أو سجلاً للموتى، عوضاً عن كونها آليات حية للفهم ومنطلقات للتغيير.

إن النموذج الذى أطرحه فى هذا البحث يسعى لكسر هذا النمط الرتيب عبر إعادة صياغة العملية الاتصالية برمتها داخل القاعة الدراسية؛ فالأمر لا يتوقف عند كيفية استقبال الطالب للمعلومة، وإنما يمتد ليشمل هندسة «فعل التوصيل» من قِبل الأستاذ ليتحول من ملقن تقليدى إلى مصمم محترف لتجارب تعليمية تفاعلية، تضع الطالب فى مركز الحدث المعرفى لا على هامشه، ليعود دور المعلم كـ«ميسّر» لا «مصدر وحيد» للحقيقة، وهو ما يعيد للعملية التعليمية ديمقراطيتها المفقودة وتوازنها المعرفى المنشود.

المقترح الذى أقدمه، والمبنى على نموذج (Apply the Theory Approach)، يتجاوز فكرة «خطة الدرس» العابرة ليصبح طقساً يومياً يُعاد إنتاجه فى كل محاضرة أو جلسة تعليمية دون استثناء.

يبدأ هذا النموذج بخطوة «الشرح الإجرائى»، وهى مرحلة تهدف إلى تحطيم جدران الجمود بين الطالب والمصطلح عبر استخدام الاستعارات الحياتية التى تقرب التجريد إلى الأذهان؛ فالهدف هنا ليس تسميع التعريف، وإنما جعل الطالب يرى النظرية كـ«كائن مألوف» يمكن محاورته وفهمه بعيداً عن رهبة المصطلحات المعقدة.

تلى ذلك خطوة «رسم خارطة الأدوات»، وهى المرحلة التى يتحول فيها التنظير إلى «كتيب تشغيل» عملى؛ حيث يتم تفكيك المنهج إلى خطوات إجرائية محددة، ليتمكن الطالب من معرفة «كيف» يستخدم النظرية لا «ماذا» قالت النظرية، فالعلم الذى لا يتحول إلى منهج عمل هو علم معطل لا فائدة منه فى سياق تنموى أو ثقافى. فى هذه المرحلة، يتحول العقل من مخزن للمعلومات إلى مختبر للعمليات، حيث يتم استخراج الأسئلة الجوهرية التى تطرحها النظرية على الواقع، مما يمهد الطريق للانتقال من مرحلة الفهم السلبى إلى مرحلة الاستخدام الفاعل والمؤثر.

ويكتمل هذا البنيان فى مرحلة «التطبيق السيناريوهاتى»، وهى الخطوة الثالثة التى تشكل قلب النموذج المعرفى وقمة الهرم البنائى فيه؛ حيث يُدفع الطالب إلى ساحة «المحاكاة» عبر مواجهة سيناريوهات حقيقية أو مشكلات مهنية وثقافية واجتماعية تتطلب تدخلاً جراحياً باستخدام النظرية كأداة للحل، فلا يكتفى الطالب هنا بمشاهدة الظاهرة، بل يتدخل فى تفكيكها وإعادة تركيبها. هذه الخطوة تحول المحاضرة من قاعة صامتة إلى «ورشة إنتاج» يختبر فيها الطالب قوة الأدوات التى امتلكها، ليعقب ذلك خطوة «الحوار النقدى والاجتماعى» التى تمثل الخطوة الرابعة؛ وهى مرحلة تذوب فيها سلطة الأستاذ الأحادية لصالح سلطة المعرفة المشتركة والتقييم بالأقران، حيث يتعلم الطلاب كيف يصححون مساراتهم الفكرية عبر الحوار، مما يمنع ما نسميه بـ«الانجراف النظرى» ويؤصل لثقافة النقد الذاتى والجمعى.

أما الخطوة الخامسة والنهائية، فهى «الامتداد والانعكاس»، وهى المرحلة التى تضمن تحول المنهج من جدران القاعة إلى هواء يتنفسه الطالب فى حياته اليومية؛ حيث يُطلب منه إسقاط النظرية على سياقات جديدة ومفاجئة، مما يرسخ النظرية كجزء أصيل من جهازه العصبى والفكرى، ويضمن خروجه من المحاضرة وهو يمتلك عيناً نقدية لا تتوقف عن التحليل والمساءلة حتى بعد انتهاء اليوم الدراسى.

بيد أن الجوهرى والمفصلى فى هذا المقترح هو أن هذه الخطوات الخمس لا تُمارس كحدث استثنائى أو نشاط عارض يُقام مرة فى الفصل الدراسى، وإنما هى بنية أساسية وطقس تعليمى يُقام فى «كل محاضرة» دون استثناء، وبذلك نضمن تحول النظرية من «نص» إلى «سلوك».

هذا التكرار المنهجى الصارم يهدف إلى أن يخرج الطالب من كل لقاء أكاديمى وهو «متنفس» للمنهج، لا مجرد «حامل» له؛ فالفرق شاسع بين من يحمل المعلومة كعبء ومن يتنفسها كأداة حرية.

فالتكرار هنا ليس رتابة مملة، بل الأحرى أن نعتبره استبطاناً عميقاً للأدوات النقدية حتى تصبح جزءاً من بديهيات العقل وردود أفعاله التلقائية تجاه العالم. عندما يمارس الطالب هذه الدورة فى كل مرة، يتحول الفكر النقدى من مجهود ذهنى شاق إلى رد فعل طبيعى تجاه الظواهر الثقافية والاجتماعية التى تحاصره. إننا هنا نعيد تعريف مفهوم التلقى ليصبح فعلاً حركياً استكشافياً، ونعيد تعريف التوصيل ليصبح صناعة لبيئة محفزة لا مجرد بث رتيب للمعلومات، وهو ما يضمن استمرارية المعرفة وتحولها إلى «وعى مستمر» يرافق الطالب فى كل ما يقرأ أو يشاهد أو يختبر فى واقعه المعقد.

هذه الثورة البيداغوجية هى دعوة صريحة لتغيير مفهوم «الثقافة» السائد وتحويلها إلى قوة فاعلة ومؤثرة فى المجتمع المصرى المعاصر؛ فعندما يتعلم طالب العلوم الإنسانية والاجتماعية كيف يستخدم أدواته النظرية لتفكيك الرسائل الأيديولوجية المختبئة فى تفاصيل حياته اليومية، وفى الفضاءات العامة، وفى الخطابات الإعلامية، فإنه يتحول من مستهلك سلبى للمعلومات إلى مواطن واعٍ يمتلك «حصانة نقدية» ضد التضليل والابتذال وتزييف الوعى.

وقد أثبتت التجربة التطبيقية فى بحثى أن ربط النظرية بالنشاط العملى يرفع من معدلات «القابلية للتوظيف» بشكل ملموس وحقيقى؛ فسوق العمل المعاصرة فى الصناعات الثقافية والإبداعية والبحثية لا تبحث عن حَفظة للتعريفات الجامدة، وإنما عن عقول مرنة ومبدعة قادرة على استخدام الإطارات النظرية لاتخاذ قرارات استراتيجية وفهم تعقيدات العالم الرقمى والواقعى الذى نعيش فيه.

المقترح يهدف فى جوهره إلى جعل الإنسانيات علماً «تطبيقياً» بامتياز، له أدواته التى لا تقل دقة عن أدوات العلوم الطبيعية، مما يمنح خريج الجامعة هيبة فكرية وقدرة عملية تجعل من تخصصه حاجة ملحة للمجتمع والدولة على حد سواء فى مسيرة التحديث والتطوير.

إننى أوجه هذه الدعوة من قلب المجتمع الثقافى المصرى، مدركةً أن التغيير يبدأ من تغيير العقول؛ لقد آن الأوان لتحرير العلوم الإنسانية من قيود الحفظ والجمود وتعميمها كأداة لفهم الحياة وصياغة المستقبل الواعد.

فتطوير الثقافة يبدأ من داخل قاعة المحاضرة، عندما نشجع الطالب على أن يكون «مهندس أفكار» لا مجرد «أمين مكتبة» يكدس الكتب دون وعى بمحتواها، جيل لا يكتفى بقراءة العالم وتلخيصه، بل يمتلك الأدوات الحقيقية والمناهج العلمية للمشاركة فى صياغته وتغييره نحو الأفضل.

إننا نحتاج إلى جيل يتنفس النظرية ويمارسها كفعل حرية وإبداع يومى، ليعيد للعلوم الإنسانية رونقها ودورها التاريخى كقاطرة حقيقية للوعى والتحضر والنهضة الشاملة.

هكذا فقط نسترد الوعى النقدى من غرف التلقين المظلمة، ونطلقه فى فضاءات التطبيق الرحبة، ليصبح التعليم هو القوة المحركة للثقافة، وتصبح الثقافة هى الحصن المنيع لهذا الوطن فى مواجهة عواصف التغيير الكبرى.