هل رأيتها؟!

أخبار الأدب
أخبار الأدب


معاذ يحيى مكى 

خلف المقوَد أجلس، وعلى يمينى يجلس والدى مسترخيًا، مبتسمًا، عيناه تمتلئان، تنظران للأمام بحسرة، وبدموع مخلصة لتقاليد الرجال كنت أراقبه وأنا أحاول استكناه الشىء الذى أثر فيه إلى هذا الحد لم يكن أمامه سوى مبنى الفندق الذى ستخرج منه أمى وشقيقتى بعد قليل، فضلا عن عدد من الأشخاص يدخلون ويخرجون ألقيت نظرة هنا وهناك لأتحقق، لا يوجد أى مشهد يستحق التوقف أمامه، أعاود النظر إليه سريعًا فيتبين لى أنه ما زال على الحالة نفسها، رغبت فى سؤاله، ورغبت أيضا فى عدم إظهار أى انشغال به إلّا أن سلوك شقيقتى المختلّ منذ بداية اليوم بسبب ارتدائها الحجاب الشرعى كارهة؛ كان كافيا لإعادته إلى نفسه قليلًا، لا سيما حين فتحت الباب الخلفى بقوة وصعدت إلى السيارة كما تصعد النساء المضطهدات فى العادة. 

لكنّ عينيه اللتين كانتا قد استوفتا حاجتهما الماسّة لمجاراة الجفاف، استقرّتا على سواد قاتم راح يزرقّ فجأة مع انعكاس الشمس عليه، وهو يشاهد بصمت عباءة والدتى أثناء قدومها تلتفّ من الأسفل للأعلى حول ساقيها بفعل الهواء الشديد، لتستعيد بذلك نفسه طبيعتها الثائرة التى ظلّت تعيش فى سبيل حماية أهل بيته من الكلمات المتجاوزة والنظرات الخاطفة. 

كانت أمى تتجه إلينا مجهدة، مصابة بالفتور، وبزوج وابنٍ كسولين، لم يفكر أحدنا للحظة أن يترجل ليخفف عنها الحمل الثقيل، والذى لا يقتصر على حقيبة واحدة، فمنذ الشهر الأول من حملها وهى لا تكف عن الدعاء، قيامًا وقعودًا وعلى جنبها، أن تضعه ذكرًا تلبية لإمكانات والدى الحالية لم يعودا شابين قويين، كما أنهما ليسا مؤهلين لتربية ابنتهما إذا ما ولدتها أنثى، أما لو كان ذكرًا فأنا هنا، وهما أيضًا لن يبخلا بما يستطيعان هكذا ألقى كلمته علينا عند تلقينا الخبر السعيد على طاولة الطعام. 

نزل أخيرًا بعد غضب وتردد طويل لمساعدة زوجته وحمل الحقيبة عنها أسرعت خلفه لأتحين فرصة تشبع فضولى رفعت الحقيبة بجهد متكلف بعض الشىء وسألته بنبرة عابرة لا تنم عن اهتمامى بمعرفة سر ذلك الغياب وتلك الدموع.

إنها حيلتى فى كل مرة تغلبنى الرغبة فى معرفة حقيقة ما. فمن قبيل الحكمة إذا ما أردت استيضاح حقيقة أى أمر عاطفى يخصّ أبى وكل الرجال الذين يشبهونه، ما عليك سوى أن تظهر لهم عدم اهتمامك بمعرفة تلك الحقيقة.

وهكذا يغردون كالبلابل فى الليل. تمامًا كما حدث منذ قليل، عندما سألته: «رأيتك متأثرًا أثناء الانتظار، ما الأمر؟!» أجاب بابتهاج وابتسامة صادقة، بعدما مددته بطاقات هائلة من الأمان، شعرت بها فى تتابع نسماته المتناغمة وهو يهمس لى ويتلفّت يمينًا وشمالًا: تلك الأثناء، كانت قد دخلت إلى الفندق امرأة شقراء فاتنة جدًا، كأنها الشمس عند مطلعها… هل رأيتها؟!