العودة إلى مصر

فلاديمير شاروف
فلاديمير شاروف


فلاديمير شاروف


ها هى رسالة تثير الأسى آتية من كازاخستان، خطَّتها سونيا بيدها، ثمة خطب ما جرى هناك رحل كوليا ابن ماشا لمثواه الأخير جمعت الحياة بينه وبين سونيا وعاش معها على مدار أكثر من ربع قرن تحت سقف بيت واحد، على تخوم الصحراء.

الآن تكتب فى رسالتها أنها دفنت زوجها، وإذا شاءت الأقدار، فإنها ستعود إلى موسكو ما إن يقترب حلول فصل الخريف أكدت سونيا فى رسالتها أن زوجها كوليا مات جراء إصابته بمرض فى الرئة.

أكدت على تكرار شكاوى كوليا فى الآونة الأخيرة من معاناته من انقباضات صدرية، وتورم فى قدميه، إلا أن مظهره رغم ذلك لم يوحِ بأنه يعاني، بل على ما يرام تمامًا، لا تفارقه روحه المرحة. وكالعادة، خرج صباحًا للنزهة، قبيل الإفطار، لكنه سقط من فوره بمجرد أن تجاوز الشرفة.



كانت سونيا فى تلك اللحظة فى البستان، تقشر الجزر، ظنت بداية أن كوليا أصيب بجزع فى قدمه، فهرعت على الفور لنجدته. لم يسعفها الوقت، فقد فارق الحياة.

كانت حرارة الجو مرتفعة للغاية، ربما وصلت إلى أربعين درجة مئوية، إن لم تكن أعلى من ذلك، ربما عجز قلبه عن التحمل. يمكن القول إنه لم يكابد سكرات الموت، ولم يرقد فى فراش المرض.

ها هى سونيا تكتب أن الحياة تغدر بها وتُذيقها كأس العذاب. زاد وزن كوليا على نحو ملحوظ مع دخوله مرحلة الشيخوخة، لدرجة أنها قضت قرابة الساعتين تجر جثته جاهدة إلى البيت، وساعة أخرى عاجزة عن رفعه إلى السرير. لكنها نجحت فى النهاية، ثم جلست إلى جواره. انتابتها رغبة شديدة أن تنفجر باكية، لكن دموعها أبت من فرط الإنهاك الذى أصابها، أو ربما لأنها باتت وحيدة، فاكتفت بالجلوس فى صمت، لتتدبر ماذا يتوجب عليها أن تفعل.

كان جليًّا أن عليها فى مثل هذا القيظ أن تعجِّل بدفن كوليا، قبل حلول المساء التالي أما الانتظار، على أمل ظهور من يعينها، فى تلك الأثناء، فى الدرب المجاور المهجور، فليس سوى حماقة.

فقد خاصمته السيارات منذ قديم، أما الرواد من البشر إذا ظهروا، فهذا أمر نادر الحدوث لا جدوى من المراهنة على هذا. يظهر الكازاخيون مع قطعانهم لترعى فى يونيو على أراضيهم ظهورًا نادرًا مثل ضيف عزيز. لديهم قناعة بندرة العشب فى فصل الصيف هنا، فضلاً عن أنهم يعدونه ضارًّا حال وُجد، يسوقون أغنامهم للرعى قبيل فصل الخريف، على مدار شهرين أو ثلاثة أشهر، قبل تساقط الثلوج.

أدركت سونيا، بعد أن درست الموقف مليًّا، أن عليها دفن كوليا بنفسها دون عون من أحد، ورفعت أصبعيها بعلامة النصر، على سبيل التفاؤل أنها ستفعلها. انهار النعش على الفور- فلم تتوافر ألواح خشب مناسبة، ومسألة العثور عليها بدت عسيرة، حيث من الصعب أن تجد ما يناسب الغرض، ولم يكن لها أن تقدر مطلقًا على حمل كوليا فى نعش حتى مثواه فى القبر.

لم يبقَ لها سوى أن تدفنه كما كان متبعًا منذ قديم فى الصحراء، أى دون نعش، فى كفن من الكتان. لم يكن من الصعب عليها حياكة الكفن من الملاءات التى يرقد عليها كوليا فى تلك اللحظة، وليست مضطرة من ثم إلى دفع الجسد ودحرجته وإيذائه بالطبع لم تكن هناك مقابر قريبة فى البيت، وفى البستان، وفى كافة الأنحاء، على مرمى البصر، تربة مستوية صلبة، من الصعب حفرها فى منتصف الصيف بفأس.

لم تنشغل فقط بالمكان المناسب كى توارى جثة كوليا وكيفية دفنه، ولكن سقطت دموعها جراء شعورها أنها ستغدو مجددًا وحيدة حين مات زوجها الأول، الدكتور فيزيمسكي، تزوجها كوليا، وعاشا معًا على مدار ثلاثين عامًا، حياة يمكن وصفها بالطيِّبة، والآن راح كوليا، ولن يرافقها أحد بقية رحلتها، وستصير وحيدة للأبد على أية حال، ليس أمامها سوى البقاء هنا فى هذا البيت الريفى أو العودة إلى موسكو.

لا يزال ألم فراق كوليا حيًّا فى قلبها، لكن إحساسها بالعجز وقلة الحيلة والأسف على نفسها كان أكبر، علمت بينما لا تزال بعدُ فتاة صغيرة، أن هذا العالم قام على منطق يجعل الإنسان، هنا، فى هذه الحياة، أغلب الوقت وحيدًا، أما هناك فى الحياة الأخرى – حتى مع استبعاد الرب من الحسبة – ستجد العديد من البشر ممن أحبوك، والآن سيشعرون بسعادة لقدومك.

أما فيما يخص أمر القبر، فلن تستطيع أن تحفره سوى فى البستان، الذى تولى كوليا رعايته. التربة هنا سميكة، رخوة، حتى وقت الجفاف الشديد قررت سونيا أن تحفر تحت شجرة التفاح العتيقة، التى علقت على فروعها أرجوحة كوليا منذ أمد بعيد. عادة ما كان يجلس هنا للاسترخاء وقراءة الرسائل والرد عليها بعد تناول الغداء.

تساءلت سونيا كيف لها أن تنقله عبر المسافة من البيت إلى القبر أيقنت أن الخيار الأفضل هو المرتبة، مع لفها بأحزمة من قطع المشمع، ثم ربطه بطول جسده بأشرطة عريضة لتواريه، كأنه فوق زلاجات، ثم تجره.

وبعد أن اعتمدت هذه الخطوات، جلست قليلاً إلى جوار كوليا لتودعه بكلمات مؤثرة، لكن لم تكن تملك من الوقت إلا القدر القليل، سحبت من الرف خيطًا وإبرة، وشرعت فى الحال، بينما واصلت الحديث مع كوليا.

بداية، وكأنها تصنع خيمة، خاطت ملاءة حول جسد زوجها، ولأجل متانة الصنع، خاطت الكفن حول المرتبة فى ثلاث طبقات، وما لبثت أن نزعت قطعة كاملة من المشمع، وبرحت تقطع الأحزمة والأشرطة.

أتمت عملها تحت أضواء الشموع، وحملت الفأس ثم اتجهت إلى البستان. خلال يومين، سيصير القمر بدرًا، إضافة لذلك، وكما هو معتاد فى الصحراء، يكون الليل صافيًا، النجوم مكتملة عفية، مثل حبات البندق، وقريبة جدًّا تكاد تمسكها بيديك.

وبفضل هذا الضوء الباهر، يمكن رؤية كل وريقة وغصين حفرت سونيا القبر طوال الليل، وامتد عملها طويلاً حتى أدركها الشروق. ربما كان بمقدورها العمل بوتيرة أسرع، ولكن التراب الذى تراكم فى كومة على محيط الحفرة كان يتهاوى معاودًا السقوط فيها كلما علت الكومة، وهو ما استدعى إخراجه مجددًا مرة بعد مرة. ورغم كل هذا العناء، تبيَّن أن القبر ما زال بعدُ صغيرًا، فضلاً عن كونه ضيقًا، وبالأخص أنها قررت دفن كوليا مع المرتبة.

لكن قواها بالفعل قد خارت، فحدَّثت سونيا نفسها أن عليها أن تغطى القبر بقطع من الحجر الجيرى حتى لا تطول الذئاب كوليا فى فصل الشتاء. عند حلول الظهيرة، عادت سونيا أدراجها إلى البيت، أكلت، ثم استلقت على البساط بجوار السرير، وقضت وقت القيظ نائمة كالموتى.

كتبت سونيا أن نجاحها فى إنهاء عملية الدفن بمثابة جائزة تُوِّجت بها جرَّاء التخطيط والتنفيذ بشكل سليم، سحبت جسد كوليا بحرص على المرتبة من السرير وعبر الدرج.

مرَّ الوقت ثقيلاً بطيئًا؛ نظرًا لأنها جاهدت بقدر ما استطاعت أن تتفادى جذور الأشجار الأخرى فى طريقها، ولأنها احتاجت للتوقف لالتقاط أنفاسها، حتى تمكنت من جره لغايتها عند شجرة التفاح.

أثناء انهماكها فى العمل، فكرت مليًّا كيف لها أن تتحايل بفطنة حتى لا يسقط كوليا، وتُنزل جسده برفق وسلام إلى القبر، لكنها لم تتوصل لشيء.

ومع ذلك، شكرًا للرَّب، مرَّ الأمر بسلام تدحرجت المرتبة فوق كومة التراب الناجم عن الحفر كأنها تسير على عجل.

صار القبر جراء ذلك أصغر حجمًا هنا أصابت حين قالت إن هذا هو أقل الشرور الشيء الوحيد الذى أخفقت سونيا فى تحقيقه هو تشكيل ربوة مستوية من التراب؛ لأنها كانت عوجاء، شأنها شأن الصليب الذى غرسته فى التربة.