تجسد التحركات الدبلوماسية المصرية المكثفة فى مطلع عام 2026، والتى توجت باستضافة القاهرة للاجتماع التحضيرى لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبنانى، اتساعاً غير مسبوق فى الأفق الإقليمى للسياسة الخارجية المصرية، حيث باتت القاهرة تلعب دور «المنسق الإقليمى» والداعم الاستراتيجى للدولة القومية فى منطقة تعصف بها الأزمات والتدخلات العسكرية.
وينبثق هذا الموقف المصرى النشط من عقيدة سياسية ثابتة وراسخة، تؤمن بأن أمن مصر القومى يبدأ من استقرار جيرانها، وأن استعادة عافية الدول العربية والأفريقية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال دعم مؤسساتها الوطنية الشرعية، وعلى رأسها الجيوش الوطنية، باعتبارها صمام الأمان الوحيد فى مواجهة الميليشيات المسلحة والقوى العابرة للحدود.
اقرأ أيضًا| الجيش اللبناني يرد على إطلاق نار إسرائيلي جنوب البلاد
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح فى الملف اللبنانى، حيث لم تكتفِ مصر بالدعم الدبلوماسى، بل تحولت لمنصة انطلاق لتنسيق الدعم الدولى للجيش اللبنانى، إدراكاً منها بأن تمكين المؤسسة العسكرية فى بيروت هو مفتاح إنهاء حالة الفراغ الأمنى والسياسى وحماية السيادة اللبنانية من التجاذبات الإقليمية.
ولا تقتصر هذه الدبلوماسية النشطة على لبنان، لكن تمتد لتشمل الدوائر الاستراتيجية كافة، ففى الملف السودانى، ظل الموقف المصرى صامداً فى دعمه لمؤسسات الدولة السودانية وجيشها الوطنى، معتبرة أن الحفاظ على وحدة التراب السودانى ومنع انهيار مؤسساته حجر الزاوية لأمن البحر الأحمر ومنطقة حوض النيل، وهو ما جعل القاهرة مقصداً لكل المبادرات الساعية للحل، ومدافعاً صلباً عن سيادة الخرطوم فى وجه مطامع خارجية تسعى لاقتطاع جزء من نفوذها أو عسكرة سواحلها.
وفى الجبهة الغربية، رسمت الدبلوماسية المصرية خطوطاً حمراء فى ليبيا بهدف حماية الدولة القومية الليبية من التقسيم، حيث دعمت القاهرة بكل ثقلها توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، انطلاقاً من مبدأ أن «الجيش الوطنى» الكيان الوحيد القادر على بسط الأمن وإجراء الانتخابات بعيداً عن ضغوط الميليشيات.
ويمتد هذا التوجه القومى المصرى ليصل لسوريا، حيث تتبنى القاهرة رؤية واقعية تنادى بضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ووحدة أراضيها، ورفض مخططات التفتيت أو التدخلات العسكرية الأجنبية التى حولت الأزمة السورية لجرح غائر فى جسد الأمة، مؤكدة دوماً أن الحل يجب أن يكون سورياً خالصاً يفضى لاستعادة الدولة لهيبتها وقدرتها على ضبط حدودها.
وفى غزة تقود القاهرة حراكاً ماراثونياً لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، التى تنقل الوضع من الهدنة المؤقتة لترتيبات الحكم الدائم والسيطرة الأمنية، حيث بدأ تجهيز المسارات اللوجستية لدخول قوة الاستقرار الدولية وتتولى الإشراف الفنى على ممر فيلادلفيا لضمان دخول هذه القوات دون احتكاك، مع توفير الدعم المعلوماتى واللوجستى لها. وتقوم ايضاً بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية لتولى إدارة الشؤون اليومية وحفظ الأمن الداخلى. وعلى الصعيد الانسانى، تعمل مصر على تحويل معبر رفح وميناء العريش لمراكز دائمة لتموين غزة بالاحتياجات الأساسية تحت رقابة دولية، لضمان عدم عودة الحصار وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وتضغط لضمان أن يكون مسار إعمار غزة «عربياً-دولياً» خالصاً تحت مظلة مجلس السلام، لمنع تحويل القطاع لساحة لتصفية الحسابات بين القوى العظمى، وهو ما أكده الرئيس السيسى فى اتصالاته الأخيرة مع ترامب.
هذا الدور المصرى الذى وصفته التقارير الدولية، لاسيما تلك المرتبطة بمبادرات «مجلس السلام»، بأنه دور «المنسق الإقليمى» الرئيسى، يعكس ثقة دولية فى قدرة القاهرة على إدارة الملفات المعقدة بحكمة وتوازن، حيث تنجح مصر فى الجمع بين الحفاظ على علاقات استراتيجية مع القوى العظمى وبين الالتزام بمبادئها الأخلاقية والسياسية التى تعيد الاعتبار لمفهوم «الدولة الوطنية»، وتضع حداً لسياسات المحاور التى استنزفت موارد المنطقة، لتؤكد أن الطريق للسلام المستدام يبدأ من تقوية مؤسسات الدولة القومية واحترام إرادة جيوشها الوطنية فى حماية مقدراتها.
مع استمرار حالة اللا سلم-واللا حرب| التضخم يضرب سلات الغذاء فى العالم
البابا ليون الرابع عشــــر يبدأ زيـارة تاريخـيـة إلى إســـبانيــا اليوم
مع تناقص غير مسبوق فى أعدادهم.. مستقبل قوات حفظ السلام الدولية على المحك







