عن العود والسياسة والحب: اعترافات إحسان عبد القدوس مع الست

مع إحسان عبدالقدوس
مع إحسان عبدالقدوس


أم كلثوم: أيها السادة، كل سنة وأنتم طيبون فى أول ليلة من ليالى رمضان المعظم، يسعدنى أن أتقدم إلى المسلمين فى كافة أنحاء الدنيا بأطيب عبارات التهانى بحلول شهر رمضان المعظم، داعيةً الله سبحانه وتعالى أن يعيد أمثال هذه الأيام الجليلة المباركة على الأمة الإسلامية وقد تحققت لها العزة والقوة بتويج رحلة الجهاد والنضال بالنصر بإذن الله.

أيها السادة، أنا «النهاردة» سأقوم بدور المذيعة، وأوجه كلامى وأسئلتى للأستاذ إحسان عبد القدوس الكاتب الصحفى الكبير.

(إحسان يضحك)

أم كلثوم: لا تضحك.. هذا صحيح، فالإذاعة اليوم أعطتنى سلاحًا لأتكلم به مثلما تملكون أنتم قلمًا تكتبون به.. أريد أن «أخلص» الأسئلة التى تسألونها لى طوال السنة، كلها سأسألك إياها أنا اليوم.
إحسان عبد القدوس: على كل حال، أسئلتك ستكون حلوة مثلما صوتك حلو، ومثلما كل شيء فيكِ حلو.

أم كلثوم: لا يا «أخويا» سيبك من هذا الكلام.. الآن سأسألك أسئلة لكنها «جامدة» قليلًا.

إحسان: وأيضًا «الجامد» منكِ حلو.

أم كلثوم: أنت دائمًا تتكلم عن الجيل الجديد ومتحمس لكل شيء جديد.. فما رأيك فى الجيل الجديد؟ وما الفرق بينه وبين الجيل القديم؟

إحسان: الحقيقة أنا لا أفرق بين الجيل القديم والجيل الجديد تفريقًا ثابتًا، فلا يوجد شيء اسمه جيل قديم وجيل جديد، فالعمر ليس هو الذى يخلق الناس.. يوجد فى جيلنا القديم ناس كويسون جدًا وناجحون جدًا، ويمكن أن ينجحوا أكثر، وهناك ناس قد لا يوفقون فى تحقيق النجاح والواقع أننا أولًا نحكم على الجيل الجديد -فى رأيي- بظروفنا لا بظروفه هو، وهذا هو ما يسبب القلق والأحكام التى قد لا تكون صحيحة.



يعنى يأتى إليّ شاب من الجيل الجديد مثلًا يفعل كذا وكذا، فأنا أتخيل نفسى عندما كنت فى سنه ماذا كنت أفعل، وأقيس ما كنت أفعله على ما يفعله هو.. وهذا ليس صحيحًا؛ لأن الظروف التى عشت وتربيت فيها تختلف عن الظروف التى يعيش ويتحرك فيها هو.

أم كلثوم: لكننى أرى أن الجيل الجديد واعٍ أكثر من الجيل القديم.

إحسان: لا، لا نستطيع قول ذلك.. الجيل الجديد فيه شبان واعون يبنون أنفسهم على دراسات مهمة وعميقة، لكن أيضًا يوجد فى الجيل الجديد ناس «بتلعب» وليس لديها العمق، تمامًا كما كان فى جيلنا.. فجيلنا كان فيه ناس دارسون جدًا ويفكرون بعمق ويصلون وينجحون، وكان فيه ناس على العكس.

أم كلثوم: يعنى فى الجيلين يوجد الكويس والوحش، لكن عمومًا فى الجيل الجديد الحياة تتقدم، والفرص متاحة له للفهم والدرس.. أرى الجيل الجديد «أصرح» من الجيل القديم؛ كان الولد من الجيل القديم يشرب السجائر ويفعل كل شيء لكن ليس أمام أهله.

إحسان: هذا صحيح.

أم كلثوم: لكن الآن يستطيع أن يفعل كل شيء أمام والده ووالدته، وهذا فى نظرى «ليس كذبًا».

إحسان: أنا أعتقد أن هذا كله نتيجة تطور.. يعنى الجيل القادم بعد هذا الجيل الجديد.. أولاد أولادنا، وأولاد أولاد أولادنا، سيجدون أنفسهم أكثر تطورًا فى الحياة.


أم كلثوم: من هذه الناحية أنا أفضل الجيل الجديد؛ لا أتكلم عن نجاحه وفشله، أنا أتكلم عنه من ناحية أنه جيل واعٍ وصريح ومتفتح.. شيء آخر غير القديم.

إحسان: أقول إننى وأنا صغير مثلًا كنت متربيًا فى بيت جدي، وجدى كان رجلًا من الأزهر ومتدينًا جدًا.. كانت تربيتى مع البنات الصغيرات اللواتى فى سني، وعندما كنت فى الثامنة، هناك بنت نظرت من الشباك، فأعطونى «عصا» لأضربها لأنها نظرت من الشباك!

أم كلثوم: طيب، وجدك لماذا لم يضربها بنفسه؟

إحسان: لا.. يعنى ربونى على...

أم كلثوم: على الحماقة!

إحسان: على تقاليدهم، وطبعًا أنا لم أقتنع بهذا الكلام، والجيل كله لم يقتنع.

أم كلثوم: الآن ننتقل من هذه النقطة لنقطة ثانية.

إحسان: قبل أن ننتقل، أليس من الممكن أن أتمتع بأم كلثوم.. يعنى أسمع شيئًا؟

أم كلثوم: بى أنا؟

إحسان: نعم، أسمع شيئًا من أم كلثوم.

أم كلثوم: اليوم أنا «أذيع» ولا أغني.


إحسان: معلش.. فمهما كنتِ، أنتِ أم كلثوم، وأنا نفسى أسمع «الكوبليه» الذى يقول: «والقمر من فرحنا بينور أكتر».

(وتغنى أم كلثوم)

أم كلثوم: سمعت يا سيدى وارتحت؟

إحسان: آه.. وحلوة جدًا.

أم كلثوم: طيب يا سيدى الحمد لله.. أريد أن أسألك سؤالًا: ما الفرق بين كاتب الأدب وكاتب السياسة؟

إحسان: أنا لا أتعمد أن أكتب أدبًا أو سياسة.. إنما أكتب بانفعال وبإحساسي، وما دام الكاتب قادرًا على التعبير فهو فى الواقع يعبر عن كل ما يحسه فى حياته، وهى الحياة العامة. أنا طوال عمرى فنان، ومنذ صغرى أكتب قصصًا وزجلًا وشعرًا.

أم كلثوم: طيب، «قل لنا» شيئًا من الشعر.

إحسان: لا.. فالشعر «وقع منى خالص».. إنما فى الوقت الذى كانت فيه هذه هوايتي، كان لا يمكن مثلًا أن يقع حدث سياسى دون أن أنفعل به وأشترك فيه اشتراكًا فعليًّا. فى سنة 1935 اشتركت فى المظاهرات التى قامت حينها، و»أكلت علقة» من «كونستابل» إنجليزى -طبعًا وقتها كان كل الكونستبلات إنجليز- وكانت هذه أول «علقة» آخذها فى حياتي.

لغاية الآن أعتبر أن كل شيء يعيش فى الحياة هو حياتي؛ فالسياسة أهتم بها وأكتب فيها بنفس الانفعال الذى أكتب به القصص أو الخواطر.. طبعًا هذا لا يعتمد على الإحساس فقط، بل يجب استكمال الدراسات؛ فأنا لا أستطيع الكتابة فى السياسة إلا بعد دراستها. دخلت كلية الحقوق مخصوصًا لأدرس القانون الذى يحتوى على جزء كبير من المنطق السياسي، وقرأت كل المبادئ السياسية، ثم عشت فى حياة مصر السياسية عيشة كاملة، وكل هذا يساعدنى على الكتابة. والأدب أيضًا محتاج لدراسة تُعِد الأديب، تمامًا كالكتابة فى السياسة.

وأكثر من ذلك بالنسبة لأى نوع من الكتابة هو «القرآن»؛ أنا أعتقد أن أى كاتب لا يمكنه بناء نفسه إلا إذا قرأ القرآن وقرأه كثيرًا، ليس فقط للإيمان الديني، بل لأن القرآن فيه ما أسميه «موسيقى اللغة».

أم كلثوم: أنا الآن أريد الانتقال لسؤال آخر.

إحسان: أليس ممكنًا أن أسأل أنا؟ فهذه مهنتي، أنا رجل «سؤالات».

أم كلثوم: لا يا سيدي، قبل أن تسأل، هناك سؤال دائمًا يلاحقنى فى كل برنامج وأنا نفسى أعترض عليه لكن سأقوله: تحب تسمع إيه؟

إحسان: أنا أحب أن أسمع أم كلثوم كلها من أولها لآخرها، هل يمكن؟

أم كلثوم: أنت تجامل المذيعة!

إحسان: طيب، أسمع «الأطلال»، أحبها جدًا.

أم كلثوم: هذه تأخذ البرنامج كله.

إحسان: طيب «حتة» منها.

أم كلثوم: طيب.

(وتغنى أم كلثوم «أين من عينى حبيب»)

إحسان: الآن تسمحين لى أن أبدأ أنا بالسؤال؟

أم كلثوم: تفضل.

إحسان: بحكم المهنة.. هناك شيء أحبه منذ صغرى ويشغلنى جدًا وهو «العود». أنا أعتبر العود آلة موسيقية تمثلنا، هى شخصيتنا، تمامًا مثل الناي.. وأنا فى تربيتى التى تحدثت عنها، وجدت العود منذ سنوات بدأ يختفي.

أم كلثوم: لا أبدًا، هو لم يختفِ بالنسبة لي، فالعود كان معى دائمًا مع المرحوم القصبجي. أما من ناحية العود كآلة شرقية فلا يمكن الاستغناء عنها، هو فى موسيقانا كالبيانو فى الموسيقى الغربية، لا يستطيعون الاستغناء عنه. نحن لا نستغنى عن العود، له دور كبير جدًا، والعود والقانون والناى من معالمنا التى لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا.

إحسان: أنا أرى أنها تحتاج لمجهود وتوجيه أكبر، ليس فقط ليظهر العود فى الأعمال الكبيرة، فمثلًا «تقاسيم العود» منذ أيام المرحوم القصبجى لم نسمع تقسيمة جديدة.

أم كلثوم: لا.. يوجد الكثير، عندك الأستاذ رياض السنباطى أصدر أسطوانة جديدة فيها تقاسيم عود هائلة، وهو خير من يعزف على العود.

إحسان: هذه لا بد أنها جديدة جدًا.

أم كلثوم: نعم.. ستطرح قريبًا، أرجو أن أستطيع إسماعك شيئًا منها.. سأحاول تدبير ذلك فى البرنامج.

(ونستمع إلى تقاسيم العود)

إحسان: طيب، هل هناك سؤال ثانٍ؟

أم كلثوم: نعم.

إحسان: يا ترى هل تسمعين الموسيقى الجديدة؟ «الجيرك» والرقصات الجديدة التى تظهر، وما رأيك فيها؟

أم كلثوم: لا.. أنا لا أطيق هذه الأشياء لأننى «أتنرفز» جدًا عندما أسمعها، وأشعر برغبة فى كسر أى شيء أمامي!

إحسان: على أى حال، هم يشبهونها بأنها «تفريج» عن حالة نفسية، مثل «الزار» الذى كان عندنا زمان.

أم كلثوم: حالة نفسية ماذا؟! لقد رأيت أولادًا فى سن الثامنة لديهم حالات نفسية.. هذا غير معقول.

إحسان: فعلًا، لم يلحقوا بعد!

أم كلثوم: هذه حاجة غير معقولة، وموسيقى نشاز تثير الأعصاب بشكل غريب.

إحسان: هذا صحيح.. ننتقل لسؤال ثانٍ.

أم كلثوم: تفضل.

إحسان: ما دمت جالسًا مع أم كلثوم فلا بد أن أتكلم عن الفن. هناك أشياء كانت ناجحة جدًا وبدأت «تكش» (تتقلص)، مثل المسرحيات الغنائية والأفلام. أنتِ قدمتِ أفلامًا غنائية ونجحت نجاحًا باهرًا، ثم توالت الأفلام، وأصبح هناك جيل كامل يستمتع بالأفلام الغنائية.

أم كلثوم: هذا يتطلب مجهودًا كبيرًا، ويحتاج لناس مؤمنين بهذا، أما الذين ينتجون الأفلام الآن فيريدون أعمالًا لا تكلفهم كثيرًا وتدر إيرادًا. أنا رأيى أن تتبنى الدولة ولو فيلمًا واحدًا فى السنة، وتصرف عليه ليخرج مشرفًا لنا من الناحية الغنائية والموسيقية.

وبالنسبة لـ «الأوبريت»، فالفنان فى السينما قد يعمل شهرًا أو شهرين ويتقاضى 6000 أو 7000 جنيه، بينما يعمل فى أوبريت أو أوبرا ليأخذ 1000 جنيه فى السنة أو أقل.. كما لا يوجد مسرح مستديم؛ فقد ظهرت أوبريتات جميلة لكنها لم تستمر لعدم وجود مسرح، تعرض 15 يومًا ثم تنتظر شهورًا.. الجمهور يحتاج أن يتعود على مسرح غنائي، ولا بد أن يكون أكثر من مسرح.

إحسان: صحيح.. ونحن نتحدث عن المسرح الآن، أريد أن أسألك سؤالًا ليس من اختصاصي.

أم كلثوم: مرة أخرى!

إحسان: نعم.. تحبين أن تسمعى مَن؟ نحن عندما يسألوننا نقول «أم كلثوم».. فماذا تحب أم كلثوم أن تسمع؟

أم كلثوم: أنا أسمع أى شيء إلا أم كلثوم.. أى شيء.

إحسان: لأنكِ «شبعانة» منها، لسنا مثلنا «جياع» لها (يضحك). طيب، مَن غير أم كلثوم؟


أم كلثوم: أحب أن أسمع لعبد الوهاب «جبل التوباد».

(وينطلق صوت عبد الوهاب: «كم بنينا من حصاها أربعًا.. وانثنينا فمحونا الأربعا»)

إحسان: الآن هل أستطيع أن أسأل سؤالًا آخر.. أم؟

أم كلثوم: وهل يستطيع أحد منعكم أنتم الصحفيين؟!

إحسان: أنا أريد أن أسمع وأرى أم كلثوم، وأجعل الناس يرون أم كلثوم لا كفنانة كبيرة، وإنما كـ «ست بيت».

أم كلثوم: ست بيت؟

إحسان: أريدك أن تخبرينا كيف تتصرفين كربة منزل.

أم كلثوم: فى ماذا مثلًا؟

إحسان: فى المطبخ مثلًا.

أم كلثوم: طبعًا أعرف.. أعرف كيف آكل!

إحسان: أنتِ تعرفين أننى مؤمن بالحب.

أم كلثوم: كلنا مؤمنون بالحب.

إحسان: أنا مؤمن به جدًا، وهناك «جزء» منكِ فى أغنية «ألف ليلة وليلة» يقول: «الله محبة والخير محبة».. يا ترى هل أستطيع سماعها؟

أم كلثوم: «والله محبة، والخير محبة، والنور محبة».

أم كلثوم: أيها السادة، مرة ثانية، كل سنة وأنتم طيبون.