لعنة الكتاب الأسود: البحث عن المفقود!

لعنة الكتاب الأسود
لعنة الكتاب الأسود


سارة حمزة الجاك

كما دشّنت «زينب» زمن الرواية الفنية فى مصر، دشّنت «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحى هذا الزمن فى عُمان، جامعة بين الجرأة فى طرح القضايا الاجتماعية والوعى بتقنيات الرواية الحديثة، ضمن مسار بدأ مع عبد الله الطائى وتكرّس بحضور نسوى فاعل أسهم فى تشكيل المشهد الروائي، كجوخة الحارثى التى أصدرت حتى حصولها على جائزة البوكر العالمية مجموعتين قصصيتين، وثلاث روايات، بالإضافة إلى مجموعة من الدراسات النقدية والثقافية، إلا أنّ شهرتها الفعليّة تحقّقت عقب البوكر التى نالتها عن روايتها «سيدات القمر» من دار الآداب 2010م، كذلك بشرى خلفان، هدى حمد، شريفة التوبي، كما نجد أسماء روائية لامعة مثل بدرية الشحّي.

كلما أسهمت المرأة فى تأسيس الرؤى المجتمعية، اقتربت هذه الرؤى من النجاح، وذلك لما تتمتع به المرأة من حساسية عالية تجاه القضايا التى تتبناها، ولنظرتها الثاقبة وبصيرتها الفريدة تألق اسم عائشة السريحية فى سماء السرد، بعد أن أشعلت نار الكتابة بقلمها، فأضاء بأعمالها الثلاثة: رواية لعنة الكتاب الأسود، خيانة عابرة، حجارة الفجر السابع، ومجموعة كتب أخرى مشتركة. 

صدر الكتاب عن بورصة الكتب للنشر فى العام 2023م، وفى مئتين وثمانى صفحات من القطع المتوسط، ومشاهد سردية منفصلة بعنونتها ومتصلة بالنص الكلي، رسمت لنا الكاتبة طريقاً للبحث عن ذواتنا، متمثلين فى شخصية هومن بطل روايتها الذى يطوف بنا العالم من أقصى غربه إلى أقصى شرقه، عابراً بنا القارات وما تحتويه من ثقافات ومعارف، لتدخل إلى النص عليك أن تعبر عتباته

عتبات النص 

العنوان لعنة الكتاب الأسود عنوان كاشف لمحتوى الرواية، الكتاب الأسود هو صاد الرواية وجوهرها الذى تقوم عليه، وبطل روايتنا هو حامل الكتاب والأمين عليه، والكتاب أمانته التى يجب عليه الحفاظ عليها وفهمها وتفكيكها، أما تبليغها للقارئ فهى مهمة الكاتبة وقد فعلت.

الغلاف الأمامى لوحة باللونين الأبيض والأسود، يقف فى منتصفها خيال بطل الرواية بلا ملامح، فهو القارئ ذاته باختلاف ملامحه وتباينها، قد يكون البطل والقارئ متطابقين، وهما نفسهما يكونان الكتاب الأسود ذاته، فالموجود خارجاً هو انعكاس صورة الداخل عبر الهولو جرام

الغلاف الخلفى تزين بصورة الكاتبة دون أى ذكر لسيرتها الذاتية أو إصداراتها على غير العادة، بل أُرفق به مشهد سردى من داخل النص يقول: 

«صفها الدكتور بركات على طاولته، بحسب ترتيب ألوان الطيف، فأصبحت الرموز واضحة وقرأها الدكتور بركات:

بذرة شجرة السماء نبتت فى بلاد العرب، وبعد أن تموت آخر ثمرة فيها سيحرق العرب أرضهم، يقتل الإنسان نفسه، ينتشر الموت عبر الجهات الأربع، يصبح الذهب بلا قيمة، تبتلع الأرض نفسها صمت الاثنان يفكران، إلى أن تأوه الدكتور بركات وقال:

- اعطنى المخطوطة الأصلية»

عندما ندخل إلى صفحة الكتاب الأولى وفى جانبه الأيسر أسفل الصفحة نجد عنوان الرواية واسم الكاتبة، خلفها نجد بطاقة الكتاب، فى الصفحة الثانية اسم الكاتبة أعلى الصفحة وعنوان الرواية فى منتصفها، وشعار دار النشر فى الأسفل فى المنتصف تماماً، ثم الإهداء الذى خصت به المتفردين والفاعلين فى مسيرة الحياة من الميلاد حتى الممات

يبدأ النص بتحديد نقطة انطلاقة بإحداثييها: إحداثى الزمان ديسمبر 1971م وإحداثى المكان بودابست، وهى نقطة مادية معلومة، يظهر فيها البطل ونشأته فيها وتأثيرها عليه فكرياً ومشاعرياً، وعبارته الافتتاحية التى قالها لاعناً والدته فيها:

- اللعنة عليك يا امرأه أنجبت سبعة أفواه لا تشبع!

معبراً بها عن شعوره الدائم بالجوع، لتنتهى فى الجسد المشاعرى وهو الجوع لتطوير الجسد الفكرى للبطل، فى نقطة مادية مختلفة تماماً عن النقطة التى بدأ بها النص عندما قال له الدكتور بركات:

- لن يهدأ جوعك يا هومن، لكن من الجيد أنك بدأت رحلة البحث، وما زالت الرحلة طويلة.

ما بين شعور هومن بالجوع المادى وحاجته للأكل، وشعوره بالجوع المعرفى وحاجته للمعلومات، تدور أحداث رواية «لعنة الكتاب الأسود»

رسمت الكاتبة الشخصية بملامح جسدية واضحة، فهو أميل إلى الوسامة، بعيون ملونة وشعر ذهبى منسدل، كما أن بنيته الجسمانية مثالية، بينما أظهرت الجوانب التى تحتاجها فى الشخصيات المساعدة للبطل، دون أن تشغلنا بصفات غير مفيدة للبناء السردي، المعالجة التى أكسبت النص صفة الرشاقة الكتابية؛ فهو لا يعانى من الترهل، وهى سمة لازمت عدداً من الروايات الصادرة مؤخراً، نجد أن الكاتبة اكتفت بوصف القبطان دريك بمهنته، والأب مارك بنفوذه، وسارة بمهارتها الصحفية، وهكذا تصنع العوالم التى يحتاجها هومن وتضيء على ما تحتاجه من صفات الشخصيات.

طفنا العالم مع هومن من بودابست، مروراً بسكسونيا السفلى، وهليغولاند وجزيرة أولو، وفيها تبدأ فاعلية هومن ويقوم بالدور الذى هيأته له الكاتبة، حسب رسالتها الجزئية للرواية ومحققة بعض مراميها، وهو القضاء على الأساطير الأرضية، وحل ارتباط الإنسان بما لا يفيده فى مسيرته الحياتية من معتقدات وأفكار، فقد حطم أسطورة الغرق بجزيرة أولو؛ إذا لم يُقدم القربان للسحرة، فقد أتى الوقت المنتظر ولم تأت العاصفة رغم عدم تقديمهم للقربان، كذلك قابل الوحش ذا الجسد الدودى ونسفه، كلمه العم تانج عن طاقة التشي، وهو الشيء الذى يؤمن هومن به ويعيشه، لكنه لا يعلم له اسماً، وهنا أكد العبرة بالسنن التى تسير بها الأمور لا بأسمائها.

أخذت رحلات البطل نصف حجم الرواية، فى كل مرة كان ينتهى الأمر بمرافقى بطلنا إلى الموت حال انتهاء مهمتهم معه، كأنه يمضى خفيف الحمل من ثقل العلاقات المرهق، وكأنما يقول لنا: لكل مرحلة من مراحلك شخص محدد لا يمكنك اصطحابه إلى الأمام.

وظفت الكاتبة النصف الآخر من النص لرحلة هومن فى الشرق الأوسط وجزيرة العرب، حيث تستشعر الهدوء والراحة، وأنت تقلب هذا الجزء من النص، و تندغم فيه وأنت تقرأ الفقرة التالية:

«رغم أن الفرص كانت متاحة له ليعيش حياة رغيدة، والاستمتاع بملذات الحياة، إلا أن عقله امتلأ بكثير من التساؤلات التى استحوذت عليه وعلى ملكاته، جعلته يسخر أمواله ومهاراته المختلفة فى سبيل البحث لفك شفرة العالم، كما كان يعتقد، مشاعره الجامدة تأبى أن تتعاطف مع موقف إنساني، وفى ذات الوقت يخفق قلبه حباً وهو رجل كره النساء».

بالمقطع أعلاه تنقلنا الكاتبة من فضاء إلى فضاء آخر عبر بطلها هومن، الباحث عن ما يسد رمق جوعه المعرفي، فيتجه شرقاً موظفاً أمواله ومهاراته، وخبراته من رحلاته فى الشرق الأقصى، وكتابه الأسود

يسافر إلى الشرق برفقه يوسف فيتعرضون لحادث سقوط طائرتهم، ينقذهم الكتاب الأسود، ففيه رُسمت الطرق والاتجاهات عبر النجوم، تحدث هومن بسر الكتاب ليوسف قائلاً:

«إن الكتاب مكتوب بلغة قديمة. يقال إن مخلوقات أخرى غير البشر قد كتبته، يشير لبقاع تجتمع فيها طاقات الكون، بأحجيات أحاول أن أفك شفرتها، يحكى عن الأفلاك والبحار، عن الطاقة الخفية فى الماء والهواء»، فى الأحجار والبشر، يتجمع كقطع أحجية إن استطعتُ جمعها ٍأكون قد وصلت لغايتى فى فهم الكون.

لسان حال البطل غير العربى يقول إن الأسرار جميعا فى أرض العرب.

كادت الصحراء تبتلعه، كما فعل البحر قبلها، لكن الأب مارك دائماً كان حاضراً لإنقاذ هومن الباحث عن ماهية الكون، لدغته عقرب سامة فى قلب الصحراء، لكن لطف الله الذى يعود إليه دوماً كان رفيقه، حيث التقطهم بعض السيارة فى الصحراء، واستضافوهم ثلاث ليالى قبل أن يفيق من غيبوبته، تعرف على الصحراء وعاداتها وتقاليدها، إنسانها وأحلامه وأشواقه، حاور أساطيرها عبر زينة وظافر، تعامل مع إنسان الصحراء بنفس مستوى وعيه عندما قال للشيخ:

قتلت ساحراً كان يعيث فى الأرض فساداً، يستخدم الجن لأذى الناس، وقد لبسنى الجن كما ترى، يتحدثون بلسانى سبع لغات، وقد اكتشفت أنت أمرى قبل أن أخبرك به

 أنقذ هومن حياة جواهر وأنقذ أمواله من الفقد، وبدأ البحث عن كنز محدد مذكور بالكتاب الأسود، يقال إن الكنز كنز سليمان، قال هومن لزينة إن الكتاب أصبح محور حياته، حصل البدو على المال وحصل هومن على الأحجار السبعة.

فى محطته الأخيرة حمل صفاته ومقتنياته ووصل إلى الدكتور بركات، الذى شك به، ثم وثق به، ثم آمن بمرضه العضال الذى لا علاج له، وهو الجوع للمعرفة، التى تساعده فى معرفة الكون وكنهه

قلق هومن، وترحاله الدائم بحثاً عن المعرفة، أكسبه خبرات كبيرة احتاجها، ليكون فاعلاً ومفيداً فى أى مكان حل به، قدمه النص نموذجاً إنسانياً يمكن الاقتداء به.