أودُ كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع

اللوحات للفنان: صلاح طاهر
اللوحات للفنان: صلاح طاهر


ريهام عزيز الدين

سينعتنوننى بالوحدة، أو ربما التمزق، أو ربما سيضعوننى على طاولة باردة يقطعون أوصالى كى يتتبعوا خيط الدماء الذى نزف من قلبى منذ ذلك اليوم، يُحاولون بكل صدق أن يؤرخوا الصدمة، سيبقون مع الجسد، بينما أغادر فى مكانٍ آخر أراقبهم من نافذة غرفتى بالطابق التاسع التى تأتى لزيارتى بها صباحًا حمامتان بقدم إحداهما دبلة أحدهم كقيد، والآخرى لها طوق بلون ما بين التركواز والأخضر لم أره من قبل فى كل تلك الأنهار الممتدة من الأقمشة الملونة.

أود كثيرًا أن أكتب عن القطط، 

سأضع سطرًا هنا وسطرًا آخر، وإن لم يلتفت لى أحدهم منبهًا أن «قطط الشارع» ليست «قضية» نضالية بالقدر الكافى سأهز رأسى هزًا، سأؤجل مناقشة كل ما يتعلق بالنضال والناشطية فى وقتٍ لاحق، أراوغ المعرفة أن النساء يُذبحن فى الشارع أمام الجامعة وأنى أصحو كل يوم فزعة، من ستكون التالية، التالية فى صفوف الذبح والتالية فى حمل إثم النجاة. 

سأدفن كل قضايا النضال والثورة- التى خسرناها واحدة تلو الأخرى- فى غرفة سرية بمؤخرة رأسى لا مفتاح لها.
 
غرفةٌ تُشبه مقبرة تفتح مرة واحدة وتغلق للأبد. 

ثم أعود إلى سريرى أختبئ أسفل البطاطين، سأتأكد أن الظلام دامس، وأن البرودة لن تجد طريقها لقدمى، وأن العالم يتداعى بالخارج فى كل فسيفسائه.

وأنى سأبقى لامرئية آمنة، وأن لدىّ ثلاث قطط، تنظر لى كل صباح وتعيدنى للحياة، 

أو بعض منى أو بعض منها.


أود كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع ليس مجازًا لفعلٍ أكبر، 


بل ميلًا نحو كل تلك الأشياء العادية اللامرئية، 

كل تلك الأعين التى يمكن أن تمنحنى بعض اليقين بينما أفقده واحدًا تلو الآخر منذ أن دلفت إلى عالم بلا أرضٍ صلبة أقف عليها. 

أود كثيرًا أن أكتب عن القطط، ليس انتصارًا لمذبحة يومية لقطط وكلاب الشارع وتأفف من تعلو منهم رائحة الديتول من الوسخ الذى يغطى أعينهم وحواسهم وأرواحهم المهترئة، 

أود كثيرًا أن أكتب عن القطط ليس مجازًا لفعل أكبر، بل التصاقًا بفعلٍ وحيد أستطيع أن أراه، 

ألمسه، 

أحبه، 

أبقى بداخله لبعض الوقت قبل أن تفصح الريح عن أنيابها،

وتلتهم كل شىء.

أود كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع، لن أحكى حكاياتٍ للأطفال، 

لا أطفال لدىَّ بعد، غير أنى أتكشف أمومة رائقة تتدفق منى كلما رأيتُ ثلاث قطط تسير ورائى، 

تمنحنى فخر القيادة لبعض الوقت، تثق أنى أرشدها نحو النبع

شىءٌ يولد بداخلى، 

أعين هشة، 

وأصابع صغيرة منحتنى القدرة على البقاء بعد أن فشلت كل يدٍ كبيرة أخرى سوى فى دفعى بكل قوتها بعيدًا.. بعيدًا عن الحياة أو الرغبة فى المحاولة ذاتها.

أود كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع، 

دون أن أتورط فى صراع ما، سنبتدعه على مربعاتٍ هشة افتراضية لنبدو كمن يعيد مضع الكلام النضالى مرة تلو الأخرى، 

سنتراشق عن مؤامرة يحيكها أحدهم لتصدير القط المصرى الأصيل الأصلى إلى بلد آخر ليشعر هناك بالانتماء والرعاية قبل أن يضع أحدهم السم فى طعامه على قارعة الرصيف.

سنحيك بكل دقة خيوط المؤامرة، وسنتأكد أننا تركنا دماء الكلام تشى بخيباتنا فى فعل اشتباكٍ واحد خارج ذواتنا. 

أود كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع، 

دون أن أتورط فى فعل العراك الصبيانى المقيت والرغبة فى الانتماء لأحدهم، سيبادرنى السهم قائلًا:

 كنتُ قطة فى زمن ما، 

أو ربما ساحرة تخرج من كتاب الأساطير لتخبر العالم أين يجد عينه التى فقدها، تسير خلفها قطة سوداء بعينين إحداهما زرقاء والأخرى خضراء، 


ربما كنت كذلك!

الساحرة أو القطة أو يد المكنسة أو القِدر الذى تغلى بداخله كل شىء.

أود كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع دون الحاجة للانتماء أو تأكيد الانتماء لبشر أو حجر أو قَدَر.

أود كثيرًا أن أكتب عن قطط الشارع، وأن أفرد بندًا فى المقترح لتغذية القطط طعامًا طازجًا يليق بفعل الحياة وليس تصنعها.

يخبروننا فى منحة الفن أنه يجب أن نكتب ميزانية دقيقة عن «ثمن المنتج الفنى»، وهم بالتأكيد على حق، فمن سينفح فنانة بضع جنيهات لتبتاع طعامًا رخيصُا للقطط التى تأويها. 

لا أعلم على وجه الدقة أين سأضع بند ابتياع طعام للقطط فى ميزانية المشروع..

مشروع؟!


الفن مشروع، 

الكتابة مشروع، 

الثورة مشروع، 

النضال مشروع، 

المظاهرة التى دُهست فيها أحلامنا ووجوه نعرفها


كانت أيضًا مشروع لمناهضة المشروع.

يخبروننا أن الفنان «مشروع» وعليه أن يكتب ميزانية مُحكمة للـ»مشروع».


انتهت القصيدة.


تكتبها فنانة جادة، تكتب مقترحًا لمشروع تقصقص الخيال من رموش عينيه، 


تكتب ميزانية «مشروع» يغمرها الحياء أن تكتب بند المال كى تطعم ثلاث قطط من الشارع،

 تنظر إليها،


كأنها أنجبتها للتو.