جدي

أخبار الأدب
أخبار الأدب


ليلى اللباد

كنتُ أعتقد عندما كنتُ صغيرة أن كل الأجداد يرسمون، ولديهم مكاتب خشبية متينة تكتظ أسطحها بالفرش والأقلام الملونة الجميلة، وعلب الحبر المكتوب عليها بالحروف اللاتينية التى كانت ألغازاً بالنسبة لي، وكل أنواع الأوراق التى يمكن تخيله إلى أن فهمت أن لديّ جداً مميزاً، وليس كالباقين.

كان عندى إحساسٌ أنه متأهبٌ دائماً لزيارة غرفة مكتبه فى بيته، متشوقاً للرسم والكتابة أظن أننى حظيتُ برؤية جانب لم يره أحد من جدي: كان رجلاً جدياً، يقدس عمله ولا يراه منفصلاً أبداً عن كيانه، والذى «ينظر» بنفاذٍ خاص للمعانى فى كل ما حوله، لكنه كان يتحول من هذا الرجل الجاد إلى شخصٍ متخففٍ مرحٍ ومتباسط تماماً عندما كنتُ أزوره فى كل مرة.

كنتُ أجعله يؤدى معى أدواراً تمثيلية من خيال طفلة، وألقنه الحوار، وأعدّل بصرامة على أدائه للشخصية، وكان يستجيب ضاحكاً وبانصياعٍ تام لتوجيهاتي.. نشاهد التلفزيون سوياً، أو أريه الحركات الجديدة التى تعلمتها فى تمرين الجمباز.

لم أكن أتابعه فى تفاصيل دقيقة تتعلق بالعمل كثيراً، لكنى كنتُ أعرف أنه يصبح أكثر «تسيّباً» بكثير معي، وأنى حصرياً أحظى بكثير من «الدلع» الذى ليس من المعتاد أن يحصل عليه الآخرون من محيى الدين اللباد.

وكما فى غرفتى الخاصة، حملتُ هذا الإرث معى إلى غرفتى الجامعية، التى تبعد عن غرفتى آلاف الأميال وفى قارة أخرى: مكاتب خشبية متينة، تكتظ أسطحها بالفرش والأقلام الملونة الجميلة، وعلب الحبر المكتوب عليها بالحروف اللاتينية التى أصبحت الآن مقروءة ومفهومة بالنسبة لي، وكل أنواع الأوراق الممكنة.

أمام المكتب، كرسى موضوع بعناية، ينتظرنى أن أزوره من وقت إلى آخر.. ولأجد نفسى كقطعة «البازل» التى وُضعت فى مكانها أخيراً.