على مائدة التاريخ ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه. وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا.
بين صليل السيوف وضجيج الرايات، تضيع الحقيقة في رمال الزمن في هذا الحوار الاستثنائي، يكسر المفكر ثروت الخرباوي، حاجز القرون ليستنطق "ريتشارد قلب الأسد"؛ لا كملكٍ منتصر، بل كإنسانٍ مثقلٍ بالشك والأسئلة، ليبوح له بما لم تسطره كتب التاريخ عن معنى الحرب، وقدسية الوهم، ومرارة الخديعة.
اقرأ أيضًا | ريتشارد قلب الأسد.. مات بسهم من فتى صغير انتقاما لمقتل أبيه
في البداية، أسأل "الخرباوى":
إذا عدت إلى التاريخ، من تختار لتجلس معه على مائدة واحدة؟
يستغرقُ في صمتٍ قصير، ثم يهمسُ وكأنه استلَّ اسم "ريتشارد قلب الأسد" من ذاكرة التاريخ؛ يمضي في حديثه مغتربًا عن اللحظة، كأنما عبرَ فجوةً زمنية نأت بهِ عني وأنا أحاوره، لينسابَ كلامه شلالًا لا ينقطع:
حين جلس "ريتشارد قلب الأسد" قبالتى؛ لم يأتِ مرتدياً درعاً لامعاً، بل جاء مثقلاً برائحة الدم، وبعينين تعرفان الحرب أكثر مما تعرفان الأرض التي قاتل فوقها جلس قبالتي قائداً عسكرياً لا شك في شجاعته، لكنه لا يبدو واثقاً تماماً من معنى ما خاضه كان فارساً صلباً، غير أن الفروسية وحدها لا تُبرر الخطايا.
قلت له إن اسمك اقترن بالشجاعة، لكن حروبك اقترنت بالصليب أكثر مما اقترنت بالعدل سألته: هل حاربت من أجل الإيمان أم من أجل المجد؟
أجاب ممتعضاً: نعم يا فتى، فأنا ملك، والملك بلا مجد جثة تسكن قصراً. لكنني كنت أبحث عن مجد يُكتب في السماء، ثم ينزل على القصور، قبل أن يسطره شعراء أوروبا.
سألته: أنت لا تنكر أن الدين كان الراية التي رفعتها في الحرب؟
أجاب وهو يرفع بصره إلى السماء: يقولون إن الرايات كثيراً ما تُرفع لتمنح السيف شرعية لا يمنحها الضمير، لكن القدس عندي لم تكن أرضاً أمتلكها، بل امتحاناً أقف به أمام الرب.
أدهشني حديثه عن القدس كأنها أرض الله التي قُتل من أجلها عباد الله، فسألته: هل ساورك الشك في "قدسية" هدفك وأنت ترى آلاف الجنود يموتون عطشاً وبأوبئة، لا بسيف صلاح الدين؟
قال بأسى: للأسف يا بني، شككت في صواب الحملة حين رأيت جنودي يأكلون خيولهم من الجوع سألت نفسي: هل يرضى المسيح عن هذا البؤس؟ لكنني كنت أطرد الشك بالصلاة… وبالقسوة.
وحين أخذ يتحدث طويلاً عن صلاح الدين الأيوبي، تعجبت؛ إذ ذكر خصمه أكثر مما ذكر نفسه تحدث عنه باحترام، لا كعدو، بل كمرآة أخلاقية أربكته وزعزعت بعض يقينياته عندها أدركت أن "ريتشارد" كان يعلم في قرارة نفسه أن الحرب ليست امتحان قوة فحسب، بل امتحان معنى، وأن الفارس قد ينتصر في معركة ويخسر الفكرة التي ادّعى الدفاع عنها.
سألته أين أخطأ؟
قال: أخطأت حين تحوّل الإيمان الذي اعتقدته إلى شعار تعبوي، وحين صارت الأرض المقدسة ذريعة لتقديس القتل.
لم يكن يبرئ نفسه، لكنه كان يحاول أن يضع خطأه في سياقه التاريخي سألته عن خوفه، عن لحظة شكه: هل تساءلت يوماً إن كان الله خارج هذه الحرب؟
صمت طويلاً، وفي الصمت فهمت أن الشك كان حاضراً، لكنه مخبوء تحت ضجيج الطبول وخطابات الحشد.
قلت له: هل تستطيع الآن، بشجاعة، أن تعترف بخطئك أمام البشرية؟
قال متردداً: أخطأت حين ظننت أن إخلاصي للصليب سيجعل ملوك أوروبا مخلصين لي، فتركت ظهري مكشوفاً لأخي وجيراني، فطعنوني في ممتلكاتي وأنا أحمي مقدساتهم؛ كان قلبي في فلسطين، وكان عقلهم في نهب إنجلترا.
سألته عن عالمنا اليوم، حيث تُستعاد الحروب الدينية بأشكال جديدة؟
قال: لم تتعلموا كثيراً السيوف تغيّرت أشكالها، لكن الدين ما زال يُستخدم كوقود لا كضمير، وكراية لا كأخلاق.
وحين قلت له إنني لو امتلكت حق النصيحة لنصحتك أن تتوقف عن الحرب، هز رأسه وقال بهدوء: ربما كنت محقاً، السيوف تبني القبور لا الأوطان سأحمل منك فكرة واحدة: أن المَلِك الحقيقي هو من يسكن قلوب رعيته في السلم، لا من يتركها ليحارب أشباحاً في الرمال.
غادر ريتشارد المائدة، وبقي معي بعد اللقاء معنى واحد لا يقبل التأويل: ليست كل حرب مقدسة، حتى لو رُفعت فيها راية السماء.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







