فيوليه.. حيث ينعكس الجحيم

فيوليه.. حيث ينعكس الجحيم
فيوليه.. حيث ينعكس الجحيم


سعاد لعبيز


لم يقع شيء خطير بعد صراخ «يما» فى وجهي فروايتى خرجت متلعثمة من بين شفتّيّ، وتعثرت إثر صدى صوتها تقوقعت كلماتى حول نواتها، وراحت تلك الأقل مرونة تتداعى فى طيات حلقى زارعةً شجرة رُمّان وعند كل إزهار، أصبحتْ جذور الرمانة العنيدة تترسخ أكثر وأكثر، تملأ فوضى صدرى ثمارا لا زالت تنتظر القِطاف. 

أية كلماتٍ طفولية كان بإمكانها أن تروى ما قد مررتُ به آنذاك؟ منذ صيف عام 1974، كلما أردت التوغل فى أقبية الطفولة، أرجع أحياناً إلى تلك الكلمات المقفول عليها فى زنزانة أبعد ما تكون عن مرأى عينيَ كانت تتمرد كلما حاولت استحضارها، ترفض أن أقْرَبها، وتقوم بصدي بأى صيغة أنطقها بين بكاءٍ ونحيبٍ؟ لقد افتقد معجمى تلك الكلمات التى تمَ وأدها حينما واجهتُ سؤال «يما»: «علاش خرجتِ؟».

لم يكن فى نيتى أن أعبَر عن معاناتى بالكلام فحالتى التى عَمّها الارتباك آنذاك كانت تكفي. كلّ ما أردته هو سرد أحداث تشرَبت بالدموع.

ستظل تلك العبارات تضعنى دائماً أمام جبروت أميّ المرعب وغضبها المفاجئ، إلى أن أتمكن من إقناع هذه الكلمات بأن أرافقها حيث النور أود أن أستمع إليها ولو لمرة واحدة فقط! أن أتعاطف معها، وأغلّفها بالحنان، ثم أعيدها إلى مخبأ الطفولة إذا استحال عليها البقاء فى النور.

 ما عجزتُ عن البوح به لم يكبر، بقى ضعيفاً، وهِناً وعلاوة على الصدمة التى يستحيل تجسيدها بغير الدموع، أحس أننى لا زلت أواجه عجزى عن البوح أصبحت تلك الكلمات التى أحلم بالتفوه بها دون أن أعرفها تتجول فى داخلى من غير هدى، مجردة من أية هيئة، ولا عزاء لها. 

كان بودى أن أخيط لها لباساً محتشماً علّها تقبل الخروج، وتبوح بما تم كتمانه من زمان، عندما تولى الكذب سُدّة الحوار للحدِّ من صراخ «يما».

اثنان فقط من يعلمان بالحقيقة، أنا والمجهول الذى بحثتُ عنه يائسة فى وجوه الرجال أشباهه طوال طفولتي كنت أمُرُّ كل صباح، وأنا فى طريقى إلى المدرسة، من ناصية الشارعين، هناك حيث وضعت يدى فى يد شخصٍ غريب.

حاولت لسنوات طويلة أن أسلك الطريق المؤدية إلى المبنى الذى تم اقتيادى إليه إلا أنّ خطواتى كانت ترفض أن تسعفنى ودموعى تسبقنى لتثنينى فى كل محاولةٍ عن مواصلة البحث ومع ذلك كنت أستعيد الطريق متسمّرةً فى مكاني، محاولةً تغيير بعض القصاصات الحاسمة من الحدث كان هذا الأمر بمثابة طقسٍ استهوانى لأسباب غامضة، أو للتحقق من صحّة الذكرى، أو للتغلب على الخوف الذى يسرى فى أحشائي. كم من مرة قطعت ذاك الطريق وحدي، دون أن أمسك يدٙ أحد، واقفةً على ناصية الشارعين حيث صرفنى قدرى عن نزهتى المُحَرَّمة!

لا أنسى برودة البلاط، وأثر الدموع على ذلك الزلّيج الأرجوانى الذى خلّفه الاستعمار، والذي، لحسن الحظ، غطى ب «اللَيننو» من بعد... اليوم، يكفى أن ألمح تلك المُضلّعات لأتذكر كيف توسّدتها حين التجأت مختبأة تحت السرير.

كنت أرتدى وقتها شورتاً يُعدّ بمثابة ملابس داخلية للفتيات كنت فى التاسعة من عمري، ويكـْبـُرُنى الاستقلال بثلاث سنوات، أى تماماً كمدة زواج والديّ اللذان لم يكونا ليتقابلا لو لم يشاركا معاً فى تحرير البلد. كان الاستقلال والحكايات الرسمية للثورة أكثر بطولية من حياتنا كمواطنين مَدينين للشهداء أما أنا، فكنت من عمر الانقلاب الذى أُطلق عليه رسمياً اسم «التصحيح الثوري». 

تتوزع ذكرياتى على خزانتين اثنتين، واحدة للّهجة الجزائرية والأخرى للفرنسية فى كل منهما رفٌّ ثنائيّ اللغة حيث تجد المصطلحات ترجمتها وتتوفرُ الذكريات نفسها فى اللغتين الاثنتين لتلعبا معاً لعبة القفز.

باستثناء كلمة واحدة كانت تقولها أمى بالفرنسية «فيوليه» لتستطيع التحدث مع الكبار أثناء وجودى عما كادت أن تواجهه ابنتها الغبية اعتقدتُ أنها كانت تقصد اللون البنفسجى لتشابه الكلمتين بالفرنسية.

كان سوء الفهم هذا يزيدنى ارتباكا فى ذهنى وتسارعا فى خفقات قلبى كلما سمعت تلك الكلمة الشائكة. إذ كان من الضرورى أن يتم إضافة العنصر اللغوى الغامض إلى العنف الذى عايشه جسدى الطفل. لقد منعنى غضب أمى من أن أروى الحدث حتى النهاية لماذا «فيوليه»؟ لم يكن لديّ الوقت لأتفوّه بأية كلمة أخرى ما عدا «راجل» و «كيلوت» حتى كاد كلٌّ من صدمتى وغيظ أمى أن يندمجا ليشكلا كارثة بنفسجية أزهرت بعدها فى صمتى التام.