علي مائدة التاريخ ..«نوال السعداوى» ضيفة «حنين الصايغ» على مائدة الزمن

حنين الصايغ اثناء حوارها مع سيد علي
حنين الصايغ اثناء حوارها مع سيد علي


ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه فى حينه وفى رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعى من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا فى أسئلتنا.

اقر أ أيضًا | على مائدة التاريخ .."ثروت الخرباوى" يحاور" ريتشارد قلب الأسد"


تستدعى الكاتبة اللبنانية حنين الصايغ اسمًا لا يزال حاضرًا بقوة فى الوعى العربى، د. نوال السعداوى، لا تستحضرها بوصفها رمزًا نسويًا أو شخصية جدلية فحسب، بل كصوتٍ شخصى شكّل وعيها وهى مراهقة، ورافقها كامرأة وكاتبة وأم، هنا يتحول الحوار إلى مساحة اعتراف وامتنان ومساءلة أيضًا؛ حوار بين جيلين يفصل بينهما الزمن، لكن تجمعهما الأسئلة ذاتها حول الحرية، والكرامة، وثمن الكلمة، إنه لقاء تخيلى، نعم، لكنه يكشف واقعًا حيًا تعيشه نساء كثيرات اليوم، البداية كانت بسؤال لـ«حنين»:

إذا عدت إلى التاريخ، مَن تختارين أن تجلسى معه على مائدة واحدة؟

- هذا السؤال يغرى باستدعاء أسماء كبيرة من عالم الفلسفة مثل: «سبينوزا» و«نيتشه»، وعالم الأدب مثل: «ليو تولستوى» و«فرجينيا وولف»، والتحليل النفسى مثل: «كارل يونغ»، و «فيكتور فرانكل»، لكنى بدلاً من اختيار شخصية كان لها أثر كبير على كل العالم، سأختار شخصية عظيمة كان لها الأثر الأكبر على عالمى الخاص، سأختار الدكتورة والأديبة نوال السعداوي.

ما أهم سؤال تريدين أن تسأليها إياه؟ ومتى دخلت وعيكِ لأول مرة؟

- إذا استطعت أن أتحدث معها اليوم كنت سأسألها أولاً: هل كنتِ تعلمين، وأنتِ تكتبين مسودة أول كتاب لك أن كتبكِ وأفكاركِ ستصل إلى مراهقة فى قرية صغيرة فى جبل لبنان وتقلب حياتها رأساً على عقب؟ هل كان مصدر هدوئكِ وثقتكِ هو معرفتكِ أنك غرست الكثير من البذور وكنتِ على يقين أنها ستنبت؟

ما أهم ما ستخبرينها به؟

- سأخبرها أن عبارة قالتها فى إحدى مقابلاتها كانت بمثابة قبس فى العتمة غيَّر فكرتى عن الإرادة الحرة، حين سألها المحاور على قبر مَن تضعين باقة ورد؟، اختارت أن تضعها على قبر أمها، «أمى أنقذتنى من العبودية»، قالت للمحاور، وهبتنى هذه الجملة القصيرة لحظة إدراك نادرة بأنه ليس على المرأة أن تكون صاحبة نفوذ وأموال وعلم كى تكون منقذة، بل عليها فقط أن تحرّض بناتها على التفكير، وألا ترضخ ولا تساوم على كرامتها، لأنه بانصياعها تكون قد أورثت العبودية لبناتها دون أن تدرك ذلك.

ماذا ستسألينها عن عالمنا اليوم؟

- كنت سأخبر د. نوال، بغصة فى الحلق عن حالنا نحن النساء العربيات اليوم بعد خمس سنوات من وفاتها، كنت سأشكو لها أن الكثير من الكاتبات يتنصلن من كونهن نسويات، ويكتبن روايات على لسان رجال كى لا يُتّهمن بالدفاع عن المرأة، أتخيلها تبتسم وتهز رأسها، لأنها تعرف أن الانصياع لرغبات الآخرين، وآليات السلطة الجلية والخفية، والتنكر للذات، هى حيل بعض النساء للتطبيع مع الظلم، ولتجنب الاصطدام مع الموروثات والقوانين الجائرة.

هل تتوقعين ردها على ما تقولين؟

- كانت ستقول: إن هذا الانصياع كثيرًا ما يكلف المرأة أثمانًا أغلى بكثير من ثمن الكفاح فى سبيل حريتها.

ما الذى تودين أن تعرفينه عن ضعفها؟ عن خوفها؟ عن لحظة شكها؟

- كنت سأسألها بكثير من الخجل إذا ما كانت تعلم، حين اختارت أن تقول كلمة حق، أن من سينقلب عليها ليس فقط المحافظون والمتطرفون بل أيضًا فئة من المثقفين والمثقفات، وأنهم سيتهمونها بالتطرف الفكرى وحتى بالجنون، فقط لأنها فهمت أن دورها كمثقفة هو الوقوف فى وجه كل السلطات التى تحول بين الإنسان وحريته، فى حين يمتهن هؤلاء الثقافة المطبِّعة مع السلطوية الدينية والسياسية، كنت سأخبرها أن المثقف العربى يفتخر بها فى المؤتمرات الثقافية فى الغرب، لكنه يخفض صوته حين يتحدث عنها فى الشرق، وأن هذا يثبت أنها كانت على حق! .

ماذا تمثل لكِ الآن؟

- إننى أدين لها بالكثير، كامرأة وككاتبة وكأم، وإن البذور التى نثرتها فى الأرض بدأت تنبت أشجارًا كثيرة الثمار.

ماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟

ابنتى؛ ذات الرابعة عشر عامًا، والتى لا تعرفها، لكنها استفادت من أفكارها فى طريقة تربيتى لها.