وليد خيرى
تأتى الدورة السابعة والخمسون لمعرض القاهرة الدولى للكتاب (2026) بطعم مختلف ونكهة استثنائية فنجيب محفوظ هو شخصية المعرض، حيث تطل فى كل مكان صورته بنظارته السميكة وابتسامته الهادئة.
وفى خضم هذا الاحتفاء الكرنفالى، استوقفتنى مبادرة لافتة أطلقتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، تتجسد فى «حقيبة نجيب محفوظ». إذ يطرح فيها بسعر رمزى لا يتجاوز المائة جنيه، لتحمل فى داخلها مجموعة من الكتب والدراسات التى تدور فى فلك عالم محفوظ الرحب.
من بين العناوين التى تلمع فى هذه الحقيبة، نجد كتاب «الرؤية والأداة» للناقد الكبير الراحل الدكتور عبد المحسن طه بدر. الكتاب الذى أسس لفهمنا لتطور الرواية عند نجيب محفوظ من المرحلة التاريخية إلى الواقعية. وجود هذا الكتاب وحده فى الحقيبة يعد مكسبا لأى باحث أو مهتم.
تجد أيضا كتاب «نجيب محفوظ يتذكر» للأديب الكبير الراحل جمال الغيطانى، وهو وثيقة إنسانية وأدبية نادرة، يسجل فيها الغيطانى جلساته الطويلة مع الأستاذ، كاشفا عن الجانب الإنسانى، وذكريات الطفولة فى الجمالية، وكواليس الكتابة. إنه كتاب يجعلك تجلس مع محفوظ فى كازينو قصر النيل أو مقهى ريش، وتسمع صوته المتهدج يروى حكايات الحرافيش.
ومن زاوية أخرى، تضم الحقيبة دراسات متخصصة مثل «سينما نجيب محفوظ: الفن الجماعى والإبداع المتفرد» للناقد دكتور وليد سيف، الذى يغوص فى تلك العلاقة الشائكة والمثمرة بين نصوص محفوظ والشاشة الفضية. وكتاب «قراءات صوفية فى أدب نجيب محفوظ» للدكتورة هالة أحمد فؤاد، الذى يكشف عن النزعة الروحية والفلسفية فى أعماله، تلك النزعة التى توارت أحيانا خلف قناع الواقعية الصارمة.
وهناك «نجيب محفوظ ناقدا» لتامر فايز، الذى يسلط الضوء على وجه آخر لمحفوظ لا يعرفه الكثيرون، محفوظ الذى يقرأ لغيره ويقيم أعمالهم. وكتاب «أحب رائحة الليمون» لسهام ذهنى، الذى يجمع حوارات كاشفة تبرز خفة ظل الأستاذ وعمق رؤيته للحياة اليومية.
إذن، نحن أمام وليمة نقدية دسمة، تحيط بعالم محفوظ من كل جانب: اللغة، التصوف، السينما، السيرة الذاتية، والنقد التطبيقي.
هنا، يجب أن نتوقف قليلا لنطرح السؤال الذى يتردد فى ذهن كل من فتح الحقيبة بشغف: أين روايات نجيب محفوظ نفسها؟
هناك مفارقة لا تخطئها العين. الحقيبة تقدم للقارئ -خاصة الشاب الذى قد يقرأ محفوظ لأول مرة- مفاتيح القصر، وخرائط القصر، وصورا لساكنى القصر، ودراسات عن هندسة القصر، لكنها لا تمنحه القصر ذاته!
كيف نطلب من شاب فى مقتبل العمر أن يقرأ «التحليل اللغوى للنص الروائى عند محفوظ» وهو لم يقرأ بعد «اللص والكلاب»؟ كيف يستمتع بـ «الرؤية والأداة» وهو لم يغرق فى تفاصيل «بين القصرين»؟ النقد، بطبيعة الحال، هو خطوة تالية للإبداع، تالية للقراءة الأولى، للقشعريرة الأولى التى تسببها الحكاية. تقديم النقد قبل النص يشبه تقديم العربة أمام الحصان.
أدرك تماما التعقيدات القانونية وحقوق الملكية الفكرية. حقوق نشر روايات نجيب محفوظ مملوكة لدار نشر خاصة، بينما الهيئة العامة للكتاب تملك حقوق نشر دراساتها الخاصة. هذا الطلاق بين النص ونقده هو إشكالية كبرى فى مشهدنا الثقافى. الدولة تملك الدراسات، والقطاع الخاص يملك الإبداع، والقارئ يقف فى المنتصف حائرا.
كم كنت أتمنى، وهذه أمنية أضعها برسم المسؤولين عن ثقافتنا، لو شهدت هذه الدورة الاستثنائية بروتوكولا استثنائيا. تخيلوا لو اتفقت وزارة الثقافة مع الناشر الخاص على طباعة طبعة شعبية محدودة من عمل أو عملين لمحفوظ وليكن «الحرافيش» أو «ميرامار» أو حتى مجموعة قصصية لتضمينها داخل هذه الحقيبة، حتى لو ارتفع ثمنها قليلاً ليصبح 150 أو 200 جنيه. حينها، كانت الفائدة ستكتمل، وكانت الدائرة ستغلق على نحو مثالي: يقرأ الشاب الرواية، ثم يقرأ ما كُتب عنها، فيتخرج من مدرسة محفوظ قارئا واعيا ومثقفا حقيقيا.
غياب النص الأصلى يجعل الحقيبة تبدو موجهة أكثر للطلبة والباحثين والمثقفين الذين قرأوا محفوظ بالفعل ويريدون التعمق، أكثر منها لعامة الشباب الذين نريد جذبهم لعالمه. إننا نعطيهم المرايا ونحجب عنهم الأصل.
على الرغم من هذه الملحوظة، تظل المبادرة خطوة جبارة تستحق البناء عليها. ومن هنا، ومن منبر أخبار الأدب، أدعو أن تتحول هذه المبادرة الظرفية إلى تقليد سنوى راسخ. لماذا لا نرى فى العام القادم حقيبة طه حسين؟ عميد الأدب العربى الذى نحتاج بشدة لاستعادة أفكاره التنويرية فى مناهجنا وعقول شبابنا. حقيبة تضم «الأيام» إلى جانب دراسات عنه.
لماذا لا نرى حقيبة يحيى حقى، صاحب القنديل الذى أضاء لنا دروب الروح واللغة؟ أو حقيبة العقاد المفكر العملاق؟ أو حقيبة توفيق الحكيم؟ مصر ولادة، وكنوز هيئة الكتاب تكتظ بدراسات وكتب عن هؤلاء العمالقة يقبع بعضها فى المخازن. إن إخراج هذه الكتب فى حزم مدعومة، وربطها بأسماء الرواد، هو أفضل وسيلة لتقديم تراثنا للأجيال الجديدة.
أتمنى أن تتسع المبادرة لتشمل أيضا حقيبة التنوير، تضم كتبا لفرج فودة ونصر حامد أبو زيد مع مراعاة السياق وحقوق النشر، أو حقيبة الهوية المصرية تضم أعمال جمال حمدان. الأفكار لا تنتهى، والاحتياج ماس.
هذه الحقيبة، بكل ما فيها وما ينقصها، هى الحدث الأبرز والأجمل فى معرض هذا العام، وهى خطوة أولى نأمل أن تتبعها قفزات فى سبيل تعميم الثقافة وجعل الكتاب رغيف خبز يومى على المائدة.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







