يحيى خليفة
أعترض على وجبة الغداء وأقول لأمى:
أنا أكره أكل السمك.
لا أرى فيه إلا أشواكًا سوف تنغرز فى حلقى،
فهو يذكرنى بالغرق،
وأخشى أن ينتقم منى ويأكل جثتى إذا مُتُّ غرقًا،
أو عندما يأتى الطوفان.
يذكرنى أيضًا بخداع شياطين الصيادين؛
بغواية الطُّعم وحصار الشِّباك،
وبالعجز عن مواجهة الحياة فى ظروف أخرى؛
عجز آدم عند الخروج من الجنة.
أو فى رواية أخرى
بالاستناد إلى نظرية التطور،
أتخيل: هل كان الإنسان الأول سمكة،
وكانت الجنة بحرًا؟!
أو هل أكون أنا روح سمكة ماتت
واقتبست روحها بتناسخ الأرواح؟!
هذا احتمال وارد جدًا،
يفسر لى سر انتمائى للبحر،
والجلوس على الشاطئ،
والتفكير كثيرًا بالانتحار قفزًا فيه،
باستسلام العائد إلى وطنه بعد غربة.
يرعبنى أن آكل هذه السمكة التى على المائدة؛
أحنّ إلى أصلى فتشعر هى،
وتجمع فتاتها داخل معدتى وتتكاثر،
فتجعلنى حوض أسماك متحركًا.
أو ربما يحدث لى طفرة جينية مفاجئة،
فأكون أول عريس بحر،
نصف إنسان ونصف سمكة،
وأعيش بين البشر متخفيًا،
غواصًا فى الريح،
لأنتقم من كل الصيادين،
بما فيهم أبى وحبيبتى!
أبى الذى دفع بحيوانه المنوى كطُّعم فى رحم أمى،
وجاء بى وبالسمك إلى هنا،
لينتشى هو بالجنس وبالصيد،
ولا تعنيه رغبتى ولا رغبة السمك.
وإذا لم آكل السمك معهم حتى يشبعوا،
يهددوننى بأن يأكلونى،
حتى يُشبعوا رغبتهم فى الأبوة والأمومة.
أما حبيبتى، فهى التى تركتنى مفرغ القلب،
بعدما صادتنى بعيونها.
ربما من شدة الحزن والقهر،
سأجعل البحر يثور وينفجر فتغرق الأرض،
وتتسع فيها الرؤية للسباحة نحو السماء.
والمفارقة الآن أننى تذكرت
أن من المفترض أن أكون نسيت كل هذا،
لأن ذاكرتى الجديدة قصيرة جدًا،
لكنى ربما نسيت هذه المعلومة لأنها غير دقيقة.
لماذا يا أمى لم تتركينى أطبخ عبوة (الإندومى)،
لأتخلص من سرطان هذه الأفكار؟!
فأنا لا أعرف عنه غير أنه لذيذ وسريع التحضير.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







