فى الخامس من فبراير عام 1975، استيقظ المصريون على خبر وفاة أم كلثوم، التى شُيِّعت بعد يومين فى جنازة شعبية حاشدة لم تحدث لأى من فنانى جيلها، أو الأجيال التالية وتوقع البعض انحسار الأضواء، عنها وعن أغنياتها بعد الغياب، أو حتى ظهور من يقاربها.. ولكن على مدى أكثر من خمسين عاماً لم يحدث شيء من ذلك؛ لأنها أم كلثوم.. الصوت الاستثناء.
كان مشهد الجنازة -التى صُنفت بأنها من أكبر ثمانى جنازات فى التاريخ الإنسانى (بمشاركة نحو 4 ملايين مشيع)- مشهداً مثيراً؛ فمصر كلها كانت فى الشارع، الكل يبكى فقد غابت «الست» التى وضعها التاريخ فى مكانة لم يضع فيها أحداً غيرها هى «الفلاحة» التى حكمت العالم العربى بحنجرتها، وهى جزء من تاريخ الفن الحضارى العربي، وجزء من تاريخ الزعامات الشعبية أيضاً.
إنها المرأة اللغز، أو السر، أو «صوت السماء». لقد حاولت مئات الكتب وآلاف المقالات البحث عن سر هذه السيدة، وسر خلودها برغم تعاقب الأزمنة والحكام والثورات والمطربين والملحنين.. كانت جنازة أم كلثوم هى آخر الجنازات الشعبية الكبرى فى تاريخ مصر.
غنت أم كلثوم، وكتبت أيضاً للصحافة مقالات رأى بين الحين والآخر وحسب «مصطفى أمين»، فقد امتلكت أم كلثوم قدرات ذهنية وبلاغة وسرعة بديهة تؤهلها لتكون صحافية بارعة.. بل يشار إليها بالبنان. ولكن لأن مصر بها آلاف الصحافيين، وأم كلثوم واحدة، فقد تفرغت للغناء فقط، لتستمر فى قلوب عشاق صوتها.
أم كلثوم ليست أسطورة الغناء العربى التى لم يزاحمها أحد على مكانتها فحسب، بل هى أيضاً واحدة من أساطين «الكتابة» الصحفية.. وهذا وجه غير معروف لكثيرين؛ فقد مارست الصحافة بين الحين والآخر لدعم أصدقائها أصحاب المجلات، وتحديداً المصريين منهم، بعد أن كانت الصحافة المصرية -أو معظمها- يُدار من قِبل أجانب فى بدايات القرن العشرين.
كانت أم كلثوم غاضبة دائماً فى بدايات شهرتها الفنية؛ إذ كانت ترى أن الجرائد المصرية يتحكم فيها غير المصريين، وكانت تضطر للإعلان عن حفلاتها فى جرائد يدير إعلاناتها أجانب، لذا كانت تفرح إذا كُتب عنها فى مجلة أو جريدة يملكها مصرى «مغمور» أكثر من مدح «جريدة المقطم» لها.
ومن هذا المنطلق، شجعت أم كلثوم «محمد التابعي» على إصدار مجلة «آخر ساعة».. كانت تسأل عن المشروع بلهفة شديدة، وفى ليلة صدورها فى يوليو 1934، اتصلت تطلب العدد قبل طرحه للبيع بأربع وعشرين ساعة؛ فقد كانت مسافرة إلى باريس ولم ترد الانتظار حتى يصلها العدد الأول بالبريد.
ويحكى «مصطفى أمين» أن صاحبة «الأطلال» كان لها فى مؤسسة «أخبار اليوم» نصيب، فهى أحد مؤسسى الدار؛ حيث تبرعت للأخوين أمين بـ 18 ألف جنيه لتأسيس الدار والجريدة، وطلبت منهما أن يظل الأمر سراً، ولكن «أمين» باح بالسر بعد سنوات، مما أغضب أم كلثوم التى خشيت أن يطالبها أصدقاؤها الصحافيون بتمويل جرائدهم أيضاً.
فى هذا الملف، مجموعة من المقالات التى كتبتها أم كلثوم على مدى تاريخها الفني، والمذكرات والحوارات الصحفية التى أجرتها مع آخرين أرشيف يكشف عن جوانب مجهولة من حياة «الست».
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







