يوسف ليمود
قبل عدة سنوات، كنت في زيارةٍ لصديقةٍ سويسرية من أصلٍ ألماني، تعيش وحدها في بيتٍ كبير ذي حديقةٍ مترامية على إحدى تلال الريف السويسري الهادئ، وكعادتها في كل مرة، وهي سيدة شغوفة بجمع القطع الفنية الصغيرة من أفريقيا، من أقنعة ومنسوجات وأدوات مختلفة، أطلعتني بفرحٍ طفولي على «كتابٍ مصوّر جميل جدًا لرسامٍ مصري»، حسب تعبيرها، مترجمًا إلى الألمانية، وسألتني إن كنت أعرف صاحبه كانت مفاجأةً لي أن أرى «كشكول الرسام» وقد وصل إلى أحد أرفف هذا البيت الريفي في تلك القرية النائية.
«طبعًا أعرف مؤلفه، محيي الدين اللباد، أحد أهم رسامي الكاريكاتير وتصميم أغلفة الكتب، ليس في مصر فقط، بل في العالم العربي...» وخانتني ألمانيتي في ترجمة المثل الشعبي المصري «ابن الوز عوام»، وأنا أذكر لها، استطرادًا، أن ابن صاحب الكتاب، صديقٌ لي، تخرج معي في كلية الفنون الجميلة التي تخرج فيها أبوه سنة 1962، ويعمل في نفس مجال أبيه، الذي ترك بصماته، ليس على أغلفة الكتب وصفحات المجلات والجرائد فحسب، بل على أذهان وخيال أجيالٍ من الأطفال والكبار.
في عالمنا العربي، وحتى وقتٍ قريب، حين كانت تُذكر كلمة «فن» أو «فنان» في السياق التشكيلي/البصري، يُفهم، غالبًا، ذلك النوع من الإنتاج الفني المحصور عادةً في اللوحة والتمثال، الذي يُعرض في صالاتٍ خاصة يرتادها صفوة المثقفين ومقتنو الأعمال الفنية تلك، في إغفالٍ جاهلٍ لمجالاتٍ وحقولٍ عديدة تؤثر في الذوق البصري للعامة، رغم كونها في الظل، ويُنظر إليها عادةً كأنها درجة أقل من «الفن». هذا الفهم القاصر كان نتيجة الجهل العام وانحصار الثقافة التشكيلية على فئاتٍ محدودة ومنغلقة على نفسها، ولا تخلو من شبهة النظر بفوقيةٍ على من لا يشاركها هذا الاهتمام.
منذ بداياته، ورغم أنه درس الفن في قسم التصوير بالفنون الجميلة، القسم الذي يدخله من يحلم بأن يكون فنانًا ممارسًا للفن (الخالص)، حسم محيي الدين اللباد طريقه واختار الظل. أراد أن يؤسس لأبجديةٍ بصرية يخاطب بها جموع العامة، أطفالًا وكبارًا، وكان يرجو منها أن تكون بمثابة محوٍ للأمية البصرية لوطنٍ بأكمله.
هذا الاختيار والوعي المبكر يقول الكثير عن فتىً كان يؤمن بقدراته الفنية والفكرية والإنسانية، قبل كل شيء ولكي نفهم طبيعة مشروع هذا الفنان ونقيّم إرثه البصري، ذلك الإرث الذي سوف يتحول، بمرور الزمن وبقانون تغيّرات الذوق والقيمة، إلى شهادةٍ على عصره، علينا أن ننظر في أبعاد هذا الهيكل الفني ومدخلاته، المحلية والعالمية، وحواره الإبداعي أو تقاطعاته مع هذه المدخلات.
نظرة سريعة على تطور فن غلاف الكتاب في أوروبا مع بدايات القرن العشرين وظهور المدارس الطليعية في الفن: التكعيبية، التجريدية، المستقبلية، وحركة دادا، ومدرسة الباوهاوس، تُظهر أنه لم يعد غلاف الكتاب لوحةً أو إعلانًا أو رسمًا يحكي قصةً كما كان من قبل، بل صار نظامًا بصريًا.
الحروف، الفراغ، اللون، التكوين… كلها عناصر متساوية تفرض منطقًا واضحًا ومقتصدًا. الكتاب منتج معرفي، وغلافه يجب أن يكون دقيقًا، عقلانيًا، وبلا زوائد.
تجسدت هذه الخصائص بوضوح في مدرسة «الشبكة» السويسرية، التي لم تهتم بالمضمون الأدبي بقدر ما اهتمت بالنظام والوضوح والهدوء البصري.
غير أن هذا الانضباط، الذي كان امتدادًا لفكرة الحداثة، بإيمانها بالعقل والنظام، سوف يهتز بعنفٍ في الستينيات والسبعينيات بظهور فكر ما بعد الحداثة، الذي شكّل انقلابًا على العقل، وشكك في كل مسلّمات الحداثة التي زعزعتها مأساة الحرب العالمية الثانية، فكان استدعاء عناصر المفارقة والغموض والخطأ المقصود والتشويش والصدمة… ليصير غلاف الكتاب موقفًا، لا نظامًا.
لم يعد الهدف غلافًا جميلًا أو منسقًا، بل فكرة صار الغلاف مفاهيميًا، بمعنى أنه لا يشرح النص، بل يضعه في إطارٍ فكري. اليوم، في القرن الحادي والعشرين، لم تعد هناك مدرسة واحدة مهيمنة.
المصمم الأوروبي يتحرك بحرية بين الباوهاوس، والشبكة، والتعبيرية، والتجريب الرقمي. لكن الأثر العميق لهذه المدارس ما زال حاضرًا غلاف الكتاب الأوروبي المعاصر هو نتيجة هذا التاريخ المتراكم: طبقات من التفكير البصري، وهو ما يجعل الغلاف، اليوم، نصًا موازيًا للنص المكتوب، لا خادمًا له.
أما في عالمنا العربي، ومع اتساع سوق النشر وظهور الرواية وانتشار السلاسل الشعبية في الأربعينيات والخمسينيات، بدأت الصورة تتسلل على استحياءٍ إلى الغلاف كنوعٍ من الزينة: لوحة أو مشهدًا دراميًا مرسومًا يشرح النص بدل أن يجاوره في تلك المرحلة كان الرسام أهم من المصمم، وكان الذوق السينمائي الشعبي هو المرجعية، وغابت أي محاولة لبناء نظامٍ بصري واعٍ أو لغة تصميم متماسكة.
مع الستينيات والسبعينيات، ومع دخول الدولة كمنتِجٍ ثقافي عبر مؤسسات النشر الرسمية، ظهر شكل آخر من الغلاف أكثر انضباطًا وأقل فوضى، لكنه أكثر برودة. توحّدت أشكال السلاسل، وانتظمت العناصر، واختفت المبالغة التجارية، لكن الغلاف أصبح بيروقراطيًا، على المستوى البصري، يؤدي وظيفة التعريف لا مهمة التفكير.
لم يكن رديئًا بالضرورة، لكنه كان محايدًا، خاليًا من الجرأة، يفتقر إلى الحس التأويلي. ظل الغلاف في تلك المرحلة تابعًا، لا شريكًا، ومكمّلًا شكليًا، لا خطابًا موازيًا. هنا تحديدًا جاء اللباد، لا ليُحسّن شكل الغلاف، بل ليعيد تعريفه تعامل اللباد مع الغلاف بوصفه قراءة.
لم يرَ فيه مساحةً للتزيين، ولا مجرد واجهة بيع، بل عتبةً فكرية وبصرية للنص قرأ الكتاب أولًا، ثم صاغ موقفه منه بصريًا استوعب منجزات الحداثة الأوروبية، من الباوهاوس إلى التصميم السويسري، ومن الكولاج إلى الاقتصاد الشكلي، أو المينيمالية. لم يتبنَّ اللباد أيًا من تلك المنطلقات ولم يرفضها في الوقت نفسه، ولكنه بدأ من مكانٍ آخر تمامًا: من المخزون البصري المحلي الراكد، ماضيًا كان أم حاضرًا. لكن المفارقة الهامة أن منهج اللباد تقاطع مع المنجز الغربي في أعلى مستوياته المفاهيمية. فبالنظر إلى الجغرافيا التي وُلد فيها والثقافة التي شكّلته، كان سابقًا لزمنه.
كان ما بعد حداثيًّا في تعامله مع مفردات التراث العربي والإسلامي، وكذا مفردات الواقع اليومي الرخيصة التي اعتمد عليها مشروعه البصري. الغلاف عنده ليس صورةً جميلة، بل فكرة، غير أنه رفض أن تكون هذه الفكرة محايدة أو منزوعة السياق غلاف اللباد لم يُبنَ على شبكةٍ هندسية صارمة وباردة، بل على طبقاتٍ رمزية، وعلى وعيٍ عميق بالتراث البصري الشرقي. وكأنه كان يقول ضمنيًا: لا يوجد غلاف، بل مكان هوية.
هذا وجهٌ واحد من الوجوه العديدة لهذا الفنان. فالمساحة هنا لا تتسع لتناول الكاتب فيه، أو رسام الكاريكاتير، أو رسام كتب الأطفال، أو «صانع الكتب»، بشمولية المعنى، والذي يتضمن «الخطاط»، بالمفهوم الشرقي، والرسام، بمفهوم أصحاب المهنة، أي الفنان الذي يعتمد عمله أساسًا على الخط، لا على مساحات اللون المجانية.
وهنا يستوقفني أحد أغلفة كتابه «نظر» الأربعة، حيث تحوّل الخط، أي الرسم، إلى لون. لونٌ أوحد، طاغي الكثافة والجمال والرقة، والصرامة والدقة، في الوقت ذاته.
كل غلاف هو تجربة قائمة بذاتها مفاجأة الأمر الذي يشير، بغير شك، إلى طاقةٍ فنية لا تركن إلى مهاراتها وخبراتها أو إنجازاتها السابقة ثمة صدقٌ يشع من كل غلاف بما يحمله من رؤية، بحيث يصعب ربطه بتجربةٍ سابقة، أو التنبؤ بما سيفعله في تجربةٍ لاحقة ونقف طويلًا أمام غلاف كتاب «حجرتان وصالة» لإبراهيم أصلان، ونندهش لتلك الجرأة التي فرشت صفحة وفيات الجريدة على الغلاف كله، وبعثرت فوقه رسمًا لعلبة كبريت وغطاء زجاجة البيبسي، وطبق صيني مكسور ليضعنا في متاهة الربط الفني بين هذه العناصر البسيطة والحزينة، ربما، والتي لا ينتبه إليها أحد في الواقع، وبين اللوحة الاجتماعية المصغرة لحياة الطبقة الشعبية التي يتناولها الكتاب.
الفنان الخالص، الذي رفض أن يكونه محيي الدين اللباد حين اختار الظل، صار، رغمًا عنه، فنانًا خالصًا في نهاية مشواره. صار ضوءًا، ما زال علينا، بعد مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على رحيله، أن ننظر في انشطاراته، إن كان في وجهنا نظر.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







