ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه، وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا.
في لحظة هدوء، حين يخفّ ضجيج الحاضر، تخيّلنا أن نمد مائدة لحوار التاريخ، وأن نستدعي من الماضي من لا تزال ظلاله تحكم أسئلتنا،
ماذا لو جلس عالم آثار مصري أمام أعظم قادة الإمبراطورية المصرية؟ في هذا الحوار المتخيَّل، يلتقي عالم المصريات د. ممدوح الدماطي،
وزير الآثار الأسبق، مع "تحتمس الثالث" أعظم محارب في الدولة الحديثة، يلتقى العلم بالتاريخ، وتُستدعى روح تحتمس الثالث لا ليروي أمجاده فقط، بل ليحاكم الحاضر بميزان "ماعت".
◄حوار يكشف كيف يفكر الملوك حين يصبح العدل أعظم من النصر؟
لو خُيّرتَ أن تجلس مع حاكم من مصر القديمة، من تختار؟
◄ يرد بلا تردد، ويقول:
أختار تحتمس الثالث، لا بوصفه أعظم محارب في الدولة الحديثة، بل بوصفه تجربة مكتملة في الحكم، صاغتها الشراكة، والصبر، والزمن.
◄ لماذا تحتمس الثالث؟
لأنه لم يولد ملكًا جاهزًا. جلس طويلًا في ظل "حتشبسوت"، يتعلّم بدل أن يثور، ويُختبر دون أن يستعجل. هو نموذج الحاكم الذي لم يصنعه النصر وحده، بل صنعته الدولة قبل الإمبراطورية.
◄ ما السؤال الذي يؤرقك حول قراره الأكبر؟
أسأله عمّا دفعه إلى حملاته العسكرية المتتابعة: أكان المجد؟ أم الغنيمة؟ واتخيله يجيب بهدوء حاسم: لم أخرج للحرب حبًّا في الدم، بل دفاعًا عن ماعت (الحق – العدل – النظام الكوني).
حين يختل الميزان، ينهض الملك ليعيد النظام، فتمرد الأطراف هو دعوة للفوضى في قلب مصر. وأعود فأسأله عن تسجيل انتصاراته على جدران المعابد: أكانت رسائل للآلهة أم للأجيال؟ فيقول: لهؤلاء وهؤلاء. الآلهة لتشهد أني أديت واجبي، والقادمون ليعلموا أن الملك لا يُقاس بطول عمره، بل بما يتركه من أثر؛ فالحجر يبقى حين يفنى الجسد.
◄ اقرأ أيضًا | أصل الحكاية| "تمثال تحتمس الثالث" رمز القوة والعبقرية العسكرية
◄ إلى أين تود أن تنتقل بالحوار مع تحتمس الثالث؟
أنتقل إلى سنوات حكمه مع "حتشبسوت"، وأسأله إن كان التاريخ قد أنصف تلك المرحلة. فأجده يبتسم ويجيب: التاريخ لا يُكتب بالعاطفة. كنت أتعلم وأستعد. الملك الحقيقي لا يستعجل العرش.
◄ وبماذا ستواجهه؟
أواجهه باتهامات العصر الحديث حول مقتل "حتشبسوت" أو الانتقام منها بعد موتها. أعتقد أنه سيندهش ويقول: وهل يُقتل من حكمت بجانبي أكثر من عشرين عامًا، وأبقتني شريكًا في الملك والطقس والاسم؟ لقد كانت شراكة لا صراعًا.
أما محو اسمها، فلم يكن حقدًا، بل سياسة دولة متأخرة، حين كان ابني يستعد للعرش؛ فالخطر لم يكن "حتشبسوت"، بل سابقة امرأة جلست على عرش حورس. ثم أسأله بوضوح: أليست هي من علّمته فنون الحكم وقادته إلى ميادين القتال ليُختبر؟ فيعترف: نعم. في ظلها تعلمت أن الحكم ليس بالسيف وحده، بل بالصبر وفهم الرجال.
كانت تلك السنوات مدرسة، لا ضعفًا، وورثتُ عنها دولة مستقرة، وحين جاء دوري كنت مستعدًا.
◄ إلى أين تحب أن تنتقل معه في الأسئلة؟
أنتقل إلى سؤال الوزارة، مستحضرًا نص تنصيب الوزير "رخميرع". فيقول: الوزارة ليست مقامًا للزهو، بل موضع اختبار. هي عماد الأرض كلها، تكليف لا لذّة فيه، بل مشقّة ومسؤولية. الوزير ميزان الدولة، فإن فسد انهار المُلك ولو بقي الفرعون.
◄ وبماذا ستسأله عن عالمنا اليوم؟
أسأله عن عصرنا: ماذا لو حكم مصر اليوم؟ وأجده يتأمل طويلًا ويقول: لما بدأتُ بالجيش، فالعالم اليوم يُدار بالمعرفة. حدود "ماعت" الآن هي التعليم والاقتصاد وكرامة الإنسان. الجيش درع الدولة لا عصاها، والعلم حملتي الكبرى. "ماعت" لم تمت، أنتم فقط نسيتم اسمها. الاستقرار بلا عدل هدنة لا سلام. ولو خُيّرت بين نصرٍ سريع بلا ميزان أو إصلاحٍ بطيء، لاخترت الثاني؛ فالنصر يُذكر في النقوش، أما العدل فيعيش في الناس.
وأسأله أخيرًا: وهل كنت ستنجح؟ فيجيب: لا أدري، لكني أعلم أن مصر لا تحتاج معجزة؛ بل ميزانًا.
يسود الصمت، ويختفي الملك بين الظلال، وتبقى كلماته معلّقة بين الأعمدة.
«سفن دوجز» فى الصدارة و«أسد» يتراجع
أحمد داود:«إذما» فيلم فلسفى يتماشى مع وعى الجمهور
بين الصورة النمطية وتحوّلات الواقع






