نوارة نجم
الصفعة
انتبه محمد صفى بن ميرزا حسن القماش على رنين صفعة يراها فى أحلامه بين الفينة والأخرى لهث متعرقا، يشعر بحرارة كف على خده، يتحسس وجنته كان قد انصرف عن غرفته الوثيرة لينام على سطح المنزل تحت العريشة، متعللا بحرارة أجواء الربيع، مواريا أرقه الذى يزداد مع اقتراب يوم عرسه على ابنة عمه الهاجعة فى سويداء قلبه.
مع دنو يوم العرس أصبح يبالغ فى إظهار المرح ليخفى قلقه فوالده ميرزا حسن المعروف بتقواه ولطفه، يتخلى عن حيائه كلما هم بتزويج أحد أبنائه، وبلا ورع أو تورع يطرح ببذاءة استفهامات حول الفحولة، ملاحقا الابن بتساؤلات ترفع حرارة الأذنين فيضحك لاحمرارهما معقبا: «بنات الناس لسن لعبة، وشرف العائلة لا يمكن المجازفة به» لم يفهم صفى سر قلق الوالد من تلك المعضلة.
لم يأتِ السلوك نفسه مع يانعة ووطفاء أختيه، فقد زوّجهما لخيرَة السادة دون أن يتساءل عما يؤرق العائلات وأبناء البيوتات ضنّ بهما على من أخذهما، وناصب الرجلين الصالحين العداء كأنهما سلباه قلبه، بل إنه طالما نصح ابنتيه بالطلاق كلما زارته إحداهما، معقبا بأن ابنته فقدت الكثير من وزنها ورونقها، متسائلا فى إلحاح إن كانت قد أتت إلى بيت والدها لأن زوجها قد أغضبها، مشددا عليها بألا تخفى شيئا عنه، فتضحك الابنة فى دلال وتطمئن والدها بأنه اختار لها نعم الرجل، فيربد وجهه وهو يتمتم: «نعم الرجل.. تالله لقد تعجلت على البنت، ما زالت صغيرة».
أما الذكور، وثالثهم محمد صفي، فإن ميرزا حسن يركض بهم نحو بنات العمومة لإزاحتهم من البيت.

دفع محمد صفى جسده دفعا ليعتدل على فراشه وهو يتحسس وجنته اليسرى المصفوعة فى الرؤيا المنامية. ماذا الآن؟ لماذا تأتيه جدته وتصفعه قبيل عرسه؟ هل تحذره من الإقدام على الزواج؟ هل هو عنين حقّا؟ هل هناك ما يشوب ابنة عمه؟ لكنها جميلة، وربة منزل من الطراز الأول، ومهذبة، وصبية، يلاحقه بصرها بوله.
مد ساقيه عنوة لتلامس أرض السطح أشعلت شمس إبريل البغدادية الأرض حتى أصبحت فى حرارة التنور فألهبت باطن قدميه رفعهما بسرعة ووضعهما فى زوج نعل فارسيين مزركشين اختلط فيهما اللون الأزرق الفارسى بالنبيذى القانى يفصل بين اللونين، القصب الذهبى المشغول بعناية تأمل محمد صفى زوج النعل وتعرجاته، ابتسم وتمتم: خيرا إن شاء الله.
نزل الدرج الخشبى الضيق المؤدى إلى باحة البيت المبلطة بالقيشانى الملون باللونين السماوى والأحمر الكرزي، تتوسطه فسقية مبلطة بقيشانى باللون العاجى نقشت عليه رسوم فارسية بلون الزيتون. رائحة ماء الفسقية تتزاوج مع رائحة الريحان المهتز بعجب فى أوانيه الفخارية المملوءة بالطين الخصب.
وضع رأسه تحت النافورة ليسكن حرارة اشتعلت بلهيب الشمس والقلق قطع صوت خرير الماء صيحات يانعة؛ أخته الكبرى الحبلى، محتفلة، مستنهضة صاحب العرس الذى استيقظ متأخرا تنظر إليه من شرفة الحرملك الخشبية، وهى تضاحكه لتخفف من وطأة خبر تأفف والدهما بسبب تأخره فى النوم؛ إذ ينتظره ليزور به العتبات المقدسة قبل الزفاف.
ـ ولماذا علينا زيارة العتبات والسفر فى هذا الجو القائظ؟ هذا شهر عرسي.
استدارت عينا «يانعة»، العسليتان كثيفتا الأهداب، وهى تضع كفها اليسرى على بطنها المنتفخ، وتضم أصابع يدها اليمنى على فمها فى ذهول: ويحك أخي.. لنيل البركة.
ـ أما تكفى بركة الإمام موسى الكاظم؟ فهو على مرمى البصر.
جاء صوت سعال ميرزا حسن من عمق بهو البيت الداخلى فضربت يانعة بكفها على فمها عدة مرات، ثم اختفت خلف النافذة الخشبية.
ميرزا حسن؛ لا يناديه أحد خارج بيته بهذا اللقب، الحاج حسن هو اسمه بين الزبائن وصحبته من التجار، فارع الطول، ناحل الخصر، عريض الصدر، برونزى البشرة، وجهه مشرب بالحمرة، كث الحاجبين، كثيف الشعر، لم يتسرب إليه شيب لا فى رأس فاحم السواد ولا فى لحية، بالرغم من تجاوزه الستين بعام أو اثنين.
تظاهر ميرزا حسن بتجاهل ما ترامى إلى سمعه. اقترب من صفى ماسحا على ظهره داعيا له بالبركة، شرد ببصره بعيدا وهو يعدد له مهام اليوم: «سوف نمر لنيل البركة الدنيوية من على باشا الكهية؛ حاكم بغداد، ونقدم له الهدايا ليمنَّ علينا بحضوره عرسك فى نهاية الشهر الجارى يا ولدي، ثم نعرج على العتبات المقدسة لتأخذ البركة الحقة من الإمام ابن الوصي».
دارت كل الاعتراضات والثورات والفورات فى عقل محمد صفي، لكنها انطبعت على وجهه ابتسامة حيية وإيماءة رأس. فواصل ميرزا حسن: «نبيت عند الإمام، ثم تعود من العتبات على حمامك».
دخل إلى الباحة محمد العلي؛ الأخ الأكبر لمحمد صفي، يناديه كل من بالبيت باسم «علي» اختصارا يحمل حقيبة قماشية سوداء مرصعة بالمرايا الدائرية الصغيرة، ومطرزة بالحرير الأخضر، وهو يخطب فى صوت جهورى صاخب المرح: «بل يأخذ حماما بجوار الإمام قبل أن يأخذ حمامه هنا، وسنأخذ معنا ثوب العرس لينال مسحة المقام».
هاجت الصيحات فى رأس صفي: «آخذ حمامى فى كربلاء فى يوم الغدير المزدحم، وألطخ ثوبى على حديد المقام الذى يضع المريض والمتسول وجهيْهما.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







