الشرقية: إسلام عبدالخالق
في واحد من البراهين التي تؤكد أن النيابة العامة هي المحامي الأول عن الشعب في دولة القانون، وأن هناك رجالًا يسلكون مسلك الحق حتى تتحقق العدالة ويكون القصاص حياةً لأولي الألباب؛ أسدلت محكمة جنايات الزقازيق الاستئنافية في محافظة الشرقية الستار على قضية من أكثر القضايا التي شغلت الجميع وتخطت حدودها وصف الدماء التي سُفكت داخل محراب العلم هناك في المعهد التكنولوجي وسط مدينة العاشر من رمضان، وتخطت دلالاتها وصف الموت ثمنًا للشهامة، ذاك الذي دفعه شاب لم يكُن يستحق بأي حالٍ من الأحوال أن يوضع في مرمى الشجار من الأساس، لكنها يد الخروج عن القانون التي تسللت لتنزع الرحمة والإنسانية من أحد زملائه ليتربص به ويقتله بعد دقائق من نهاية الامتحان.
لم تكن تلك الجلسة مجرد محطة إجرائية في مسار التقاضي، بل كانت فاصلة بين شعورٍ ناقص بالإنصاف وكلمةٍ أخيرة أعادت ترتيب المعنى في قلوب أنهكها الفقد؛ ففي قاعة محكمة جنايات الزقازيق الاستئنافية، أُسدل الستار على فصلٍ طويل من فصول القضية رقم 367 جنايات قسم شرطة أول العاشر من رمضان لسنة 2025، بحكمٍ حمل في طياته تغليظًا للعقوبة إلى السجن المؤبد بحق المتهمين بقتل زميلهما داخل المعهد التكنولوجي بمدينة العاشر من رمضان.
الحكم صدر برئاسة المستشار محمد عبدالكريم، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين خالد علي، وحاتم السيد الزناتي، وأحمد عبدالسميع شرف الدين، وسكرتارية محمد إبراهيم، بعدما أعادت المحكمة بسط رقابتها على حكم أول درجة الذي كان قد عاقب المتهمين بالسجن المُشدد لمدة عشر سنوات.
لم تقبل النيابة العامة بذلك الحكم، ورأت أن جسامة الجريمة وما انطوت عليه من سبق إصرار وترصد وإعداد سلاح، فضلًا عن وقوعها داخل مؤسسة تعليمية وحرم جامعي، جميعها أمور تستوجب عقوبة أشد تتناسب مع خطورة الفعل، فتقدمت باستئناف مطالبةً بتغليظ العقوبة، وفي المقابل، تقدم المتهمان أيضًا باستئناف طمعًا في تخفيف الحكم، سعيًا إلى الإفلات من سنوات رأياها قاسية.
بين الاستئنافين، كانت أوراق الدعوى تتحدث بوضوح؛ أمر الإحالة بين أن المتهمين، وهما طالبان بالمعهد، قد عقدا العزم وبيتا النية على قتل المجني عليه «خالد عطية عبدالعزيز» إثر خلافات سابقة بينهم، وأعدا لذلك سلاحًا أبيض (مطواة قرن غزال) وأداة أخرى، وقصدا إليه عقب انتهائهما من أداء الامتحان داخل مقر دراستهما، وما أن ظفرا به حتى أغمد المتهم الأول نصل سلاحه في صدره، بينما اعتدى الآخر عليه بالأداة في رقبته، قاصدين إزهاق روحه، فأحدثا به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية، والتي أودت بحياته.
الجريمة لم تكن وليدة لحظة عابرة؛ فتفاصيلها تعود إلى أيام سبقت الواقعة، حين نشب خلاف بين المجني عليه وأحد المتهمين داخل الحرم الجامعي، وبحسب ما شهد به زملاء الطرفين، فإن المجني عليه كان قد تصدى لمحاولة تحرش بإحدى الطالبات، وعاتب زميله -المتهم- على سلوكه، لتتراكم الضغينة في صدر الأخير حتى انفجرت على نحو دموي عقب أحد الامتحانات.
في يوم الحادث، انتهى الامتحان ونزل الطلاب إلى ساحة المعهد، قبل أن يتفاجأ المجني عليه بانتظار المتهمين له، وخلال لحظات صبغ لون الدم الجدران وزاد المشهد قتامة؛ سلاح أبيض أُخرج من طيات الملابس، وطعنات استقرت في جسد شاب أعزل داخل محراب العلم، وبين هذا وذاك أعين من لم يتخيلوا أن يتحول المكان إلى مسرح جريمة، ليسقط «خالد» مضرجًا في دمائه، وحُمل إلى المستشفى في محاولة لإنقاذه، لكن الطعنات كانت أعمق من أن تُغلق بسهولة، وأُجريت له جراحة عاجلة، ونُقل إلى العناية المركزة، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بإصاباته.
وقتها ضبط المتهمان وسلاحي الجريمة، قبل أن توجه لهما النيابة العامة تهمة القتل العمد وتُحيلهما إلى المحاكمة الجنائية في محكمة جنايات الزقازيق، التي نظرت القضية في جلساتٍ متتابعة حتى أصدرت حكمها -أول درجة- يوم الحادي عشر من شهر نوفمبر الماضي.
عند صدور حكم أول درجة بمعاقبة المتهمين بالسجن المُشدد لمدة عشر سنوات، خيّم الصمت على بيت الأسرة.. الأب، الذي اعتاد أن يخرج مع أول ضوء شمس ليكد ويتعب، جلس يومها مطأطئ الرأس، لم يعترض على القضاء، لكنه لم يجد في الحكم ما يوازي عمرًا انقطع فجأة، وكان يستعيد في ذهنه مشهد ابنه وهو يغادر المنزل صباحًا لأداء امتحانه، ثم يعود إليه خبرًا لا جسدًا.
العم «عطية» رجل بسيط لم يعرف يومًا طريقًا سوى العمل الشريف، وجد نفسه فجأة أبًا لقتيل، لم يكن يحتمل فكرة أن يُقتل ابنه داخل مؤسسة تعليمية، في مكان يفترض أن يكون آمنًا، ولم يتوقف عن سؤال نفسه في صمت: كيف تسلل الغدر إلى محراب العلم؟ وكيف تحولت خلافات شباب إلى طعنات تنهي حياة؟.
الأم كانت أكثر انكسارًا؛ فمنذ الحكم الأول، عاشت ليالي بالغة الحزن، كانت تقول إن قلبها لم يهدأ، وإنها تشعر أن دم ابنها يستحق كلمة أخرى من القضاء، لم تكن تتطلع إلى انتقام، بل إلى إنصاف يطمئن روحًا غادرت على نحوٍ مُفجع.
استئناف النيابة والحكم
حين علمت «أم خالد» أن النيابة العامة استأنفت على الحكم مطالبةً بتغليظه، تمسكت بخيط أمل جديد، كانت تدعو أن يرى القضاة ما رأته هي من فداحة الألم، لكنها رُغم ذلك لم تحضر جلسة الاستئناف لعدم معرفتها بموعدها على وجه التحديد، فلم يكن ممثل الدفاع عن المجني عليه حاضرًا كذلك، وربما خشيت أن تصطدم بخيبة أمل أخرى، وربما لم تتوقع أن تحمل الجلسة مفاجأة.
في يوم النطق بالحكم، كانت في بيتها، تجاور صورة ابنها وسلحفاة كان قد أحضرها لها قبل مقتله ببضعة أشهر، اعتادت أن تلجأ إلى ركنها هذا منذ رحيل فلذة كبدها علها تُصبر فؤادها على فراقه وتجد السكينة في حاجيات تحمل ذكراه منذ صدمتها وقت الحكم -أول درجة-، ولم تكن تتابع الأخبار أو تنتظر اتصالًا بعينه، لكن «الطبطبة» جاءتها كأنما هي من فوق سبع سماوات حين علمت بالخبر والحكم الجديد بالسجن المؤبد.
لم تستوعب الأمر في البداية، أعادت السؤال مرات، وحين تأكدت انفجرت بالبكاء، لم يكن بكاء حزن خالص، ولا فرح كامل، بل مزيجًا من كل شيء ونقيضه؛ دموع سالت على ابن لن يعود، وزغاريد علت لأن القضاء قال كلمته الأخيرة بما يوازي الجُرم، وصوت خرج يحمل كل شيء وهي تحمد الله على قصاصه العادل دنيا وآخرة.
تجمعت نساء الجيران، واختلط العزاء بالتهنئة، ووزعت الأم الشربات ابتهاجًا بالحكم، وما أن ترى وجه أحد من الجيران أو ضيوف البيت كانت تقول وكأنها تزف طمأنينتها: «حق ابني رجع»، لم يكن رجوع الحق حياةً تُستعاد، بل اعتبارًا يُثبت أن الدم لم يُهدر.
الأب هو الآخر كانت حالته حالة؛ إذ تلقى الخبر في عمله حين هاتفته زوجته، وقتها توقف عن الحركة، جلس قليلًا كأنما الكلمات التي وصلته كأنها لا تزال تُعاد مراتٍ ومرات، وأغمض عينيه وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا قد انزاح عن صدره، وحين عاد إلى البيت كان المشهد يُقارب ما حدث مطلع يناير من العام الماضي حين فارق «خالد» الحياة، لكن المشهد زادت تفاصيله تفاصيلًا اختلط فيها البكاء بالفرح، وجلس «عطية» إلى جوار زوجته، وتبادلا نظرة طويلة حملت كل ما عجزت الكلمات عن قوله، قبل أن ينظ كلٍ منهما إلى صورة «خالد» المُعلقة على الجدار وكأنما يُخبرانته أن عدل الله حق في الدنيا والآخرة ، وأن كلمة «المؤبد» لم تكن مجرد عقوبة، بل اعترافًا رسميًا بفداحة ما جرى، وانتصارًا لحق شاب دفع حياته ثمنًا لشهامته ونُبل أخلاقه.
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







