الخريف: تخليص النص من ظلال سوء الفهم

الي سميث الخريف
الي سميث الخريف


عمر إبراهيم


منذ إعلانى عن اقتراب صدور رواية الخريف» لآلى سميث وأنا أتلقى العديد من الأسئلة عن أسبابى لإعادة ترجمتها.

بداية، عندما عرضت على دار صفصافة للنشر ترجمة هذه الرواية -بعد شرائها للحقوق العربية للعمل- فضلت أن اطلع على الترجمة السابقة قبل أن أخوض مغامرة ترجمة جديدة لرواية متوافرة سابقا بالعربية، وبالفعل، اطلعت على النسخة العربيَّة الأولى من الرواية التى صدرت عام ٢٠١٨ بترجمة الأكاديمى التونسى الأمريكى ميلاد فايزة عن دار روايات للنشر. لكن بعد اطّلاعى على الترجمة، وجدتُ بها إشكالات لا تغيب عن أى مختص فى مجال الترجمة واللغويات المقارنة، ووجدت أن النص العربى محمل بظلال من سوء الفهم للنص الأصلى نفسه ما أدى فى كثير من المواضع إلى عدم إيصال بعض المعانى بالشكل الصحيح، وأحيانًا عدم ترجمة أجزاء من النص نفسه وتضمّنها كما وردَت بالنص الأصلى بالإنجليزيَّة!

وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن اسم إحدى الشخصيتين الرئيسيّتين فى الرواية: Daniel Glück، ترجم الدكتور فايزة اسم العائلة (غلاك) وليس (غلوك) الذى هو النطق الأقرب للألمانيَّة (لأنّ هناك على حرف الـ u أوملاوت، أو umlaut، وهى العلامة التى تُغيّر نطق الحرف).
 

وهو الأقرب من حيث المعنى أيضًا، لأنّ ثمّة حوار يدور بين دانيال وبين إليزابيث ديماند (الشخصيّة الرئيسيّة الثانية) حول معانى اسميهما الأخيرين فى الصفحة ٥١ من النص الأصلى، حين يخبرها بأنّ اسمه الأخير يعنى أنّه «محظوظ وسعيد»، وهو ما يُطابق المعنى الألمانى. 

ومن بين الأخطاء المُشتِّتة فى الرواية عدم مُجاراة الألعاب اللّغويّة بالشكل الصحيح، وما أكثر الألعاب اللّغويّة فى هذه الرواية؛ فإنّها جزء أصيل فى السرد، نشعر أحيانّا بأنّ الأخير مبنى عليها. مثال فى ترجمة الدكتور ميلاد: «إليزابيث، فى حيرة من أمرها، تُخرج هاتفها المحمول. تكتب كلمة «ساكن/ ما زال» على الهاتف». اللعبة اللّغويّة هنا على كلمة Still، وستستمر لنهاية الفقرة فعلاً، لكن من هذه الترجمة، سيفهم القارئ أنّ الشخصيّة قد كتبت كلمتين، وهو ما لا يتماشى مع النص الأصلى، لأنّها كتبت كلمة Still وحدها فى مُحرّك جوجل للبحث، وستظهر لها أمثلة كثيرة تختلف فيها معانى تلك الكلمة. إذن، فالأجدر أن تُترجَم الكلمة بمعنى واحد، ثم نضيف هامشًا لنشرح المعانى الأخرى، لتُفهم الأمثلة فى باقى الفقرة.

وبعد تلك الفقرة بقليل، ثمّة فقرة أخرى ما زال يُلعَب فيها على كلمة Still، لكن هذه المرّة كجذر داخل كلمات أخرى مثل Distillery. ترد فى ترجمة الدكتور فايزة هذه الجملة من الفقرة: «سأراهنك رهانًا (يقول/ لا يقول) أنّه ليس عندهم هذه الكلمة على تلك القائمة التى تشكل جزءً من مصنع التقطير».

بالتأكيد أنّ معنى Distillery هو تقطير، لكن بهذا لقد أضللتُ القارئ عن علاقة جذر still فى كلمة Distillery كما قصدت الكاتبة. فارتأيتُ أنا مثلاً ترجمتها «مزيل السوائل»، لتشابه كلمة «مزيل» مع كلمة «ما زال» مورفولوجيًّا. و«ما زال» من معانى Still، التى وردت فى الفقرة السابقة فى أمثلة جوجل. كما أضفتُ هامشًا للتوضيح قلتُ فيه: «إنّ التقطير يُقصد به عمليّة فصل مكوّنات الخليط بمساعدة الحرارة، والفصل نوع من «الإزالة» إلى حدٍّ ما»، لأفهّم القارئ السبب.

مثال أخير، لأنّ الأمثلة كثيرة، فى الصفحة التاسعة والثمانين من الترجمة، ترِد فى نهاية الفقرة الثالثة: «موسيقى بالاد شجر البتولا الفضي: High Church. Lurch. Besmirch. Soul search» والكلمات الأخيرة مُضافة كما هى من النص الأصلى دون ترجمتها. بدايةً فإنّ كلمة Ballad الذى تُرجمت ترجمةً سماعيّة (Transliteration)، تعنى فى العربيّة «القصيدة الغنائيَّة السرديَّة» أو ببساطة القصيدة التى تحكى قصَّة، لا تصنيفًا موسيقيًّا فى حد ذاته.

أمّا عن الكلمات التى لم تُترجَم، فهى مُضلّلة للقارئ، ولا تُبرز اللعبة اللّغويّة، ولا القافية المقصودة فى الفقرة (باعتبارها أغنية)، أو سجعًا لو اعتبرنا الجملة نثرًا بما أنّ الكلمات مكتوبة على سطر واحد. ولذلك -تخفيفًا- ترجمتُ الجملة الأولى كالآتي: «أغنيّة شجرة البتولا الفضّيّة»، والجملة الثانية: «كنيسة سامية. مُترنّحة. مُدنّسة. عن الروح باحثة»، مع إضافة شرح فى الهامش.

فى النهاية، لا أعدّ إبراز مشكلات الترجمة، والعمل على ترجمة جديدة، قدحا فى شخص المُترجم السابق لكن تحدى ومحاولة إنتاج لنص أكثر قربا وأوثق علاقة بالنص الأصلى، كما أوضحنا. كما أن كثير من الإحالات فى الرواية، سواء لتاريخ الفن والأدب، أو لشخصيّات تاريخيّة، كانت تحتاج هوامش وشروحات لم يُضف المترجم السابق منها إلا القليل ولأنّها رواية فى غاية الأهمّيّة، من حيث الموضوع، وتقنيّات السرد، وتوظيف تيّار الوعى، والتيمات، فكان من الصعب إبقاء نسختها الأولى دون إعادة ترجمتها، لنُقدّمها فى حلّة جديدة تليق بقارئنا العربى.