السمّاح عبد الله
لم يكن جمال القصاص يجرد الحب من وسامته وهو يحدثنا عما فعلناه بالضبط، فقط كان يتلمس ملامح الفقد فى جنبات القصيدة، فالفقد عنصر فاعل فى بناء قصيدته منذ بواكيره الشعرية الأولى، أو منذ طفولته البعيدة، وكأنه طوال ثلاثة أرباع القرن يمشى بيننا بخطاه التفعيلية الرقاصة أو بشعره الجديد الذى كأنه راقص، باحثا عما ينقصه، بغية الاكتمال، تماما كما نفعل نحن، غير أننا تعاملنا مع الفقد بحيادية، وهو تعامل معه بحدة، فبدا كما لو كان حادا وهو طيب جدا.
هو ابن شرعى للرومانطيكيين الذين هاجروا من الشام إلى الأمريكتين، وهناك أسسوا مذهبهم الغارق فى الحلم، وقد احتاج لسنوات طويلة لكى يخرج من عباءة جبران خليل جبران ورفاقه، وعندما خرج من عباءتهم، اصطحب معه فقده الخاص، ومشى به فى شوارعنا يحدثنا عنه، مرة بالرقص، ومرة بمحاذاة الرقص، فهو فى حالاته كلها موسيقى يبحث عن الإيقاع، حتى فى عناوين دواوينه نجد الموسيقا كلمة متكررة، يسرقها من حفيف ورق الشجر أو من رائحة الصنوبر، لأنه عريان من غيرها فهى التى تستر روحه الظميئة.
فى المشهد السبعينى يبدو جمال القصاص صاحب شعر فريد، وقد انخرط فى تجريب الإضائيين ومغامراتهم الشكلانية، تنظيريا فقط، غير أن صوره الشعرية لم تغادر منطقة الخيال الواصل بينه وبين المتلقى، وقد كان الشعر فى يديه طيعا طوال الوقت، يغرف منه كما يغرف من البحر، ولم يكن الشعر يتسرب من أصابعه أبدا، فهو يعرف يقينا أن اللفظ الشعرى غير اللفظ النثرى، ففى الشعر يمكنك أن تذهب يمينا لأن تقصد اليسار، وأن تعبس فى وجه صديقك الطيب لكى تثبت له أنك تحبه، وقد سبق له من قبل أن قال:
أجرب أن أحبس البحر فى سلة الليل
أحصى النجوم على شرفة الصدر
أرمى الخميرة فى غبشة اللون
ما من طريق تدل عليك
سوى أن أضل الطريق.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







