جمال هاشم
انتهيت للتو من قراءة رواية الكاتب البحرينى أمين صالح الأخيرة «مرايا الكائنات الجميلة طاب مساؤك» كعادته، يفاجئنا بل ويبهرنا أمين من جديد بعمل إبداعى غير تقليدى كاسرًا كل الأشكال التى تعودنا عليها على المستوى السردى والفنى واللغوى. بعد استمتاعى، حد النشوة، بقراءة روايته السابقة «المياه وظلالها» وما بينهما من سنوات وقراءات عدة، اعتقدت أننى قد حفظت أسلوبه وتمكنت من أدواته، وبأننى قد وصلت إلى قمة الدهشة والانبهار وبالتالى لم يبقَ هناك ما بإمكانه استفزازى عقليًا وروحيًا فى اى قراءات قادمة.. لذلك قبل الولوج فى معترك عوالم روايته الجديدة، ولمعرفتى الجيدة بطلاسم أمين وألاعيبه وسحره، حاولت شحذ كل ما أملك من قدرات ذهنية ومعنوية وأسلحة وتعاويذ لتحصين نفسى من أى مفاجآت أو صدمات.
ولكننى، مع شديد الامتنان والسعادة، هُزمت فقد كان الإبهار السردى الدرامى واللغوى الشعرى أكبر بكثير من أن يُقاوم بل أن علامات الغواية والدهشة، ليس فى بعدها المجازى، وانما أيضًا فى بعدها الواقعى وأثرها العضوى والحسى على القارئ، تبدأ بتلك القشعريرة الباردة التى تسرى فى البدن وهياج فى المسامات والشعيرات، ومن ثم خدر فى الأطراف وتعطيل للحواس وانعدام الجاذبية حتى تغدو خفيفًا شفافًا ومتناهيًا فى الصغر بين صفحات وأسطر الكتاب، يتلاطمك ذاك الموج الجارف من الكلمات والمجازات والخيالات والصور لا تعرف حقيقة، هل أنت فى علم أم حلم.. هكذا تبدأ الفصل الأول من القراءة، وهكذا تمشى بين باقى الفصول وهكذا تنتهى فى الخاتمة.
بالأحرى، إن حالة الانبهار والاستنفار تبدأ معك منذ النظرة الأولى للكتاب.. قبل أن تتصفح وقبل أن تبدأ مع الإهداء والمدخل والفصل الأول إنه الغلاف وما أدراك ما الغلاف غلاف يُقبل عليك مهندمًا مرتديًا بياضه.. ولكنه ليس البياض المحايد والمسالم، إنما البياض المراوغ والمشاكس الذى يكاد أن يكشف عن كل ألوان قوس قزح الكامنة فى بياضه كما يكشف المحارب عن أسلحته وقت المبارزة.
بياض معشق بمرايا مختلفة الأشكال والأحجام مرايا بلورية ليست من زجاج وإنما من ماء ماء ذاك البحر الذى يبتلع ويحتفظ بأرواح الغزاة والمتطفلين من الكائنات، أو ربما ماء المطر الذى يغسل شرور بعض العابرين وخطاياهم بين سطور الرواية.. وقد يكون ماء دمعة تلك المرأة الجميلة التى تطل من نافذتها وتضىء بحزنها المدى ومنتهى الحكاية مرايا بعيون، تحملق فينا وتقرأنا وترانا بقدر ما نحملق فيها ونقرأها ونراها. هل هى عيون تلك الكائنات التى تعج بها الرواية أم عيون الراوى الذى يتشكل بأكثر من شكل ولون مع تبدل وتخلق كائناته؟ فى كل الأحوال هى العيون.. هى دائمًا البداية واصل الغواية.
أمين ليس بالكاتب الهيّن أو الرحيم على القارئ. هو ليس ذاك الصنف الذى يأخذك برفق من يديك ويهديك بحنو نحو البسيط والسهل، ولا يبدأ معك بالسباحة فى الماء الضحل بل هو ذاك الذى، ومنذ السطور الأولى، ينتشلك من كل ما هو وثير فى مقعدك وعالمك ويرمى بك بعيدًا فى المدى، بعيدًا جدًا إلى اللّج حيث لا قعر لبحر ولا قرار لسماء.. وبالتالى لا مفر من أن تكون قارئًا ندًّا لعل وعسى أن تقوى على احتراف الغوص فى الماء أو تقليد كائنات الريش والتحليق فى الهواء.
فما أن تتجاوز، بالكثير من الدهاء والمناورة، سحر ومشاكسة بياض الغلاف حتى تجد نفسك فى ذاك التيه الرحب والسخى، والعوالم الواسعة والجميلة التى تتأرجح على خيط رفيع فى برزخ يكاد يتماهى بين الواقع والخيال، بين الصحوة والحلم الذى ليس له نهاية.. عالم سريالى يكاد أن يستنسخ شخوص وألوان رينيه ماغريت، ومنطلق ومتحرر من أى عقل ومنطق ككائنات دالي.
هو الراوى والأمين والشاهد على الذاكرة والموروث والتاريخ. التاريخ ليس كوقائع جامدة، بل كحكايات متعددة الأصوات تتداخل فيها الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية ذاكرة مفعمة بالبعد التاريخى والاجتماعى للمكان وزاخرة بكل ما هو متصل ومتسلسل، وفى نفس الوقت منفصل وتجريدى من الزمان نص غير تقليدى ذو بنية سردية مجزأة ولكنها متصلة ومتمازجة ومتماهية كألوان الماء المنثورة على الورق هى ليست رواية واحدة، بل عدة روايات وحكايات وكائنات وبشر وأشباه بشر.
شخصيات أشبه بالأسطورية، أو الأرواح، أو أجزاء من النفس الإنسانية التى تظهر وتختفى كالانعكاسات فى المرايا المقعّرة.
كائنات لا تتشابه ولا تشترك فى شيء، غير أن القدر أرادها أن تجتمع فى نفس الزمان والمكان الذى أطلق عليه الراوى بـ"الحي" الحى الذى يحتضن كل تلك الأساطير والحكايات وكل الكائنات، بما فيها البيوت والبحر والنار والمطر والزرع والدواب والحيوانات، والتى يضخ فيها الراوى الحياة ويجعل منها كائنات تتنفس وتأكل وتحس وتغضب، وتلعب أدوارًا محورية فى النص، حالها حال باقى شخصيات الرواية.
ورغم طابعها التأملى الغالب، تحمل الرواية بعدًا وجوديًا واقعيًا أيضًا لأناس آدمية عادية تشبهنى وتشبهك أناس مرتبطة ببعضها بعلاقات عائلية وعلاقات عمل وصداقات مجتمع بكامل مكوناته الاجتماعية والطبقية، وما يحتويه من فرح وحزن وحب وعداوات رسمت حياة ومصير ذاك الحى وكائناته مجتمع يختفى منه البطل الفردى لصالح صوت جمعى أو وعى متعدد الأصوات يمثل تراثًا ثقافيًا كاملًا.
يحتل البعد الأسطورى والفلسفى حيّزًا شاسعًا فى النص، حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الحقيقى والمتخيل، بين الذات والآخر، بين الشخصى والجماعى فهناك العاشق الذى لم يمسه الجنون ولم يمت عشقًا ولكنه استحال إلى شجرة انتصبت فى مكانه الذى لم يبرحه بعد طول انتظار ولعًا وحبًا لحبيبته وهناك الجندى الذى مات ولا يدرى انه مات ورجع فى هيئة شبح يجوب الحى بحثًا عن حضن يأويه وحكاية التوأمين اللذين استهواهما الطيران فبدءا بجمع الريش لصناعة الأجنحة ومن ثم اختفيا بلا أثر، وقيل أنهما حلّقا بعيدًا بحثًا عن الحرية والجمال والاختلاف.
وعن ذاك البحر الذى مسّه الإحساس بالذنب، فجثا على اليابسة مثل الراهب الذى يطلب الصفح والمغفرة لتسببه فى غرق طفل لم يتجاوز التاسعة وحكاية مفتاح إسماعيل الرجل الخمسينى الذى عاد إلى الحى بعد غياب لم يكن غياب فى سفر أو سجن وإنما عاد من موت دام عشرة أعوام وفى غمرة حيرة وصدمة أهل الحى، عاد مفتاح إسماعيل إلى موته واختفى كما ظهر ولذلك هى لم تكن تجربة فى القراءة وإنما نوع من التجلى والطفو على وسائد حلم طويل ممتد على مدى مائة وخمسة وسبعون صفحة.
اعتدت على أن أمسك قلمى الرصاص أثناء القراءة لتسجيل بعض الهوامش والملاحظات ووضع الخطوط تحت ما يشدنى ويثيرنى من عبارات وصور أدبية ولكن بعد الصفحات الأولى من قراءة كائنات المرايا، عدلت عن هذا التقليد ووضعت القلم جانبًا لاكتشافى بأن النص بمجمله، بكامل صفحاته وعباراته وفصوله كتب بلغة شعرية فى أكثر صورها بهاءً وشاعرية فاللغة هنا لم تكن أداة تؤدى وظيفة توصيلية، وإنما كان النص عبارة عن لوحة فنية وقصيدة نثر مكتملة وكائن حى قائم بذاته يلعب دور البطولة الحقيقية والمطلقة فى الكتاب لم تكن اللغة مكتوبة بكلمات، بل بما يشبه النوتات الموسيقية التى تنبض بإيقاع وصور ورموز بلاغية فى غاية الجمال، هى أقرب إلى السيمفونية التى لا يجب قراءتها، وإنما تأملها وعيشها بكامل الحواس.
هى قد تكون رحلة فى الواقع، فى الحلم، فى الذاكرة، وربما مجرد هذيان، كما يقول الكاتب، ولكنها بكل تأكيد رحلة تأمل للذات من خلال انعكاسها فى المرايا. رحلة تتناول وبشكل عميق هموم وأسئلة كثيرة عن الوجود والعدم والحياة والموت والحب.
أخيراً اقول، طاب صباحك ومساؤك يا أيها المبدع أمين وصباح ومساء كائناتك الجميلة، تلك التى التقيت بها والتى لم تلتق بها قط.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







