د. محمد عبود
لم تكن شوارع إسرائيل أثناء جائحة كورونا تشبه نفسها القيود محكمة، والحظر يهبط على الناس مثل غطاء ثقيل، والشرطة تجوب الأزقة تراقب كل حركة وكل نفس لكن وسط هذا الانضباط القسري، كانت ضاحية بنى براك قرب تل أبيب تبدو كأنها تعيش زمنا آخر، زمنا لا يعترف فيه سكانها بالجائحة، ولا ينصتون إلى تحذيرات أو توسلات.
انتشرت على شبكة الإنترنت، وقتها، مقاطع مصورة تعرض مشاهد صادمة للإسرائيليين أنفسهم: شرطة تحاول تفريق جنازة ضخمة لحاخام راحل، فلا تفلح فى كبح اندفاع آلاف الرجال السود الملبس، ذوى القبعات العريضة واللحى الكثة مرة أخرى، تقتحم الشرطة منزلا تحول إلى كنيس بديل هربا من قرارات الإغلاق.
وثالثة، تدفع الأبواب الموصدة لأحد المعابد لتكتشف فى داخله مئات المصلين يزدحمون كتفا إلى كتف، كأن الفيروس لن يمس اليهود طائفة الحريديم و«حريديم» هى كلمة عبرية، يترجمها البعض المتشددين دينيا لوصف سلوكهم، لكنها لغويا تعنى الأتقياء الورعين!
الحريديم يكرهون الإسرائيليين العلمانيين أكثر من الأوبئة والجوائح، ففى مقطع فيديو آخر من زمن الكوفيد، يقف صبى حريدى أمام رجال الشرطة، ثم يقترب منهم متعمداً، ويعطس فى وجوههم وهو يصيح ساخرا: «كورونا… كورونا»، فى مشهد يختصر الصدام بين عالمين، عالم الحريديم وعالم العلمانيين فى إسرائيل.

يعيش الحريديم فى أحياء مكتظة بالقدس وتل أبيب يسكنون فى أزقة ضيقة، وشقق خانقة، وعائلات يتجاوز عدد أفرادها العشرة تطبيقًا لوصية التوراة: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ». فهم يؤمنون أن الإنجاب فريضة لا يتوقف عنها الرجل ما دام جسد امرأته يحتمل.
ومثل كل جماعة لها عالمها الخاص، يحدد الحريديم هويتهم من المظهر قبل السلوك، فملابسهم تحاول توصيل رسالة حزينة متجددة السواد لونهم المفضل، لون يحمل فى معتقداتهم معنى الزهد، والحزن المتجدد على خراب أورشليم، وإحساسا دائما بأن الفرح الحقيقى لم يأت بعد.
وسيأتى هذا الفرح قريبا وفقا لمعتقداتهم بظهور نبى يهودى فى آخر الزمان، يحقق لليهود العلو والسيادة على العالم. هذا النبى المنتظر هو «المسيح المخلص أومَشِيَّاح بالعبرية» الذى يجب على كل يهودى مؤمن انتظاره على مدار الساعة.
لا يخرج الرجل الحريدى من بيته إلا بمعطف أسود وقميص أبيض وربطة عنق داكنة، وتعلو رأسه قبعة تختلف باختلاف طائفته، الحسيديم يلبسون قبعة تسمى «شترايمل» مصنوعة من الفرو، بينما يفضل الليتوانيون قبعات بسيطة مسطحة وهكذا، بمجرد النظر إلى القبعة، تعرف إلى أى طائفة ينتمى كل واحد منهم.
أما نساء الحريديم، فيمضين فى الطريق بثياب طويلة فضفاضة تستر تفاصيل الجسد، وبألوان داكنة لا تلفت الأنظار وبعد الزواج، يصبح غطاء الرأس جزءا أساسيا من هويتهن، سواء قبعة، أو منديل، أو شعر مستعار يسمّونه «شَيْطِل». كل ذلك حرصا على ما يعتبرنه طهارة وحشمة، وعلى التميز عن بقية النساء «السافرات» فى المدينة.
داخل هذا المشهد تفاصيل صغيرة يلاحظها من يقترب أكثر من الحريديم، ويقف أمامهم. خصلات الشعر المتدلية أمام أذنَى الرجال، السوالف التى يتركونها تنمو منذ الصغر، ويعتنون بها عناية فائقة، وأحيانا يلفونها خلف الأذن. وتحت القميص الأبيض، يختبئ شال صلاة صغير تتدلى منه «أهداب»، كأنها خيوط حريرية تربط صاحبها بأسفار العهد القديم ووصاياه.
الاختلاف والصراع بين الأشكناز (اليهود الغربيين) والسفارديم (اليهود الشرقيين) فى المجتمع الإسرائيلي، يجد صداه فى أوساط الحريديم أيضا. يبدأ الخلاف من طقوس الصلاة، وكيفية أداء بعض العبادات، ويصل حتى شكل الملابس. الأشكناز جاؤوا من برد أوروبا الشرقية، وحملوا معها سواد المعاطف والقبعات العالية التى تضفى على صاحبها ملامح الهيبة والجدية.
أما السفارديم، الذين عاشوا طفولتهم فى أقطار المشرق العربي، فكان لباسهم أخف، وأكثر بساطة ودفئا، ويحمل شيئا من روح الأسواق العربية القديمة وألوان الشرق الهادئة. ورغم ذلك، تبنّى بعضهم لاحقا الزى الليتوانى فى محاولة للتشبه بثقافة الطبقة الإشكنازية السائدة، والاقتراب من قلب الأرثوذكسية الحريدية.
التيارات الحريدية
ينقسم الحريديم إلى ثلاثة تيارات كبرى، لكل منها حكايته الخاصة: الحسيديم، الليتوانيون، والحريديم السفارديم. يعيش الحسيديم فى عالم شديد الخصوصية، يتجمعون حول قائد روحى يسمونه «الأدمور» وهو اختصار لمجموعة كلمات عبرية تعني: »سيدنا ومعلمنا وحاخامنا».
ويعاملونه كوسيط بينهم وبين السماء. فهو ليس مجرد حاخام، بل بركة تمشى على قدمين، يتوسلون به للسماء، وينتظرون إشارة منه للتحرك بلا نقاش. وغالبا ما تنتقل الزعامة من «أدمور» إلى ابنه بالوراثة، فى مشهد يشبه الجماعات الدينية شديدة الانغلاق.
أما الليتوانيون، اليهود المتدينون من أصول ليتوانية فهم أكثر تنظيما، وأكثر ميلا إلى الفكر والدراسة. يقودهم حاخامات يُعرفون بـ «عظماء التوراة»، لا تقل أعمارهم عادة عن التسعين عاما، فهم رجال تَشَكَّل نفوذهم عبر سنوات طويلة من الغوص فى النصوص التلمودية.
وآراؤهم ليست مجرد نصيحة، بل «رأى التوراة نفسها» أى أن كلمتهم تُقبل دون نقاش، وكأنها جزء من الوصايا التوراتية نفسها.
أما الحريديم السفارديم، فهم فصل مختلف فى هذه الحكاية يشبهون الليتوانيين فى الانضباط والتعليم، لكنهم يحتفظون بلمسة روحانية ناعمة من تراث التصوف اليهودى الشرقي يقودهم نوعان من الحاخامات: «حكماء التوراة» الذين بنوا مكانتهم على العلم، و«البابوات» الذين يلتف الناس حولهم بسبب الهالة الروحية والكرامات وخوارق العادات المنسوبة إليهم، مثل بابا سالى الذى ينسب له أتباعه معجزات لا يقبلها المنطق أو العقل.
ورغم اختلاف الطرق والمدارس، يجمع الحريديم شيء واحد: الخوف من الحداثة ورغبة عميقة فى حماية عالمهم من رياح التغيير فهم لا يرون فى «دولة إسرائيل» تحقيقا للوعد الإلهي، بل يعتبرونها خطوة غير مشروعة من منظور ديني ويعتقدون أن هرتسل وأتباعه مجموعة من العلمانيين لم ينتظروا مجئ «المسيح المخلص- مَشِيَّاح»، وتحقُق الخلاص بمعجزات سماوية، وسعوا إلى تحقيق الخلاص بجهد بشري، فأهلكوا اليهود الذين ساروا ورائهم، وأهلكوا أنفسهم.
لذلك يعيش أغلب الحريديم فى عزلة طوعية، كأنهم ينسجون حول أنفسهم شرنقة تحميهم من التحول إلى العلمانية. لا تدخل شاشات التليفزيون إلى بيوتهم، ولا يتردد فيها رنين الهواتف الذكية. ولديهم صُحُفهم التى لا تنشر صور النساء أبدا، وإذاعاتهم الدينية التى لا توظف المذيعات لأن «صوت المرأة عورة» كما استقر فى نصوص التلمود، ومدارسهم الدينية منفصلة تماما عن النظام التعليمى العام.
الحريديم عالم صغير يعيش فى قلب إسرائيل لكنه يرفض أن يذوب فى مجتمعها. الرجال ينقطعون للصلاة والدراسة الدينية، ولا يعملون. أما النساء، فيحملن عبء البيت ورعاية الأبناء والعمل لإعالة الأسرة وتتلقى العائلات الحريدية إعانات حكومية شهرية منذ عام 1948 وحتى اليوم.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







