مقام الشيخ عبد البصير

اللوحات للفنانة: رباب نمر
اللوحات للفنانة: رباب نمر


حاتم السروى

مِئَة عام من الشاى والقهوة والتُنباك.. قرنٌ كامل جمع أُلُوفًا من البشر فى مكانٍ واحد.. كل قاصدٍ لوسط البلد يعرف هذ المكان الذى تفوح منه رائح البُن والتبغ ويرتاده المثقفون وغيرهم، ذلك المقهى الأنيق الذى توارثه أبناء عائلة جيلًا بعد جيل حتى باعه الوارث الجديد وذهب المقهى إلى حيث يذهب كل شىء. من العدم أتى وفى العدم تبخَّر. صار ذكرى ما يلبث النسيان أن يلُفَّها هى الأخرى.

ــ لست أدرى لماذا يحزن رواد المقهى؟.. قالها العجوز مستغربًا ونظر إلى ولَدِهِ السِتِّينِىْ.

ثم أكمل حديثه: - إذا كانوا يريدون مقهى فما أكثر المقاهى حولهم، وإذا كانوا يرون فيه أثرًا فليس بأثرٍ وهم يعلمون؛ لقد جدَّدَهُ أصحابُهُ مِرَارًا حتى تغير شكله ولم يعد له من الماضى إلا بقايا؛ اسمه وتاريخ تأسيسه ولوحة خَطِّيَّة محفوظة فى إطار خشبى، عدا ذلك لم يعد للماضى مكان.

نظر الولد السِتِّينى إلى والدِه مُنْدَهِشًا ثم قال: يا حاج هذا ليس مجرد مقهى؛ إنه شاهد على تاريخ البلد، كان يرتاده أصحاب الطرابيش والعمائم، ثم أصبح مأوى موظفى القطاع العام والعُمَّال والمثقفين، وما كان أيسر على أى كاتب يريد معرفة أحوال الناس وما جَدَّ عليهم من الجلوس فى المقهى مع إرخاء السمع وإطلاق البصر، هذا المقهى كتاب التاريخ ودفتر الأحوال.

ضحك العجوز مُغْمِضًا عينيه فاتسع فَمُهُ الخالى من الأسنان واهتز جسدُهُ الخَشَبِى الممصوص.. خاف ابنه عليه، فصاح فيه العجوز: لا تَخَفْ، لن أموت من هذا الهُرَاء.. يا بُنَى افهم ودَعكَ من الشعارات الرنَّانة؛ إن الجهل بالتاريخ مرضٌ لا يعالجه الإبقاء على مقهى يبيع الشاى والدخان، هل يعى رواد المقهى أننى - وغيرى كُثُر- لم نكمل تعليمنا لحاجتنا إلى العمل، ومع هذا تعلمنا أفضل منهم وقرأنا أكثر منهم، وفوق ذلك لم نحقد ولم نحسد، ترَفَّعنَا عن السَفاسِف وعشنا مَرفُوعِى الرأس، يا ولدى غاية كل كائن أَلَّا يكون، وكل متحرك إلى سكون، والمقهى لم يكن ليبقى مدى الدهر. هل تعرف متى وُلِدتّ؟

ــ  طبعًا يا حاج، منذ مِئَةِ عام.

ــ  وُلِدتُّ قبل هذا المقهى بستة أشهر، وقضيت من عمرى أربعين سنة فى الفقر والجوع، كان حظى أبشع من قمامة القاهرة، ولم يلتفت إِلَى أحدٌ من أولئك (الأُدَبَاتِيَّة) الذين يتباكون اليوم على أطلال المقهى القديم. أيهما أولى: الحيطان أم الإنسان؟ أيهما يعى الماضى ويعرف التاريخ: ذاكرتى أم الكراسى؟ إذا كان الوارث قد باع المقهى فأنا لم أَبِع نفسى لمخلوق، وقلت وما زلت أقول إننا نحن السبب، نحن السبب.

نظر الولد السِتِّينِى ضَجِرًا إلى أبيهِ المُعَمِّر، وأدرك على الفور أنَّ نَوْبَةً من الفلسفة سَتَعتَرِيهِ فآثَرَ أن يتركه بهدوء قبل أن يُصَدِّعَهُ بالحديث عن أمراض المجتمع.

ــ طيب يا حاج، أستأذنك الآن حتى أزور حفيدتك فهيمة..

ــ  قل لها: إذا أغضَبْتِ زوجَك فسيغضب عليك جدك عبد البصير إلى يوم الدين.

مَدَّ الحاج عبد البصير يَدَهُ إلى دُرجِ مكتبه العتيق فى دُكَّانِهِ شِبْه الأَثَرِى الذى أوصى بأن يُبَاع بعد موته، وأخرج منه جهازًا صغيرًا للتسجيل، تأمَّلَهُ من الخلف والأمام، وضغط على أزرَارِه فوجدها تعمل. مد يده مرةً أُخرَى وأخرج شريطًا، وبعد أن وضع الشريط فى جهاز التسجيل ضغط على الزِرِّ وبدأَ يُمْلِى رسالَتَهُ إلى ابنه وأحفاده وجيرانه وكل سكان المنطقة الشعبية التى عاش فيها نصف قرن من الزمان.

وحين جَنَّ الليل، وتَوَسَّطَ البدرُ بَراحَ السماء، وحوله النجوم مثل عقد اللآلِئ، شعر عبد البصير أنها الليلة الموعودة؛ لا بل أيقن أنه لن يدرك الصباح؛ فانتظر ولده الستينى بفارغ الصبر، ولما عاد رفع إليه سَبَّابَتَهُ وملامِحُهُ تَشِى بأن الخَطْبَ جَلَل، وأمره بالجلوس ثم قال: حَدَّثَنِى قلبى حديثًا لَسْتُ أَكْذِبُهُ، الليلة تخرج الروح إلى بارِيها ويَسْتَرِدُّ المُودِعُ أمَانَتَه، الليلة يطير العصفور من قَفَصِه وتنتهى الآلامُ والآمال. يا ولد خُذ منى هذا الشريط وَضَعْهُ فى المُسَجِّل ثم اتركهما بجوار جثتى فى التابوت، وقبل أن تُصَلُّوا عَلَىَّ اضغط على زِر التشغيل ليخرج صوتى إلى الناس، كل من حضر، كل من عرفنى وعرفته، زارنى وزُرتُه، أحبَّنِى وأَحبَبْتُه، حتى كل من قالوا عنى: «عجوزٌ خَرِف راح زمنُه وانتهى أمرُه».. لا تخبرهم أن صوتى يخرج من الشريط، دعهم يظنون أننى أتحدث بعد موتى، وحين يشيع فى الناس أن الميت قد تكلم أخبرهم بحِيلَتِى دُونَ مُوَارَبَة، قل لهم بصراحة إن والدى أراد أن يجلدكم مِئَةَ جلدة بِعَدَدِ سِنِى عُمرِه، وأعجبه أن يُلقِى فى قلوبِكُمُ الرُّعبَ عَلَّكُم تَسْتَفِيقُون.

ومات عبد البصير.

ظَلَّ الولد الستينى مع أبنائِه الثلاثة يُغَسِّلُونَ الميت ويَلُفُّونَه بالكَفَنِ الأبيض، وحين انطلقت أصوات المؤذنين بنداء الفجر حمل الابن والأحفاد مَيِّتَهُم الذى اشتكى مِنْهُ فى حَيَاتِهِ طُوب الأرض، ورماه الكثيرون بالجنون، وزعم بعضُهم أنه كان يصاحب الجن وَلَهُ قَرِين يُلْقِى إليه بالأسرار، وأنه حين كان يقرأ بصوتٍ عالٍ إِنَّمَا كان يُعَزِّمُ ويُحَضِّرُ الأرواح، والحق أنه كان يحب الشعر الفصيح ويعجبه مُطران خليل مُطران وإبراهيم ناجى؛ فكان يقرأ بصوتٍ عالٍ لِطَرَبِهِ بالأبيات ورغبته فى حفظها؛ ولأن أهل المنطقة لم يكونوا يفهمون الشعر ظَنُّوهُ يُحَضِّرُ العفارِيت!

أعلن مؤذن المسجد المجاور لمنزل الحاج عبد البصير وفاته فى الميكروفون، وأكد على أن صلاة الجنازة سوف تُقَام فَوْرَ الانتهاء من فريضة الفجر حسب وصية المرحوم الذى طلب أن تُعَجِّلَ أُسْرَتُهُ بالصلاة عليه ودفنه.

لم يكن فى المسجد أكثر من عشرة أنفار؛ منهم ابن الحاج عبد البصير وأبناؤه الثلاثة مع مؤذن المسجد والإمام! وبعد الانتهاء من صلاة الفجر طلب الولد الستينى من إمام المسجد أن يُعطِى الميكروفون لِوَالِدِهِ المُتَوَفَّى حتى يتحدث بما يريد!

ظنَّ الإمامُ أن الرجل أصابَهُ مَسٌّ من الجِن الذى قيل إن والده كان يُحَضِّرُهُ كُلَّ ليلة! أو رُبَّما سَرَت فيهِ لَوْثّةُ الفلسفة وعلم النفس الذى كان أبوه يقرأُ فيهِ ويتَحَدَّثُ عنه.

أدرك الستينى أن الإمام يظن فيه الجنون فقال: ألا تُصَدِّق يا عم الشيخ أن والدى يمكنه الحديث بعد موته؟ جَرِّب إذا أردت.

حاول الإمام أن يبلع رِيقَه، وارتسمت عليه معالم الدهشة، ثم أدرك أنه لا فائدة من الرد العاقل على رجل ورث الجنون من أبيه كما يقول أهل المنطقة، واضطر الإمام فى النهاية إلى مُسَايَرَةِ الرجل دون رد حتى لا يَتَهَوِّر عليه فى المسجد.

ــ قال الإمام: تفضل الميكروفون. أَرِنِى كيفَ سيتحدث أبوك؟

فتح الستينى التابوت برفق وهزَّ جثة أبيه المتوفى كأنه يُوقِظُه ثم ضغط على زر تشغيل المسجل، وكما هو المتفق عليه قال بصوتٍ عالِ: يا حاج، كنت تريد التحدُّث إلى جيرانك فى المنطقة، تفضل.

وما كانت إلا ثَوانٍ معدودات حتى خرج صوت عبد البصير وَقُورًا مًمْتَلِئًا:

ــ يا أهل المنطقة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا حديثى إليكم وَوَصِيَّتِى قبلَ أن أَعُودَ إلى رَحِمِ أُمِّى الأرض، منها خُلِقْنَا وإليها نَعُود. أريد أن تعرفوا أننى لم أكن مجنونًا طرفة عين، ولا رأيتُ عِفريتًا فى حياتِى؛ فكل ما قيل عنى أوهام شاعت بينكم، ولَسْتُ مسئُولًا عن بشاعة الجهل الذى جعلكم تَرَوْنَ كُتُبَ الأدب كُتُبًا للطَّلاسِم والتَّعَاوِيذ، وقصائد الشعر تحضيرًا للأرواح، ولا أَعِيبُ عَلَيْكُم هَذِهِ الجهالة المُفْرِطَة لِأَنِّى أُدرِكُ حجم الفقر والمرض، وأعرف أنه إذا جاعت البطون ذهبت العقول؛ ولكنى مع ذلك أقول إنكم جزء من السبب، تعرفون لماذا؟.


وراح عبد البصير يُعَدِّدُ مَسَاوِئَ سكان الحى ويفضحهم فردًا فردًا، ولا ينجو من سِيَاطِه المُلْهِبَة رجلٌ ولا امرأة كان يعرف الجميع حتى المراهقين الذين وُلِدُوا بعده بثمانية عقود وأكثر. لم يرحم إلا الأطفال والقطط!

صَحا أهلُ المنطقة على صوت عبد البصير وهو يفضح اللصوص والخَوَنة والحشاشين والتجار وبائعات الهَوَى، وظنَّ بعضُهم أن الرجل هو الذى يتكلم فهُرِعُوا إلى المسجد وهناك ألجَمَهُم الرعب.. ميت يتحدث بالصواعق ويقذفهم بأقسى العبارات.

 واستطار الخبر من المنطقة إلى عموم القاهرة الكبرى، وتحدث كثيرون فى طنطا والزقازيق وشبين الكُوم وسُوهاج عن الميت الذى تحدث بعد موته كثيرون لم يُصَدِّقُوا الخبر. وبعد لَغَطٍ كبير والناسُ بين مُصَدِّقٍ ومُكَذِّب صدرت فتوى رسمية فَحوَاها أن الميت لا يمكنه التحدُّث للأحياء جميعًا، وأن عامة الناس لا يسمعون الموتى إلا فى المنام، وما حدث لابد أنه حيلة ستنكشف.

وأخيرًا خرج السِتِّينِى فى قناة فضائية ليخبر الناس بالحقيقة وصار الولد والوالد موضع غضب الجميع بلا استثناء. الكل يدعو على الميت ذى اللسان السليط الذى فضح الجهلة مرتين؛ مرة وهو يُظْهِرُ مَخازِيهِم، وأُخْرَى حين صدَّقُوا أن الميت يمكنه الحديث على الملأ.

وأراد أحدهم أن يذهب إلى قبر الحاج عبد البصير لِيَلْعَنَهُ ويبصق عليه ويَركُلَهُ بِقَدَمَيْهِ كما قال.

ولأن عبد البصير رجل المفاجآت؛ فقد عَقَرَ كلبٌ ضالٌّ هذا الرجل الذى تَوَعَّدَ الميت قبل أن يصل إلى القبر وشاع بعدها فى الناس أن عبد البصير من أولياء الله الصالحين؛ فقرَّرَ أهلُ المنطقة الذين فضحهم أن يجمعوا التَّبَرُّعَات لبناء مقام للحاج الذى قالوا إن الكلب دافع عنه وهو ميت.

وبُنِى المقام بالفعل بالجهود الأهلية لسكان المنطقة وحين نظر السِّتِّينِى من نافذة بيته ذات صباح وجد أهل المنطقة يُنَظِّفُون الشارع العمومى والحارات المُتَفَرِّعَة، ويقولون: لا بُدَّ أن نُطَهِّرَ المنطقة من القمامة حتى لا يغضب مِنَّا الشيخ عبد البصير.