في الوقت الذي تتفاخر فيه شركات الألعاب الإلكترونية بتحقيق أرباح خيالية، كانت هناك فاتورة باهظة تسدد خلف الأبواب المغلقة في المنازل الأوروبية، تتعلق بالمراهقين والأطفال، الذين تحولوا إلى مدمنين في سن السابعة، بل ويقدمون على الانتحار بمجرد خسارة ممتلكاتهم الرقمية فقط، مما دفع الحكومات للتحرك ضد ما وصفوه بالعقلية العدوانية التي تزرعها الألعاب الإلكترونية في نفوس الأجيال الصاعدة.
تبلغ قيمة صناعة ألعاب الفيديو 120 مليار دولار سنويًا، وكانت إجراءات الإغلاق التي اتبعتها الدول الأوروبية خلال كورونا سببًا في زيادة هائلة في استخدام ألعاب الفيديو عبر الإنترنت، وأدى بدوره إلى تفاقم السلوكيات الإدمانية المتعلقة بألعاب الفيديو، وكذلك بجميع أنواع الشاشات.
وتُعد منصة «روبلوكس» واحدة من أهم أماكن التجمع الإلكتروني للأطفال دون سن المراهقة، حيث تضم رسميًا أكثر من 150 مليون مستخدم نشط يوميًا، وبحسب صحيفة «لو باريزيان»، فإن واقع الأرقام على الأرض يشير إلى كارثة بالنسبة للأطفال، كون المنصة تسمح بالتسجيل بدءاً من سن الخامسة، على الرغم من أن تصنيف اللعبة يحددها لسن 12 فيما فوق.
ووفقًا للإحصاءات، فإن 21% من المستخدمين لم يبلغوا التاسعة بعد، بينما 40% منهم تحت سن الثالثة عشرة، حيث تسبب هذا التعرض المبكر في تحولات سلوكية مروعة، بعدما سجلت العيادات النفسية في فرنسا زيادة هائلة في استشارات «إدمان الشاشات» من 10% قبل سنوات إلى 90% حالياً.
هذا الإدمان يؤدي إلى نوبات غضب شديدة تصل إلى كسر الأبواب، والاعتداء بالضرب على الوالدين، والتهديد بالانتحار عند محاولة حرمانهم من الأجهزة، ولا تتوقف العواقب عند الصحة النفسية، بل تمتد لتشمل المستقبل الأكاديمي؛ حيث تبدأ الظاهرة بصعوبات في التركيز والحرمان المزمن من النوم، انتهاءً بحالات تسرب دراسي كامل في نهاية المرحلة الإعدادية.
أكد المعلمون في أقوالهم؛ أنهم لاحظوا توترًا غير مبرر لدى الطلاب، وبالنقاش معهم اكتشفوا تعرضهم لمحتوى جنسي داخل غرف ألعاب خاصة يتم إنشاؤها في روبلوكس بعيداً عن الرقابة، وأشاروا إلى أن الخطورة تكمن في أن الرسوم البسيطة للعبة تجعل الآباء يعتقدون خطأً أنها آمنة، بينما يختبئ بالغون ذو نوايا سيئة خلف تلك الشخصيات الكرتونية.
كشفت الإحصاءات في فرنسا، أن 80% من الأطفال يلعبون ألعابًا مخصصة لمن هم فوق 16و18 عامًا مثل GTA وCall of Duty، ومن خلالها يتعرضون لمشاهد إباحية، وعنف مفرط، وجرائم قتل وتعذيب، وتعاطي مخدرات، وسجلت السلطات أكثر من 500 بلاغ من أولياء أمور حول تعرض أطفالهم للتحرش والابتزاز داخل منصة روبلوكس وحدها.
وكر لمجرمى الأطفال
في الوقت ذاته جعلت تلك القاعدة الجماهيرية العريضة من الأطفال، المنصة ملاذًا للمجرمين، ووصفتها الحكومة الفرنسية بأنها «وكرا لمجرمي الأطفال» الذين يستهدفون القصر، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخرج بتصريحات، وصفها موقع بروت الفرنسي بأنها الأكثر صرامة في تاريخ تعامله مع ملف التكنولوجيا.
وفتح ماكرون جبهة مواجهة مباشرة مع شركات ألعاب الفيديو، ودافع عن فكرة حظر الشبكات الاجتماعية لمن هم دون سن الـ15، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالتحذير من «العقلية العدوانية» التي تزرعها الألعاب الإلكترونية في نفوس الأجيال الصاعدة، كما أطلق تحذيرًا مباشرًا للعائلات والأسر الفرنسية.
واعتبر الرئيس الفرنسي الألعاب العنيفة بأنها ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي «أدوات تهيئة» للعنف، تُثير لديهم الإثارة والإدمان، حيث يقضي الأطفال والمراهقون ساعات طويلة، من 5-6 ساعات يوميًا في قتل الناس، أحيانًا دون نوم، متقمصًا العقلية العدوانية، مما يؤدي لاضطرابات خطيرة.
وأكد ماكرون أنه بصدد تشكيل لجنة من الخبراء والعلماء المستقلين لتقديم تقرير نهائي في غضون شهرين، مشددا على أن «الحظر» قد يكون الخيار الأخير لحماية المراهقين، ووعد بأن الحكومة ستبدأ «الإجراء المُعجّل» لضمان اعتماد البرلمان السريع لمشروع قانون الحظر ودخوله حيز التنفيذ مع بداية الدورة البرلمانية القادمة.
الوجه الأكثر قتامة
من جانبها أطلقت السيدة الأولى في فرنسا، بريجيت ماكرون، ما وصف بأنه صرخة استغاثة أيدتها الجمعيات الطبية المتخصصة، ضد لعبة «فورتنايت»، إحدى الألعاب الشهيرة الخاصة بالقتل، والتي كانت بمثابة الوجه الأكثر قتامة للألعاب الإلكترونية في أوروبا، حيث تسببت في دفع الأطفال دون سن العاشرة إلى الانتحار لمجرد خسارتهم.
وتعرف لعبة فورتنايت بأنها لعبة مجانية، وبحسب تصنيف اللعبة فإنها مناسبة لمن هم في سن الثانية عشرة فما فوق، إلا أن معظم المشاركين فيها يبدأ من السابعة أو الثامنة تقريبًا، ومع محتوى غني وخيارات لعب متنوعة تم تطويرها منذ الحلقة الأولى لجذب اللاعبين، ولكن وراء المظهر الممتع للعبة وحش كامن.
تستدرج اللعبة الأطفال في البداية للعب المجاني، ثم تطلب منهم شراء أسلحة وأدوات بمبالغ مالية زهيدة تتطور قيمتها، وهو ما يجعل اللاعبون يحاولون بشتى الطرق تطوير أنفسهم داخل اللعبة، وبالنسبة لهؤلاء الأطفال، لم تعد الحياة تستحق العيش إذا فقدوا ممتلكاتهم الافتراضية أو هُزموا في المعركة الرقمية.
وأظهرت الدراسات النفسية أن اللعبة صُممت بأيدي علماء نفس عصبي لتعزيز آليات الإدمان، مما يدفع الأطفال للبقاء أمام الشاشات لفترات أطول للحصول على «تقدير اجتماعي» بين 150 مليون لاعب آخر، وأكدت السيدة الأولى أن المراهقة في الأساس مرحلة صعبة بطبيعتها، ومع هذه الأزمة المتعلقة بلعبة الفورتنايت الفظيعة، أصبحنا في فترة مليئة بالتحديات، مشددة على أنه يقع على عاتق الجميع في موقع المسئولية كبالغين، اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأطفال والشباب.
تهديدات أمنية
ولم يعد الأمر مقتصرًا على التهديدات النفسية والسلوكية للأطفال، بل امتد ليشمل تهديدات أمنية كبرى، حيث كشفت مجلة «لوبوان»، أن منصات الألعاب باتت مسرحًا لعمليات «نهب رقمي» منظمة، ويتم استهداف الأطفال لسرقة «عملاتهم الافتراضية» وابتزازهم عاطفيًا وماديًا.
وأمام السرقة التي كانت في البداية مجرد مزحة بين الأطفال، أصبحت تجارة غير مشروعة تدر الملايين، والتي تبدأ بسرقة حسابات لاعبين محترفين في فورتنايت تحتوي على Skins باستخدام تقنيات «التصيد»، ومن ثم بيعها في السوق السوداء مقابل مبالغ ضخمة، يتحصل عليها الجناة.
أيضا رصدت تقارير اليوروبول في بروكسل محاولات من عصابات دولية لاستخدام عملة «الروبوكس» في عمليات غسيل أموال صغيرة ومعقدة يصعب تتبعها، وهو ما يربط هذه الألعاب بملفات تمويل الجريمة المنظمة، كما رصد أجهزة الاستخبارات الفرنسية محاولات لتنظيمات متطرفة، من بينها خلايا مرتبطة بجماعات متطرفة، لاستغلال غرف الدردشة في ألعاب مثل «روبلوكس» لبث الأفكار الانفصالية وتجنيد المراهقين بعيدًا عن أعين الرقابة التقليدية.
أمام ذلك طالبت باريس رسميًا، بحسب صحيفة «لوفيجارو»، برفع الحصانة عن بيانات المستخدمين في حالات التهديد الإرهابي أو الجنائي داخل الألعاب، ويتضمن المقترح الفرنسي إلزام الشركات بوضع رادارات أمنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتكون مرتبطة مباشرة بغرف عمليات الشرطة «اليوروبول» لرصد لغة العنف والتهديد بالقتل أو التحرش في الوقت الفعلي.
ويضمن التشريع غرامات تصل إلى 10% من الإيرادات العالمية للشركات التي تفشل في الإبلاغ الفوري عن محاولات الاستدراج أو التحريض على العنف، وهو ما ستشهده عدة جلسات استماع مرتقبة يعقدها البرلمان الأوروبي، حيث سيواجه الرؤساء التنفيذيون لشركات الألعاب الكبرى أدلة دامغة حول قصور أنظمة الحماية.
اقرأ أيضا: بعد حجب روبلوكس في مصر.. كيف تدير الأسرة علاقة أطفالها بالألعاب الإلكترونية؟
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







