إيمانويله كوشيا
أفسدت الصناديق الموجودة فى كل مكان شكل غرفة المعيشة، وحولتها إلى متاهة من الصناديق الكرتونية والأشرطة اللاصقة التى ضيَّقت المكان لطالما كرهت تلك الصناديق، فلونها يُطفئ أى حماس كنت على وشك أخذ أول صندوق، حين توقفت فجأة أمام مجموعة من الذكريات المتشابكة، وتساءلت: كم مرة فعلت ذلك؟ حاولت للحظة تذكُّر وإحصاء عدد المرات التى تنقلت فيها من منزل إلى آخر.. ثلاثون مرة!
كان ذلك فى شهر يوليو لم أستطع الاستمرار أكثر، وقد قضيت فى باريس ثلاث سنوات لم يكن لدى سوى يومين فقط لـ«ترك المنزل»، ثمانٍ وأربعين ساعة لشراء ثمانين صندوقًا، وتجميعهم، ووضع حياتى داخلهم: الملابس، والأواني، والكتب، والصور، والذكريات، واستئجار شاحنة وتحميلها، ثم إفراغها مرة أخرى، لوضع كل شيء فى الشقة الجديدة، لأُعيد بعث حياتى فى مكان بالكاد أعرفه.
انتقلت فى ذلك الوقت للعيش مع شريكتي، كنا ننتظر طفلة، واستأجرنا شقة مؤقتة فى جنوب المدينة، كانت ملكًا لصديقة انتقلت للعيش فى «بيركيلي» أردنا منْح أنفسنا الوقت الكافى للبحث بهدوء عن «منزلنا» أن نفتح مساحة يكون فيها كل شيء من الأثاث، والجدران، والأشياء، وحتى المشاعر والعواطف، أشبه بما وددنا أن نكوّنه معًا الانتقال من منزل إلى آخر، هو المقابل الدنيوى واليومى لما يُعرف فى الأديان بيوم القيامة؛ يُفصَل الناجون عن الهالكين، وتُرسَم حدود يرغب المرء أن تكون واضحة بين الماضى والحاضر، ويبذل قصارى جهده؛ كى تتطابق مع تلك الفاصلة بين الألم والسعادة إنها طقوس انتقال وتغير.
مكثنا فى تلك الشقّة المؤقتة لأربعة أشهر، ولم نعثر على منزل إلا قبل أسابيع قليلة من انتقالنا إلى الضواحى الشرقية لباريس عاش هناك الفنّانون، والمصمّمون، والثنائيات الشابّة من أبناء العاصمة، فقد كانت هناك المساحات أوسع، والحدائق أكثر خُضرة، والحياة تشبه -إلى حد كبير- حياة قرية فى الريف.
عشنا فى «مونتروي» لأقل من عام، ثم وصلنى عرض للسفر إلى الولايات المتحدة، فشدَدنا الرحال إلى «نيويورك».
استقرّينا لتسعة أشهر مع ابنتنا الصغيرة فى شقة بسيطة فى «آبر ويست سايد»، على بُعد خطوات من الجامعة التى عملتُ فيها داخل أحد مبانى «نيويورك» المميزة؛ إذ يجلس الحارس خلف مكتب ضخم يحرس المدخل، ليلًا ونهارًا.
خطَت ابنتى «كوليت» هناك خطواتها الأولى. عندما وصلتُ إلى «نيويورك» كنت أحمل معى حقيبتين فقط، أما عند العودة، فقد اضطررت إلى شحن عشرات الصناديق عبر المحيط، وكأن جزءًا كبيرًا من حياتى فى تلك السنة مضى فى رحلة منفصلة عني.
عدنا إلى أوروبا، ووجدنا الشقة نفسها فى ضواحى باريس، لكن الأمر لم يدم طويلًا هذه المرّة أيضًا، فبعد عام، هجرتنى حبيبتي، أعدتُ حزم حياتى وقلقى داخل بضع صناديق كرتونية، بحثت عن منزل جديد، وانتقلت إلى مكان آخر.
ولم تكن تلك آخر انتقالاتي؛ إذ عشتُ لأعوام متنقل من منزل إلى آخر، بمعدل مرّة فى العام تقريبًا، ونادرًا ما استقريت فى المدينة نفسها وغالبًا، كانت تلك البيوت فى بلدان مختلفة، تفصل بينها آلاف الكيلومترات. كان الانتقال يعنى آنذاك أن أترك خلفى تقريبًا كلّ ما أملك، ليس الأثاث فقط.
انتقلتُ إلى مسكنى الأخير قبل عام ونصف وقعت الشقة فى الطابق العلوى من مبنى يعود إلى القرن السابع عشر، على بُعد خطوات قليلة من كنيسة «سان جيرمان» تلك المبانى التى حين تنظر إليها من الخارج تشعر أنها على وشك الانهيار.
لم يحمل هذا المبنى أى سمات أرستقراطية على عكس قصور الحقبة ذاتها المنتشرة فى أنحاء المدينة، بل بدا عليه تعاقب الأزمنة بشكل واضح، وصريح. غطت الأتربة والألوان الرمادية التى سببتها الأمطار وأدخنة المدينة اللوحات المنقوشة البارزة، التى زينت إحدى جدران الفناء الداخلى بجوار حائط تملؤه نبتة اللبلاب.
امتدت فى ذلك الفناء أيضًا السلالم نصف المفتوحة التى تؤدى إلى شقتي، والتى ترك الزمن آثاره على جدرانها هى الأخرى. لم يجرؤ أحد يومًا على لمْسها، يمكن للعين رؤية تلك الخطوط، لكنها بدت هنا كلمسات من الجمال إنها المرة الأولى التى أحببت فيها المكان الذى أعيش فيه إلى هذا الحد.
على الرغم من هذا الحب، فمن المحتمل ألا أبقى هنا طويلًا. ولو استثنيتُ ذلك القلق الكامن من مواجهة الصناديق مجددًا (هناك مائة وخمسون منها ترقد فى سُبات داخل القبو)، فلن أخشى الانتقال مرة أخرى.
فتحتُ بابًا، وأغلقتُ الآخر.. وهكذا، كان الحال لأكثر من ثلاثين بيتًا على مرّ السنين. وحين أفكر فى الأمر الآن، لم يخطر لى يومًا تخيُّل هذه البيوت مصطفّة، جنبًا إلى جنب؛ إذ يبدو الأمر وكأننى أرسم حيًّا صغيرًا فى مدينة مؤلّفة من عوالم، ليس هناك أى صلة بينها فى داخل كل بيت منها وجوهٌ بالكاد قد تعرف نفسها، وربما لا أرى فى حياتى اليوم شيئًا يربطنى بها.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







