محمد شعير
لم يعرف يوماً القوالب الجاهزة، ولم يقبل أن يُحبس فى تعريف واحد هل هو صانع كتب؟ أم رسّام كاريكاتير؟ أم مصمّم جرافيك؟ أم مؤلف للأطفال؟ كان اللباد كل ذلك معاً، لأن هذه الحقول – فى نظره – لا تتجاور فحسب، بل يُكمل بعضها بعضاً. لقد كان «سبيكة من الفن»، منحازاً منذ طفولته إلى فكرة واحدة اكتشفها مع مجلة «سندباد»: «أن الفن الحقيقى هو ذاك الذى يكون متسقاً، مقنعاً، وحقيقياً».
تميّز اللباد بثقافة واسعة ونادرة، جعلته أكثر من فنان بارع؛ كان مثقفاً بصرياً من الطراز الأول، مشغولاً بأسئلة الهوية، وبنقد الخطاب البصرى العربى المرتبك، وبمحاولة تحرير الفن من التبعية العمياء للنماذج الغربية، لا عبر القطيعة، بل عبر الفهم والاختيار الواعي. فى كتبه ورسومه وتصميماته، اشتغل على مشروع واضح المعالم: تثقيف العين وتربية الذوق، ورفض القبح، والإيمان بأن البصر لغة إنسانية جامعة، لا تقل أهمية عن الكلمة، خاصة فى مجتمعات تعانى من الأمية البصرية قبل الأبجدية.
وانحيازه للطفل لم يكن هامشياً ولا عاطفياً، بل كان رهاناً على المستقبل آمن اللباد بأن الطفل الذى يتلقى اليوم رسائل بصرية مفككة، سيحمل أثرها طويلاً، لذلك قدّم كتباً للأطفال تمزج بين المعرفة والمتعة، وبين الكلمة والصورة، واضعاً خبرته كلها فى خدمة بناء ذاكرة بصرية سليمة.
كان أحد أحلام اللباد أن يرى فى مصر متحفاً للعلامات البصرية، لوجهات المنتجات القديمة، والملصقات وأفيشات الأفلام، وعلامات خاصة على فترات سابقة، وأن يضم المتحف جزءاً للكاريكاتور.
حكى اللباد أنه عندما كان يعمل على كتاب عن صديقه وأستاذه الراحل حسن فؤاد اكتشف عدم وجود الكثير من أعماله، ولكنه اكتشف فى بيت الراحل، جناحاً من الرسائل البصرية – التى تحتاج إلى حفظ وأرشفة وتوثيق، ونفس الشيء بالنسبة لأستاذه بيكار، وكذلك للفنان صاروخان. ليس فقط جمع رسوماتهم بل كل ما يتعلق بالفترة الزمنية السابقة من ملصقات وعلامات وإعلانات وعلامات بصرية تركت تأثيرها فى ذاكرة الكثيرين، وكثير منها موجود بالفعل لدى عائلات الفنانين ويريدون التبرع به، قبل أن تتسرب – كأشياء كثيرة – إلى الخارج!
كان اللباد يرى أن أوروبا تحرص على جمع كل العلامات القديمة الخاصة بنا.. وجرائدنا ومجلاتنا القديمة وتحتفظ بها فى أرشيفاتها بينما مصيرها النسيان والإهمال فى ثقافتنا. وقد حكى فى أحد كتبه عن إعجابه برسمة قديمة لأبوزيد الهلالى يستخدمها أحد رجال الأعمال السوريين فى ملصقاته أرسل إليه يسأله عنها، وأجابه رجل الأعمال السورى بأن شركة يابانية هى صاحبة التصميم، فأرسل لليابان يسأل، وبعدما أرسل إليهم مبلغاً معيناً أرسلوا إليه الصورة.
وكان حلمه أن يجمع المتحف كل هذه الأشياء التى تتبدد.. وأن يجمع المتحف أيضاً أصول رسومات الكاريكاتور للفنانين الكبار التى بددت.
أن اختيار اللباد شخصية لمعرض كتب الأطفال، تكريم لفنان استثنائي، رأى فى الطفل أمل الفن، وأمل الثقافة، وأمل استعادة علاقتنا الصادقة بالصورة والمعنى.
فى هذا الملف، نحتفى بصاحب «نظر»، نحتفى بالمغامرة، والمثابرة والثقافة المتشعبة، نحتفى بفنان لم يترك لنا رسوماً فحسب، بل ترك لنا «دستوراً بصرياً» يحترم ذكاء الطفل ويغذى خياله.
نحتفى بـ«الأسطى» اللقب الذى كان يحبه – كما يقول صنع الله إبراهيم- وربما كان أعز عليه من كل جوائز الدنيا.
ونحتفى باللباد، ونستحضر أحلامه، ربما تكون بداية لتحويل حلمه بتأسيس متحف يسهم فى حفظ ذاكرتنا البصرية.
هل يمكن أن نحقق للباد هذا الحلم؟ أم يظل مجرد أمنية، وحلم مؤجل كغيره من الأحلام؟
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







