مذكرات أم كلثوم

أم كلثوم
أم كلثوم


كانت فاطمة تقيم فى بيت ريفى صغير من الطوب النيئ كانت له عدة أبواب تطل على حوش، وكان وراء كل باب حجرة صغيرة طولها ثلاثة أمتار وعرضها متران تقيم فيها أسرة مكونة من زوج وزوجة وعدة أطفال، وفى إحدى هذه الحجرات رقدت فاطمة المليجى تتلوى من الألم فى انتظار المولود. 

ومع الفجر، أطلت المولودة برأسها، وحملت الداية القروية المولودة وخرجت بها إلى المندرة وهى تصرخ: «مبروك.. فاطمة ولدت». ولم تقل الداية إن فاطمة أنجبت طفلة.. فقد خشيت أن تصدم الأب بالخبر!

وكان الأب يجلس على الأرض يقرأ كتابًا عن أولاد النبي.. وكانت عيناه فى تلك اللحظة على اسم إحدى بنات النبي، وقبل أن يسمع أنه رزق بمولود أو مولودة صاح: «نسميها باسم بنت النبي، نسميها أم كلثوم». ولم يكن اسم «أم كلثوم» معروفًا ولا متداولًا فى قرية «طماي» ولا القرى المجاورة.. ولهذا بدا اسمًا غريبًا على أسماعهم.

ولم تعارض فاطمة فى اختيار هذا الاسم، ولكن الأهل والأقارب اعترضوا على الاسم الغريب، وراحوا يحاولون إقناع الشيخ إبراهيم باختيار اسم خفيف مثل خضرة وبدوية وست الدار! 

ورفض الشيخ هذه الأسماء، وأصر على أن يسمى المولودة باسم بنت النبي: أم كلثوم ويظهر أن أمى كانت تشارك أهل القرية سرًّا فى اعتراضهم على اسم «أم كلثوم»

لأننى وعيت عليها وهى تنادينى باسم «سومة»

وكان والدى أيامها إمام مسجد قرية «طماى الزهايرة» من أعمال مركز السنبلاوين دقهلية.. وكان مرتبه من الإمامة لا يكفى للصرف على أسرته، ولهذا كان يقرأ فى الموالد. 

وكان دخله من عمله الإضافى وعمله الأصلى لا يتجاوز عشرين قرشًا كل شهر! وكان هذا المبلغ هو الذى يغطى كل نفقات أسرة مكونة من أمى وأبى وأخى خالد وأنا!



ولا أعرف كيف كنا نعيش بهذا المبلغ البسيط.. فإن صورة معيشتنا المتواضعة لا تعيش فى ذاكرتي إن أول صورة أذكرها اليوم هى صورة «ستى نصرة»! أم أبى كانت نحيفة سمراء، مسمسمة التقاطيع! أذكرها وقد ارتدت جلبابًا أسود وطرحة سوداء وجلست على الأرض تفصل فى «عروسة» من القماش وأنا جالسة مسحورة، أذكر لما انتهت من تفصيل العروسة، وملأتها بالقطن، رسمت عليها العينين والحاجبين والشفتين، ثم قطعت خصلة من شعرها، ولصقتها على رأس العروسة، وأنا أرقب عملية الخلق فى دهشة وإعجاب!

ولاحظت أن أخى كان يحمل كتبنا وكراساتنا كل صباح ويذهب إلى الكُتّاب المواجه لبيتنا! فرحت أبكى لأمى وأطالبها بإدخالى الكُتّاب، وقالت أمي: «أنتِ صغيرة السن!». ولكنى رحت أذرف الدموع وألح على أبى أن يدخلنى الكُتّاب! وتعب أبى من إلحاحى فأدخلنى «كُتّاب» سيدنا الشيخ عبد العزيز!



وكنت أذهب كل صباح إلى الكُتّاب وأجلس فى الفصل دون أن أتعلم شيئًا! وكنت سعيدة بدخولى الكُتّاب فقد أصبحت لى كل مظاهر أخى الكبير.. ولم أنتبه أنه كان يتعلم وكنت أنا أتفرج! وبعد بضعة أشهر سمعت أبى يهمس لأمى عقب صلاة الفجر مرة: «أنا ما أقدرش أدفع مصاريف أم كلثوم.. ما عنديش غير قرش واحد أدفعه للولد» وراحت أمى تلح على أبى وترجوه أن يبحث عن أى طريقة يدبر بها قرشًا آخر حتى لا ينكسر قلبي. لقد كانت مصاريف الكُتّاب قرشًا واحدًا، أدفعه كل أسبوع لسيدنا فِقِى الكُتّاب! واستطاع أبى أن يدبر هذا القرش، ولم أخرج من الكُتّاب.

وتحولت مع الأيام من متفرجة إلى تلميذة بعد أن رأيت زملائى فى الفصل يكتبون ويقرأون، وبدأت أتتبع دروس الشيخ عبد العزيز بعد أن كنت أتتبع حركاته ونظراته! وفجأة طارت سعادتي! وكرهت التعليم والشيخ عبد العزيز.

فقد حدث أن أساءت لى زميلتى وجارتى على «التختة» التلميذة عزيزة.. فقررت أن أنتقم منها. وذهبت قبل موعد بدء دخول التلاميذ إلى الكُتّاب، وفتحت درج عزيزة وكسرت لوح الأردواز الذى تكتب عليه.

وفجأة دخل مفتش وزارة المعارف، فقفزت من على مقعدى وضربت له السلام. وسأل المفتش عن الشيخ عبد العزيز، فقلت له إنه لم يحضر بعد.. وحضر الشيخ عبد العزيز بعد فترة من انتظار المفتش الذى كان يتميز غيظًا من تأخر الشيخ! 

ولما جاء الشيخ قال له المفتش: «ما شاء الله، البنت الصغيرة تحضر فى الميعاد.. وحضرتك تتأخر نصف ساعة!». وضاق الشيخ عبد العزيز بهذا اللوم وحمَّلنى مسؤوليته، وراح يضطهدنى فى كل مناسبة؛ كان يسأل السؤال ثم يتجه نحوى دائمًا ويقول ساخرًا: «قومى جاوبى يا بنت يا فالحة»!

وكان زملائى وزميلاتى يغرقون فى الضحك كلما سمعوا كلمة «فالحة» وضاقت الدنيا فى وجهي! وأصبحت أكره الذهاب إلى الكُتّاب حتى لا أقع فى قبضة الشيخ عبد العزيز وأسئلته! وفى يوم من الأيام فتحت لى السماء أبوابها! فقد مات الشيخ عبد العزيز فقيه الكُتّاب! ولم أصدق النبأ، تصورت أننى أحلم، ذهبت إلى الكُتّاب فقالوا إن سيدنا قد مات فلم أصدق - ذهبت إلى بيته، رأيت دموع زوجته وأمه وابنته فلم أصدق! ولما سارت جنازته مشيت وراء نعشه حتى المدافن، وانتظرت حتى أخرجوه من النعش وأدخلوه المقبرة وواروا عليه التراب!



لقد كنت أتصور أن الشيخ عبد العزيز من الشخصيات التى لا يمكن أن تموت! كنت أتصور أنه سيطل برأسه فجأة من القبر ويقول لي: «قومى جاوبى يا بنت يا فالحة». ولكن سيدنا الشيخ لم يطل برأسه من تحت التراب! وتوهمت أنهم دفنوا التعليم فى القبر مع الشيخ عبد العزيز! تصورت أن عصر الذهاب إلى الكُتّاب قد انتهى ولن يعود.. تصورت أنه مخترع فكرة التعليم!

ولكن سعادتى طارت مرة أخرى مني. لقد فوجئت بأن سيدنا الشيخ عبد العزيز لم يكن الفقيه الوحيد فى الدنيا! فوجئت بأن التعليم لم يدفن بعد فى القبر كما تصورت! فوجئت بأنه لا يزال هناك «أسياد» على قيد الحياة يعلمون فى الكتاتيب! لقد أغلق كُتّاب سيدنا الشيخ عبد العزيز أبوابه، وبقيت كتاتيب أخرى مفتوحة الأبواب! وأصدر والدى أمره الذى لا يقبل مناقشة بأن أنتقل مع أخى خالد إلى كُتّاب آخر يبعد عن بلدتنا حوالى ثلاثة كيلومترات، إنه كُتّاب عزبة «الحوال» بالسنبلاوين! وكنا نمشى كل صباح ثلاثة كيلومترات إلى الكُتّاب، ثم نمشى ثلاثة كيلومترات أخرى إلى قريتنا. أى أننى كنت أقطع كل يوم ستة كيلومترات مشيًا على الأقدام!

ولكنى فى الواقع كنت أقطع عادة سبعة أو ثمانية كيلومترات بسبب حبى للمغالطة! فقد انضم لنا صابر ابن زوج أختى وعمرو وهو من قرية مجاورة وكنا نحن الأربعة نلعب لعبة «كرسى السلطان» أثناء عودتنا من الكُتّاب؛ كان كل ثلاثة منا يحملون الرابع من عمود تليفون إلى عمود تليفون! وكنا نختلف عشرات المرات! كان كل منا يدعى أن هذا هو دوره فى الجلوس على كرسى السلطان! وكنت أكثرهم مغالطة وإصرارًا بأننى صاحبة الدور! ولذلك كنا نرجع عشرات المرات إلى أعمدة التليفون التى مررنا بها، فنبدأ الرحلة من جديد، ونرضى الطفل الذى ادعى أن هذا دوره فى الجلوس على كرسى السلطان!

وبدأت أحب الكُتّاب الجديد، لأننى كنت أحب لعبة «كرسى السلطان»! وبدأت مقاومتى للتعليم تتكسر، خصوصًا أن فقيه الكُتّاب الشيخ إبراهيم وأولاده لم يضطهدونى كما كان يفعل سيدنا الشيخ عبد العزيز. لم يقل لى «الأسياد» الجدد «قومى يا بنت يا فالحة»! لم يسخر منى سيدنا الشيخ! لم يركز أسئلته فى الفصل على أم كلثوم إلا إذا رفعت أصبعها وبدأت استعدادها للإجابة! وبدأت أحب أساتذتي.. وحبى لهم جعلنى أحب التعليم وأحب الذهاب إلى الكُتّاب!

وكانت حياة طفولتى سعيدة مليئة بالضحكات إلى أن صحوت فى فجر أحد الأيام على صوت همسات بين أمى وأبي! سمعت أمى تسأل أبى عن قلقه طوال الليل! وسمعت أبى يقول لها: «العيد جاي! ومش قادر أجيب للأولاد جلاليب جديدة فى العيد!». وأحسست بآلام أمى وأبي! وعندما طلع النهار ذهبت إلى أمى وقلت لها: «أنا مش عاوزه جلابية على العيد.. جلابيتى القديمة حلوة قوى ونفسى ألبسها فى العيد!». وبكت أمى وراحت تمطرنى بقبلاتها.. وشعرت وأنا محاطة بذراعيها، أننى أرتدى أجمل فستان فى الدنيا!



ومن الصور التى تعيش فى ذاكرتى صورة أبى وهو جالس على الأرض يعلم أخى قصة مولد النبى والقصائد والتواشيح ليساعده فى عمله الإضافى الذى يقوم به. وأذكر أننى لم أكن أهتم بالجهود التى يبذلها أبى لتعليم أخى وتحفيظه هذه القصائد.. كنت فى شغل عنها باللعب مع أجمل فتاة فى الدنيا: عروسة جدتي! ولكن يظهر أن التكرار بدأ يتحكم فى ذاكرتى لأننى بدأت وعمرى خمس سنوات أقلد أبى من وراء ظهره.. أقلده وهو يعلم أخى خالد! وفى أحد الأيام ضبطنى أبي! ووقف وراء الباب يرقبنى وأنا أقلده فلما انتهيت من تقليده قال لي: «تعالى معى إلى حفلة شيخ البلد!».

قلت له: «لا.. مش عاوزه أروح!». فراح أبى يغرينى بالكراملة التى أحبها فعاندت ورفضت! ولكن لما بدأ يلوح لى بصحن المهلبية الذى أعشقه ذاب عنادى ووافقت على أن أذهب معه إلى الحفلة.

وكانت الحفلة مزدحمة بالناس.. فقد بلغ عدد الذين حضروها حوالى خمسة عشر شخصًا.. وكان هذا العدد بالنسبة لى هو الزحام الضخم. وطلب منى أبى أن أجلس بجانبه على الكنبة الخشبية وأغنى كما هى عادة المغنين فى ذلك الوقت! ولكنى رفضت الجلوس، وأصررت على الوقوف فوق الكنبة وبدأت أغني! ولم يساورنى الخوف! لم أضطرب أمام الجماهير! لقد وقفت وغنيت بلا اهتمام وكأنى أغنى لعروستى الصغيرة! إننى أخاف اليوم من الجمهور الذى يعرفنى وأعرفه.. وأحسب له ألف حساب وأنا أوجهه.. ولكن لما كان عمرى خمس سنوات كنت أكثر ثقة بنفسى من اليوم! ويظهر أن التجربة هى التى تعلمنا الخوف! وبعد خمس دقائق انتهيت من غنائي! وسمعت أم كلثوم لأول مرة فى حياتها تصفيق الناس! ولكن هذا التصفيق لم يهزني، فقد التفتُّ إلى أبى وقلت له فى لهفة: «فين بقى اللى قلت لى عليه؟ فين طبق المهلبية؟».

وكان بين الذين حضروا هذه الحفلة بعض أهالى مركز السنبلاوين الذين طلبوا من أبى إحضارى معه إلى حفلتهم المقبلة. وذهبنا إلى السنبلاوين مشيًا على الأقدام.. مشينا ثلاثة كيلومترات وتناوب أفراد التخت حملى على أكتافهم كلما شكوت من التعب. وقادنا صاحب الحفلة إلى منزله الصغير. لم أدخل المنزل وحدي! كنت أحتضن قطتى الصغيرة التى كانت تؤنسني، وتبدد وحدتي! كانت هذه القطة صديقتي، كنت أحدثها عن متاعبى الصغيرة وأحلامى الكبيرة.. وكانت تنصت لى باهتمام! وفجأة تركتنى القطة ودخلت تحت كنبة من الخشب. فزحفت وراءها وجلست معها تحت الكنبة.

ويظهر أنى جلست تحت الكنبة مدة طويلة.. فقد راح والدى يبحث عنى دون جدوى! ولما خرجت القطة من تحت الكنبة.. خرجت وراءها! وتلقفنى والدى وأجلسنى بجانبه وطلب منى أن أغني! ورفضت للمرة الثانية أن أغنى جالسة.. أصررت على الوقوف. وكان جمهور هذه الليلة أكبر من جمهور الليلة السابقة.. كان عددهم 20 شخصًا ولكنى لم أشعر بهذا الجمهور الكبير ولم أهتم به!

 كنت أغنى وأنا أحلم.. كنت أحلم بطبق المهلبية الذى ينتظرني! وتوالت الحفلات.. ولم أسمع من أبى وأمى فى يوم من الأيام شكوى بصوت مسموع من الفقر والحرمان الذى نعيش فيه. كانا يحاولان دائمًا إخفاء الضيق عنا.. وكانا لا يكشفان عن هذا الضيق إلا بهمسات بعد صلاة الفجر، عندما يتصوران أننى وأخى نائمان لا نسمع شيئًا!

ولكن هذه الهمسات الحزينة عاشت معي، كانت تدوى فى أذني! كنت أتصور أن أزمة أمى وأبى فوق قدرتي! كنت أتصور أن كل ما أستطيع أن أقدمه لأمي، هو أن أتطلع إلى السماء وأقول: «يا رب ساعد أمي»!. ولم يخطر فى بالى أننى سأستطيع فى يوم من الأيام أن أكسب قرشًا أساهم به فى تخفيف أزمات أمي! ولكن فى ذات ليلة وجدت فى يدى كنزًا.

لقد أعطانى صاحب الحفلة الذى غنيت فيه قطعة فضية من ذات العشرة قروش! وأطبقت أصابعى الصغيرة على العشرة قروش فى حرص، وكأننى أمسك الدنيا كلها بيدي!

عشرة قروش، لقد بدت لى فى تلك اللحظة أنها أكثر من مال قارون! وتصورت أن العشرة قروش التى أقبض عليها بأصابعي، ستحل كل أزماتنا المالية! لقد شاءت الظروف بعد ذلك أن أمسك بأصابعى ألوف الجنيهات.. ولكن هذه الألوف لم تهزنى ولم تبهرنى كما هزتنى وبهرتنى العشرة قروش! وحملنى أحد المشايخ على كتفه ليعود بى إلى القرية! واستغرقت فى نوم لذيذ مريح وأنا أقبض بكل قوتى على الثروة الضخمة! ولما وصلت إلى أمي، فتحت أصابعى وأعطيتها مال قارون! وأحسست بذراعيها وهى تضمنى فى حنان.. واستغرقت فى نوم عميق لذيذ!

لم يعد أبى يقصر جهوده على تدريب أخى خالد على الغناء.. بدأ يدربنى أنا أيضًا! وذاع صيت الطفلة الصغيرة فى القرى المجاورة! وخرج هذا الصيت وراء الحدود.. حدود القرى المجاورة! وطالت المسافات التى كان يجب أن نقطعها مشيًا على الأقدام.. وارتفع دخلنا حتى أصبح فى قدرتنا أن نركب قطار السكة الحديد.. ولكن فى الدرجة الثالثة! وما زلت أذكر السعادة التى شعرت بها وأنا أركب القطار لأول مرة فى حياتي.. كان القطار المسافر من محطة السنبلاوين إلى محطة أبو الشقوق. ودخلت عربة القطار. وقفت على المقعد أطل من النافذة.. ووالدى يمسك بذيل ثوبي! ثم فوجئت بمنظر غريب أثناء سير القطار! لقد بدأت أشجار النخيل وأعمدة التلغراف تجرى أمامي! لقد هزنى هذا المشهد المحبب إلى درجة أنه لما وقف القطار فى محطة «أبو الشقوق» أمسكت بالنافذة ورفضت النزول! ووعدنى والدى أننى سأعود إلى ركوب القطار غدًا.. ولكنى رفضت أن أصدقه! وهنا أقسم لى بالله: فصدقته، ونزلت من القطار!

وذهبنا إلى الحفلة.. وكانت مقصورة على القادرين، فإن ثمن التذكرة كان قرشًا! وافتتحت الحفلة بخناقات بين الجمهور استغرقت ساعة كاملة! وبدأت أغنى التواشيح.. فعاد الخناق، واستمر ساعة أخرى! ودامت الحفلة أربع ساعات منها ثلاث ساعات ونصف ساعة خناقات ومعارك بين المتفرجين، واستغرق الغناء نصف ساعة فقط! وكانت الخناقات والمعارك من لوازم الأفراح فى الريف.. ولهذا كان محصولنا الغنائى لا يتجاوز عادة أكثر من نصف ساعة.

وفى بلدة «ميت رومي» فى البحر الصغير بشمال الدلتا، وقعت لنا مفاجأة لم نحسب حسابها؟ بدأنا الغناء، فلم يتخانق أحد! وتركنا الجمهور نغنى بلا مقاطعة ولا معارك! وغنينا كل ما عندنا فى نصف ساعة.. ومفترض أن تستمر الحفلة إلى الفجر! وتصور أبى أن ساعته قد توقفت.. ثم رأى العقرب يتحرك! وحار أبى وأفراد التخت كيف يواجهون هذه المفاجأة! وقرر أبى أن نعيد على المستمعين نفس التواشيح التى سمعوها منذ نصف ساعة! ولم يحتج الجمهور على الإعادة والتكرار! ورحنا نعيد نفس التواشيح للمرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة!

وبعدها بدأ والدى يستعد للمفاجآت.. بدأ يستعد للحفلات التى لا يتعارك فيها الجمهور ولا يتضارب! وبدأ يعرفنا على حفظ أغانٍ جديدة زيادة على الأغانى التى كنا نكررها فى كل حفلة ولا تستغرق فى مجموعها أكثر من نصف ساعة! وفى ذات يوم ذهبنا إلى الغناء فى قرية مجاورة للقرشية بالقرب من مدينة طنطا. وقبل بدء الحفلة قادنا صاحبها إلى السرادق الذى سنغنى فيه.. وأشار إلى فانوس، وقال لنا: «لما ينكسر الفانوس ده، ادخلوا الحجرة دي!». ولما ظهرت على وجه أبى علامات الدهشة قال الرجل: «بقى أنا لا بأجوز ابنى ولا بنتي! جايبينكم علشان أهل البلد المجاورة يحضروا نقوم نضربهم!». ولما بدأت أغني.. كنت أغنى للفانوس! كنت أقول للفانوس: سبحان من أرسله رحمة لكل من يسمع، أو يبصر. وكنت أركز عينى وعقلى وكل حواسى فى هذا الفانوس.. حتى أهرب عندما ينكسر! وفعلًا انكسر الفانوس! وبدأ الضرب بالعصى والنبابيت!

وبعد انتهاء الخناقة خرجنا من المخبأ.. وفوجئنا بأن أهل القرية المجاورة هم الذين ضربوا الذين أعدوا الكمين لضربهم! ولم تكن متاعبنا مقصورة على المعارك والخناقات.. كانت بعض متاعبنا بسبب بساطة بعض أهل الريف. وحدث أن اتفق معنا أهالى قرية مجاورة لمركز نبروه على إحياء فرح فيها.. ومشينا عدة كيلومترات من قريتنا إلى مركز السنبلاوين ثم ركبنا القطار إلى المنصورة ثم ركبنا قاربًا صغيرًا عبرنا النيل إلى طلخا ثم ركبنا قطار الدلتا إلى نبروه.

ولم نجد أصحاب الفرح فى انتظارنا كما هى العادة. وبرر والدى هذا التصرف بأنه لابد أن أهل الفرح انشغلوا فى إعداد الفرح. واستأجرنا «مطايا» حميرًا. وذهبنا إلى القرية التى سيقام فيها الفرح وسألنا عن بيت صاحب الفرح فقادونا إليه. ودار الحديث التالى بين والدى وصاحب الفرح: والدي: «أنتم نسيتونا ولا إيه؟» وسكت صاحب الفرح.

 والدي: «يعنى لم ترسلوا «ركوبة» إلى المحطة!» 

وسكت صاحب الفرح، وظهرت على وجهه علامات الدهشة. 

والدي: «مش النهارده الخميس.. ميعاد الفرح؟» فأجاب صاحب الفرح ببساطة: «ما احنا أجلناه!» «أجلتم إيه؟» «أجلنا الفرح!» والدي: «طيب ما أرسلتش لنا خبر ليه؟» وعادت الدهشة إلى وجه صاحب الفرح وقال: «كل البلد عارفة إن الفرح تأجل! ولد يا خليل.. ولد يا حسن.. ولد يا سيد! مش احنا أجلنا الفرح!». وهز القرويون خليل وحسن وسيد رؤوسهم بالموافقة. وقال صاحب الفرح ببساطة: «شايفين! كل الدنيا عارفة إننا أجلنا الفرح؟».

ورجعنا كما حضرنا! عدنا إلى محطة نبروه ثم ركبنا قطار الدلتا إلى طلخا، ثم عبرنا النيل بالقارب إلى المنصورة، ثم ركبنا القطار إلى السنبلاوين، ثم مشينا على الأقدام إلى قريتنا الصغيرة! وكان والدى يتتبع باهتمام تصرفات كبار المطربين والمطربات حتى أقلدهم وأوهم الناس أننى مطربة كبيرة! واكتشف أبى ذات يوم اكتشافًا مهمًّا! علم أن المطرب «الصييت» الشيخ حسن جابر يشرب «الكازوزة» فى الحفلات! فأضاف إلى عقودنا بندًا جديدًا يتعهد صاحب الحفلة بتنفيذه.. وكان هذا البند هو أن يتعهد الطرف الأول بأن يقدم للطرف الثانى «أم كلثوم» زجاجة كازوزة!

ومافيش حد أحسن من حد. 

 وكنت سعيدة بحياتي! سعيدة بالحمار الذى أركبه، وطبق المهلبية الذى ألتهِمهُ.. وزجاجة الكازوزة التى أشربها!

وبدأت شهرتنا تملأ الآفاق.. وكانت الآفاق هى القرى المجاورة لمركز السنبلاوين! ووصل أجرى مع الفرقة التى تتألف من خمسة من المشايخ إلى مائة قرش عن كل حفلة نقيمها! وبدأت شهرتنا تزحف! وعندها ارتفع أجر الفرقة من مائة قرش إلى مائة وخمسين قرشًا أصبحنا أثرياء! ورأى أبى أن نقلد الأثرياء! إنهم يلتقطون لأولادهم صورًا فوتوغرافية.. فلماذا لا نذهب نحن أيضًا إلى المصوراتي؟ وذهبنا إلى مصوراتى فى مدينة الزقازيق! وأصبت أنا وأخى بنوبة من الضحك أمام المصوراتي! فقد كان المصوراتى يقف وراء الكاميرا تحت ملاءة سوداء.. وكان وقوف المصور تحت الملاءة السوداء منظرًا غريبًا جعلنا نغرق فى الضحك! وراح المصوراتى يرجو أبى أن يمنعنى أنا وأخى من الاستمرار فى الضحك حتى يلتقط الصورة.. فإن أصول التصوير يومها كانت تقضى بألا يضحك أبدًا صاحب الصورة! يجب أن يقف جامدًا كالتمثال حتى يلتقط المصور صورته! وبعد محاولات متكررة، تحولنا إلى تماثيل والتُقِطَت أول صورة لنا!

وكان أبى غير مستريح إلى فكرة اشتغال ابنته بالغناء. كان لا يمانع فى أن يغنى ولده، أما أن تغنى ابنته فلا! وكان هذا هو السر فى العقال الذى وضعته على رأسى عدة سنوات، كان والدى يريد أن ينسى أن ابنته هى التى تغني، كان يريد أن يوهم نفسه أن أم كلثوم ولد لا بنت! و«مسحت» بقدمى الصغيرتين القطر المصرى قرية قرية.. قبل أن أضع قدمى فى القاهرة.

وشاء حظى أن أترك فى كل قرية عددًا من المعجبين بصوت الطفلة الصغيرة! ورأى والدى أن يستغل نجاحى وشهرتي.. فأصر على فرض شرط إضافى على أصحاب الحفلات فى القرى المجاورة!

وكان الشرط الإضافى هو أن يتعهد صاحب الحفلة بأن يقدم لنا حميرًا تحملنا من قريتنا إلى مكان الحفلة ذهابًا وإيابًا! وكان «الطرف الأول» ينفذ نصف الاتفاق.. ويهرب من تنفيذ النصف الثاني! وكان أصحاب الحفلات يرسلون لنا الحمير لتحملنا إلى مكان الحفلة.. فإذا انتهت الحفلة اختفت الحمير! وهكذا كنا نركب «ذهابًا» ونمشى «إيابًا». ولم تكن المسافات التى نقطعها مشيًا على الأقدام مسافات بسيطة.. كانت عادة تتراوح بين كيلومترين وخمسة كيلومترات!

ولم يكن السير على الأقدام أصعب متاعبنا!

 كان الانتظار على أرصفة المحطات هو تعبنا الأكبر! فقد كنا فى كثير من الأيام نقف على رصيف المحطة 12 ساعة كاملة! كانت القطارات تمر أمام المحطة مرتين مرة فى الساعة السادسة صباحًا، ومرة فى السادسة مساءً.

وكنا بعد انتهاء كل حفلة نعدو إلى المحطة.. وفى كثير من الأيام كنا نصل إلى الرصيف بعد قيام القطار بدقائق.. فقد كانت قطارات زمان مع الأسف تتحرك فى مواعيد محددة! ولهذا كنا نضطر إلى الانتظار 12 ساعة على الرصيف! وكان الانتظار فى معظم الأيام وسط البرد الشديد أو تحت الأمطار الغزيرة التى كانت تحرص على استقبالنا فى كل محطة نلجأ إليها! وفى أحد الأيام عرف أبى سر مفتاح باب استراحة الركاب! وكان المفتاح هو حنجرة أم كلثوم! لقد أقنع والدى ناظر المحطة بأن يفتح لنا استراحة الركاب.. وكان الثمن هو أن أغنى للناظر! وغنيت على أرصفة مئات من محطات الوجه البحري!

وبدأت أكتشف أن الدنيا من الوجه البحري، وأن هناك مدنًا أخرى لا تقل أهمية عن المنصورة والزقازيق! اكتشفت أن هناك مدينة جديدة اسمها القاهرة، اكتشفتها بمحض الصدفة! فقد حدث فى أثناء حديث عابر بين الثرى عز الدين يكن وناظر عزبته، أن قال صاحب العزبة إنه سيقيم حفلة فى قصره بحلوان كعادته كل عام احتفالًا بليلة المعراج، فقال ناظر العزبة: «والله عندنا بنت صوتها حلو!». فقال صاحب العزبة: «هاتها تغنى لنا!».

وسافرنا مع ناظر العزبة لأول مرة إلى القاهرة! ولا أذكر شيئًا عن المدينة الكبيرة، إن صورها الصاخبة لم تعش فى ذاكرتي! كل ما أذكره هو محطة باب اللوق، ففى هذه المحطة اشترى لى والدى «كراملة» أعجبتنى وجعلتنى أتصور أن القاهرة بلد «الكراملة» الحلوة! وذهبنا إلى قصر عز الدين بك يكن، وخرج صاحب القصر لاستقبالنا! ونظر لى من تحت إلى فوق عدة مرات ثم سأل فى دهشة: «هى دى اللى ح تقرأ فى المولد؟». ولما هز ناظر العزبة رأسه موافقًا صاح عز الدين بك: «إيه لعب العيال ده! بلاش كلام فارغ! انزل مصر حالًا! وروحوا هاتوا الشيخ إسماعيل سكر يحيى لنا الحفلة!».

وضعونا مع الخدم فى البدروم! ولم أندهش من هذه المعاملة، ولم أشعر بأى إهانة لحقتنا! وجلسنا الساعات فى البدروم والشيخ إسماعيل سكر يغنى للمدعوين! وبعد أن أطرب الشيخ سكر المدعوين واطمأن صاحب الحفلة على نجاح حفلته، قال الثرى عز الدين بك يكن للخدم: «هاتوا البنت تغني.. ونشوف ح تقول إيه!».

وخرجنا من البدروم إلى الدور الأول. وصعدت على كنبة وبدأت أغني! واستعادنى الحاضرون عدة مرات! واستعادنى معهم المطرب الكبير الشيخ إسماعيل سكر نفسه! ثم جاءنى أحد الخدم وقال لي: «الست عاوزه تشوف البنت فى الحرملك!». وصعدت إلى الحرملك أنا وأخى خالد.. وأدخلونا صالونًا كبيرًا مليئًا بالأثاث الفاخر. وسمعنا صوتًا يقول لنا: «اتفضلوا!» وقلقنا نبحث عن مصدر الصوت.. فلم يكن أحد فى الصالون!

وعاد الصوت يقول لنا: «اتفضلوا.. اتفضلوا!» وُعدنا نبحث عن صاحب هذا الصوت فى أرجاء الصالون وعاد الصوت يقول: «اتفضلوا.. اتفضلوا.. اتفضلوا!». وهنا رأينا صاحب الصوت.. إنه طائر فى قفص! وأصبت بالفزع وصرخت: «غراب يتكلم! غراب يتكلم!». وعدوت مع أخى من الصالون فى فزع! واصطدمت عند الباب بحرم عز الدين بك يكن وأنا أرتجف من شدة الخوف! وراحت تهدئ من روعى وتسألنى عن سبب فزعي، فرحت أصرخ: «غراب؟ غراب بيتكلم!». وضحكت صاحبة البيت وقالت لى إنه ليس غرابًا.. إنه ببغاء.. والببغاوات تتكلم! وعدت إلى قريتى أحدث أصدقائى وصديقاتى عن القاهرة بلد العجائب.. إنها البلد الذى تتكلم فيه الغربان!

-٢-
كنت أغنى بلا إحساس ولا شعور، كنت أردد الأغانى التى أسمعها من أبى بنفس الطريقة التى يردد بها التلميذ الصغير جدول الضرب، وقواعد النحو والصرف. ثم غيرنى فونوجراف. كان فونوجراف العمدة، فقد سمعت على هذا الفونوجراف صوت الشيخ أبو العلا، وهزنى صوته. كنت أشعر وأنا أسمعه أنه يغنى لى وحدى وسمعت مئات المرات صوته وهو يغني: «أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا»، وسمعته وهو يغني: «وحقك أنت المنى والطلب «، وقصيدة:» غيرى على السلوان قادر».

كان الفونوجراف يسكت، ولكن صوت الشيخ أبو العلا كان يستمر يغنى فى أذني. كان أطفال القرية يرددون أغنية «أنا نازلة أملا القلل». أما أنا فكنت أعيش مع أغانى الشيخ أبو العلا، وكنت أتصور أنه مات! لم يخطر على بالى أن صاحب هذا الصوت يعيش فى الدنيا التى أعيش فيها! ومرت السنون. وفى يوم من الأيام كنت فى محطة السنبلاوين فسمعت صوتًا يقول: «الشيخ أبو العلا هنا!». ولم أصدق أذني. ورأيت أبى يسرع نحو الرجل الكبير ويصافحه باحترام، وأسرعت وراءه وأمسكت يده، ورحت أحدثه على الفور عن إعجابي. وتحول الشيخ أبو العلا عنى ليستأنف حديثه مع الآخرين، ولكنى منعته أن يكلم أحدًا غيري. أمسكت بيده ورحت ألح عليه أن يأتى معى لزيارتنا فى القرية. وأحس الرجل الكبير بتعلقى به، وجاء معى إلى بلدنا! إلى قرية «طماي».

ودخلت إلى أمي قلت لها: «إن أهم إنسان فى الدنيا سيتناول معنا الغداء! كل حاجة عندك قدميها له، اذبحى كل الفراخ اللى عندك واللى عند الجيران».

 كنت لا أصدق عيني! كنت أتصور أننى أرى «منامًا» ولا أعيش فى الحقيقة! ولما جلست أمامه طلبت منه أن يغنى لى فطلب منى أن أغنى له أولًا ورفضت. فقد شعرت بأننى لن أجرؤ على الغناء أمام هذا العملاق، وأحسست أنه ليس من المعقول أن أخدش أذنى هذا المغنى العظيم بصوتي. ولكن ترددى ذاب أمام قوة شخصيته، وبدأت أغنى له، وبدأ هو يغنى لي! وشعرت بأن فى بيتنا أجمل أحلامي.. وأحسست بضربات قلبى وأنا أسمع صوته! كنت أسمع قيثارة أجمل من الفونوجراف؛ فقد كان الشيخ أبو العلا أعظم مغنٍ سمعته فى حياتي.. ولا يزال هذا رأيى حتى اليوم. إنه أحسن من غنى، وأحسن من لحن المعانى قبل الألفاظ! وكان الرجل الكبير كريمًا معي.. فقد استمر يغني.. يغنى لى وحدى عدة ساعات!

واقترح الشيخ أبو العلا على والدى أن يترك قرية طماى الصغيرة، وينتقل إلى القاهرة، فدهش أبى من هذا الاقتراح، وقال: «إن طماى بلدنا وعارفانا وعارفينها، ولا يمكن أن نترك طماي!». فقال الشيخ أبو العلا: «إن مستقبل ابنتك أكبر من «طماي» وحرام أن تُحبس هذه الموهبة فى قرية صغيرة» ولأول مرة فى حياتى بدأت أناقش والدى الذى غير موضوع الحديث.

ولكنى رحت «أزن» وألح وأرجو. وعاد أبى يغير موضوع الحديث! فلم أتعب من «الزن» والإلحاح إلى أن وقع لى حادث مسح فكرة الإقامة فى القاهرة عن كل أحلامي! فقد اتفق أحد أهالى القاهرة مع أبى على أن أغنى فى فرح ابنه فى كوم الشيخ سلامة المجاور لحى العتبة الخضراء بالقاهرة.

وعند سفرى إلى القاهرة أخذت معى «تحويشة» العمر. إنها الخمسة عشر جنيهًا التى ادخرتها من مصروفى و«عيديتي» فى الأعياد. ونزلنا فى بيت صغير، بيت صاحب الفرح وقبل خروجنا من البيت لإحياء الحفلة وضعت ثروتى الضخمة فى جيبي! ولما انتهت الحفلة وعدت إلى البيت أسرعت إلى تحويشة العمر لأخرجها من جيبى فلم أجدها! اختفت تحويشة العمر التى تصورت أننى سأشترى بها مدينة القاهرة كلها.

ولم أصدق عيني! رحت أبحث فى جيبى وجيب أخي، وتحت الكراسي.. فلم أجد لها أثرًا. ولم أذرف الدموع، كانت نكبتى أقوى من الدموع وأخفيت الحادث عن أبى فى أول الأمر ثم اضطررت أن أعترف! ولن أقول لكم ما قاله أبى لي!

وعاهدت نفسى على ألا أزور القاهرة بعد ذلك! ولكن نداء القاهرة كان أقوى من ضياع أموال قارون! فقد عدنا إلى القاهرة مرة أخرى، وأقمنا فى حجرة بلوكاندة جوردن هاوس التى تطل على شارع فؤاد (26 يوليو) الآن. ومن شرفة حجرتى بهذا الفندق رأيت السينما لأول مرة فى حياتي! فقد كانت تطل على سينما «جوزى بلاس» رأيت رجالًا ونساءً يتحركون على الشاشة البيضاء! ورأيت شابًا يقبل فتاة! رأيت دنيا غريبة لم أشهدها لا فى طماى ولا فى الزقازيق ولا حتى فى المنصورة! ولم يخطر لى وأنا واقفة فى شرفة حجرتى بفندق جوردن هاوس أن أم كلثوم نفسها ستظهر فى يوم من الأيام على هذه الشاشة.

وكان فى حجرتنا بالفندق ثلاثة أسرّة، لأبى ولأخى ولي! وكنت أتصور أن هذا الفندق المتواضع هو أكبر فنادق القاهرة، فلم أكن يومها قد سمعت عن شبرد وسميراميس! وكان لحجرتنا الصغيرة شرفة تطل على شارع فؤاد، وشرفة أخرى تطل على المدرسة الإعدادية وكان الشيخ أبو العلا يحضر إلى زيارتنا وأجلس بجانبه أستمع إلى كلامه وغنائه.

وكنت أسهر طوال الليل أسمع أحب الأصوات إلى قلبي! فقد كان غناؤه أحب إلى من النوم. وفى إحدى الليالى ونحن جالسون فى الشرفة غنى لى الشيخ أبو العلا ثم التفت إليَّ وقال: «أنا غنيت لك كثير.. ما تغنى لى بقى؟». وغنيت له. وسكت الشيخ طويلًا. ثم رأيت دمعة تسقط من عينه ثم قال: «لن أفترق عن هذا الصوت طول عمري!».

وفعلًا لم نفترق منذ تلك اللحظة.. كان يصحبنى مع أبى وأخى فى كل حفلاتى وفى كل مكان أذهب إليه. وغيرنى الشيخ أبو العلا، علمنى أن أفهم الكلام قبل أن أحفظه وأغنيه فقد كنت حتى هذه اللحظة مثل ببغاء الثرى عز الدين يكن تردد الكلام بلا فهم ولا اهتمام! وبدأت الكلمات غير المفهومة تتعثر فى فمى وترفض الخروج من بين شفتي! وفى إحدى الليالى كنت أغنى مع أفراد الفرقة: جَلَّ من طَرَّز الياسمين فوق خدَيْك بالجُلِّنار، واصطفى ذا الجُمان الثمين معدِنًا من لماك العقار!

ووقفت كلمة «الجُمان» فى فمى ورفضت الخروج من بين شفتى وتركت باقى أفراد الفرقة ينطقون الكلمة وحدهم. وتصور أبى أننى نسيتها، فلم يعر الأمر اهتمامًا. ولما تكرر وقوفى عند كلمة «الجمان» أحس والدى بأن المسألة ليست مسألة نسيان فسألنى لماذا لا أغنى هذه الكلمة؟ فأجبت: «مش عارفة أقولها إزاي؟ مش عارفة أقولها وأنا بضحك ولا أقولها وأنا مكشرة.. أنا مش فاهمة معناها إيه!».

وكانت هذه هى المرة الأولى التى أواجه فيها والدى بما تعلمته من الشيخ أبو العلا، وهو: أنه يجب أن أفهم المعانى قبل أن أغنى الكلمات! وعن طريق الشيخ أبو العلا عرفت الشاعر أحمد رامي. فقد التقى أحمد رامى بالشيخ أبو العلا ذات يوم، وسأله: «فيه بنت بتغنى اسمها أم كلثوم، إيه رأيك فيها؟».

فأجاب أبو العلا: «دى بتقول لروحها: آه!». وفى إحدى حفلاتى بحديقة الأزبكية اقترب منى شاب وقال لي: «أنا أحمد رامي!». ورأيت أمامى لأول مرة الشاعر الذى أعجبتنى أشعاره. وأردت أن أقول لهذا الشاعر أهلًا.. فغنيت له قصيدته: «الصب تفضحه عيونه».. وكانت مفاجأة له..

وكان رامى يحب الغناء، وكنت أعشق الشعر. وكانت هوايتى للشعر قد بدأت بكتاب وجدته مع أخي، أخذته منه لأتفرج عليه. كان الكتاب هو قصة «العبرات» لمصطفى لطفى المنفلوطي؟ وأمسكت الكتاب لأتفرج عليه، وأعيده إلى أخي! وفتحت الصفحة الأولى، ولم أترك الكتاب إلا بعد أن وصلت إلى الصفحة الأخيرة! وعشقت المنفلوطي. قرأت له «النظرات» و«العبرات» وكل القصص التى كتبها. وفى أحد الأيام شعرت بجوع إلى القراءة أردت أن أقرأ. ورحت أقلب كتب القصص التى فى بيتنا الصغير، فوجدت أننى قرأتها كلها. قرأتها عشرات المرات! وبدأت أبحث عن كتاب جديد وفى تلك اللحظة بدأت هوايتى للشعر.

كنت أحفظ الشعر ولا أفهمه كنت أتصوره كلمات موزونة يعدها الشعراء للغناء! وفى أحد الأيام، رحت أبحث فى حجرتنا الصغيرة عن كتاب أسلى به نفسي! وفتحت ديوان شعر ابن الفارض. وقرأت البيت الأول فى القصيدة الأولى بالديوان، ففهمته! وقرأت البيت الثانى فأعجبني.. واستعدته! ورحت أقرأ باقى القصيدة فى لهفة! وبعد ديوان ابن الفارض قرأت ديوانى ابن الرومى والبحتري! ثم قرأت «الأغاني» الذى يتألف من 11 جزءًا واخترت عدة قصائد شعرت بأنها جديرة بأن تغنى ثم قرأت «الأمانى والحماسة» وبدأت أشترى دواوين الشعراء بعد أن كنت أستعيرها من أبي. وقرأت ديوان المتنبى والشريف الرضى ومهيار الديلمي.

وأصبحت أعشق الشعر. أصبحت أقرأ القصيدة بنفس اللهفة والمتعة والشغف التى تقرأ بها فتاة أول قصة غرامية. وكان لأحمد رامى الفضل كل الفضل فى تذوقى الشعر وتفهم معانيه. وكان يقدم لى فى كل مرة يزورنى فيها ديوان شاعر. وتعلمت أوزان الشعر، لدرجة أننى بدأت أحس بالبيت المكسور، والبيت الذى يقف على قدميه.

ولكنى لم أفكر فى يوم واحد أن أنظم بيتًا واحدًا من الشعر. لعل السبب هو كثرة قراءتي، ولأننى قرأت الشعر الجيد وتذوقته، ولولا قراءاتى لحاولت أن أنظم عددًا من القصائد أعبر فيها عن مشاعري. ولكننا عندما نتعلم نعرف مكاننا بين العلماء وعرفت مكاني! واستمرت صداقتى بأستاذى الشيخ أبو العلا سنين طويلة كنت أبحث عنه فى كل مكان لأستظل برعايته وأستاذيته، وكنت أطالبه فى كل مرة نلتقى فيها أن يغنى لي.

كان غناؤه هو غذاء روحي. وفجأة ثقل لسانه، وأصبح يتعثر فى نطق الكلمات، ومع ذلك كان يغنى لي. وعندما يخونه صوته أثناء الغناء كان يقول لي: «أنتِ عارفة أنا عاوز أقول إيه!!؟». وفى إحدى الليالى فوجئت بوفاة الشيخ أبو العلا وامتلأ رأسى بقصائد الشعراء، بعدما امتلأت روحى بأغانى الشيخ أبو العلا ولم أستطع أن أبقى فى بيتي، ولم أحتمل أن أذهب إلى بيته.

مشيت فى شوارع حى الزمالك شارعًا شارعًا ولم أذرف دمعة واحدة. مشيت إلى شارع فؤاد ثم إلى شارع الملكة نازلي، ثم عدت أمشى فى شوارع الزمالك مرة أخرى! كنت أتصور أننى سأغسل شوارع القاهرة فى تلك الليلة بدموعي، ولكن دموعى تحجرت فى عيني! وكان يمشى معى أخى خالد وعازف الكمان سامى الشوا! كانا يحاولان إقناعى بالبكاء تحت أى سقف! ولكننى كنت أرفض! وكنت أحس أن البيوت لا تتسع لحزني! وقضيت الليل هائمة على وجهي.. أبكى بغير دموع أستاذى الذى علمنى كيف أعبر عن المعانى بالنغمات!

وتعرفت بكبار الموسيقيين وبالأستاذين حسن أنور وأمين المهدى وهو أبرع من عزف على العود ونشأت بيننا صداقة عائلية. وأثناء اصطيافنا بالإسكندرية زارنى أمين المهدى ودعانى لزيارة بيته الذى يطل على ترعة المحمودية وفى هذا البيت التقيت بأول صديقة لي.

كانت تلميذة فى مدرسة «المير دى دييه» وكان اسمها روحية المهدي، إنها ابنة أمين المهدي. لقد أصبحنا صديقتين بعد ساعة من اللقاء.. أحسسنا تجاوبًا عجيبًا، وشعرت كل منا أنها تعرف الأخرى منذ سنين وسنين. وبدأت صداقتنا تقوى على مر الأيام. ولما انتهت شهور الاصطياف وعدنا إلى القاهرة، كنت أحرص على زيارة بيت أمين المهدى كل يوم أحد. فقد كان يوم الأحد هو إجازة روحية من مدرستها.

وكانت روحية تقيم فى بيت بباب الخلق يواجه دار الكتب، وفى كل أسبوع كنت أقطع المسافة من شقتى بعمارة بهلر بالزمالك إلى ميدان باب الخلق لألتقى بصديقتى التلميذة وأفتح لها قلبى وتفتح لى قلبها، وتحدثنى عن أحلامها وأحدثها عن أحلامي.

وكانت القاهرة بالنسبة إليَّ هى الطريق من الزمالك إلى باب الخلق. وكنت لا أخرج من بيتى إلا وأذهب إلى روحية يوم الأحد، أو لأذهب فى المساء إلى حديقة الأزبكية لأغني، أو عندما أذهب فى الليل إلى الفرح الذى سأغنى فيه! وخلال السنوات الأربع الأولى التى أمضيتها فى القاهرة، كانت العاصمة بالنسبة إليَّ هى شارع فؤاد (26 يوليو الآن) وميدان قصر النيل وميدان عابدين وميدان باب الخلق! وفى خلال السنوات الأربع لم أدخل السينما مرة واحدة وفى خلال السنوات الأربع لم أدخل محلًا تجاريًّا مشهورًا أو مطعمًا كبيرًا! فى خلال السنوات الأربع لم أدخل إلا مسرحًا واحدًا هو مسرح «الماجستيك» فقد كان والدى يحب روايات على الكسار!

وكانت كل معلوماتى عن القاهرة هى ما أقرأه فى الصحف والمجلات، وأسمعه من الناس! ومع هذا الحصار الذى كنت أعيش فيه، أحببت القاهرة كنت أحس أننى أعيش فى أجمل بلد فى الدنيا. أحببت أهلها! وجدت فى هذه المدينة الحلوة حنانًا واهتمامًا وتشجيعًا. ووجدت فيها مجدًا لم يخطر لى على بال! وفى يوم من الأيام عاد والدى إلى بيتنا وهو متجهم الوجه، ودخل حجرته. ونادى والدتي، فدخلت، وأقفلا الباب.

وسمعنا همسًا لم أهتم به. ولكنى رأيت أمى تفتح الباب، وبدأت فى حزم الحقائب! وسألت أمي: «ماذا جرى؟». فسكتت واستمرت تملأ الحقائب بالملابس! وسألت والدي، فقال بحزم: «خلاص! إحنا راجعين بلدنا، لن نبقى فى مصر بعد الآن.. ولن نعود إليها». ودهشت من هذا القرار العجيب! كيف نهجر القاهرة وقد لقيت فيها مجدًا لم أحلم به؟ كيف أهجر «أم الدنيا» بعد أن أحببتها وأحببت من فيها وبعدما التقيت حظى فيها؟

ورحت ألح على والدتى أن تبرر لى قرار والدي! رحت أقول لها: «أريد أن أعرف لماذا نهجر القاهرة؟!». وأشارت والدتى إلى مجلة ملقاة على الأرض والتقطت المجلة - إنها مجلة «المسرح» التى يصدرها الناقد المسرحى عبد المجيد حلمى ورحت أقلب صفحات المجلة فى لهفة! فلم أجد ردًا على سؤالي! وعدت أقرأها سطرًا سطرًا. ثم سقطت المجلة من يدي! لقد نُشر فى تلك المجلة خبر عجيب عني! كان خبرًا كاذبًا يمس سمعتي! ولكن المرحوم عبد المجيد حلمى سامحه الله فى ذلك الوقت يعجب بالسيدة منيرة المهدية. وبدلًا من أن يقدم إليها باقة ورد، رمى تحت قدميها شرف المطربة الجديدة!

ولكن، هل من العدالة أن يضحى أبى بمستقبلي، بسبب خبر كاذب! هل من العدالة أن تدفع الضحية لمن بيده سكينة الجزار! إن والدى يعرف أن الخبر لا أساس له من الصحة، فهل الطريقة للاحتجاج على الخبر هى أن نجمع ملابسنا ونعود إلى قرية طماي! 


ورحت أستنجد بأصدقاء أبي. رحت أرجو كلًا منهم أن يحضر لإقناع أبى بالعدول عن هجر القاهرة وجاء الأصدقاء إلى بيتنا ليحاولوا إقناع أبى بالبقاء فى القاهرة قالوا له إن ابنته أصبحت مشهورة وإن للشهرة ضرائب يجب أن يدفعها صاحبها، وأولى هذه الضرائب أن يحتمل نشر الأكاذيب التى تنشرها عنه بعض المجلات الصغيرة. ورفض أبى وساطة هذه الوفود.

وأصر على العودة إلى قريتنا «طماي» وعندها استسلمت للأمر الواقع، وجلست فى حجرتى أكتب خطابات وداع لصديقاتى ومعارفي. وبين الخطابات التى كتبتها خطاب عصرت فيه قلبي، وأرسلته إلى صديقتى التلميذة فى مدرسة «المير دى دييه». لقد كتبت هذا الخطاب بدموعي! حدثتها عن قرار أبي، ورحت أودعها وأودع القاهرة الحبيبة، وكأننى أودع الدنيا كلها! وجاءت أسرة المهدى إلى بيتنا.. فوجدوا الحقائب معدة! وتكلمت سيدات الأسرة، ورحن يناقشن والدى فى قراره، ببلاغة وحكمة ومنطق! ولكن أبى لم يقتنع. ثم ركزت سهامهن على عاطفة أبى وحبه لى فقلن له إن قراره سيقضى على مستقبلي، وسيدفن المجد، الذى كان ينتظرني، تحت تراب قرية طماي!

ولم يقتنع أبي! وأخيرًا تكلم أمين المهدي، وقال لأبي: «إن معنى مغادرتكم القاهرة هو أن الخبر الذى نشرته مجلة «المسرح» عن أم كلثوم خبر صحيح، فالناس تهرب من الحقيقة، ولا تهرب من الأكاذيب!». وقام أبى من مقعده، وبدأ يفتح حقائبنا ويخرج منها الملابس!

 والآن، لقد حاولت فى هذه الصفحات التى كتبتها أن أتصفح مع القارئ صور «ألبوم» حياتى صورة صورة. وبكيت وأنا أتطلع إلى بعض الصور، وأغرقت فى الضحك وأنا أتطلع إلى صور أخرى.. فقد كانت حياتى كحياة غيرى مليئة بالضحكات والدموع! ولم أحذف صورة واحدة من الألبوم. حرصت على أن نقدم كل الصور.. حتى الصور التى مسحت السنون والأيام ملامحها! ولم أحاول أن أضيف ظلالًا جديدة ورتوشًا للصور القديمة.