جليلة القاضى
صباح يوم رمادى خاصمته أشعة الشمس، وقفت سيارة المطافئ الحمراء أمام مطعم «شى فادى»، يحوطها بعض رجال الإطفاء، لفت نظرها سيدة قصيرة وممتلئة بعض الشىء تتحدث معهم وهى تشوِّح بيديها؛ رجال آخرون يدخلون ويخرجون من المطعم، يتبادلون الحديث مع رجال الإطفاء، نقالة فارغة مرفوعة على عجلات تقبع بجانب السيارة، اختفت، عاودت الظهور حاملة كبسولة حمراء مغلقة يبرز منها كفان معقودان على البطن؛ ظلت هكذا فى الهواء الطلق بجوار سيارة المطافئ والجميع منهمك فى أحاديث لا تنتهى.. ملت من مراقبتهم، تركت الشرفة.
تطل شرفة الشقة التى اكترتها فى مجموعة «لا سورس» السكنية، على بركة أو بحيرة «تو» وهى من أكبر المسطحات المائية المالحة فى الجنوب الفرنسى، يفصلها عن البحر المتوسط شريط رملى ضيق.
فى هذا المكان، تضافرت الجغرافيا مع الطبيعة لتصنع مشهدا بانوراميا فريدا لا تمل من مشاهدته يمتد أمامها مسطح البحيرة الرائق كالبساط حتى الأفق، تعانقه كتل جبلية واطئة ترقد عند سفحها تجمعات سكنية ريفية تتخللها أشجار كثيفة.

عند هذه البقعة، تتوارى الشمس كل يوم فى الغروب ملقية ضوءا على الجبال يرسم لوحة مذهلة من الألوان. على الضفة الأخرى، يوازى البحيرة ممشى طويل يضم العديد من المقاهى والمطاعم منهم مطعمان على مرمى قدم من مسكنها.
الأقرب، بمحاذاة الممشى، «شى فادى» أى عند فادى، على بعد عدة أمتار منه، داخل حرم البحيرة، أحد العلامات المميزة للمكان، «لا جانجيت». كان اسم جانجيت يُطلق فى الماضى على الكازينوهات أو الكاباريهات الشعبية الواقعة على شواطئ الأنهار والبحيرات الفرنسية، ما زال بعضها موجودا حتى يومنا هذا.
فى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى اكتسبت شهرة واسعة لظهورها فى أفلام كثيرة، لعب فيها أدوار البطولة كبار الممثلين أمثال جان جابان وايف مونتان؛ إلا أن أشهرها على الإطلاق الفيلم الفرنسى الإيطالى المشترك «جانجيت» المُنتَج عام١٩٥٩ وبطولة النجمة جيجى جانمار، أبرز راقصات الباليه والميوزيك هول فى أوروبا فى تلك الحقبة.
لكم تمنت أن تتاح لها الفرصة للذهاب إلى جانجيت، ها هى أتت اليها، فى سياق مختلف، متمثلة فى هذا المكعب الزجاجى المغلق برواده من الوجهاء، على عكس المسطحات الرحبة المفتوحة القديمة بخلطتها الاجتماعية الفريدة من النبلاء والدهماء.
رحلت عربة المطافئ حاملة «الجثة ذات الرداء الأحمر»، حلقت أسراب طيور النورس المخيفة فى السماء وملأت الفضاء بنعيقها المنفر، أُخلى مطعم شى فادى وأُغلقت أبوابه لمدة عدة أشهر حتى قدوم فصل الربيع فى العام التالى.
أشرقت الشمس مع هبوب رياح عاتية لم تمنع سكان المدينة من الخروج أفواجا لنزهة نهاية الأسبوع على شاطئ البحيرة. تبعتهم بهدف حساب الوقت الذى ستستغرقه بين مسكنها ومركز العلاج الطبيعى الذى ستتردد عليه لمدة ثلاثة أسابيع.
بدا لها الطريق بلا نهاية، والرياح تدفع المشاة بقوة إلى الأمام تكاد تطيرهم فى الهواء مع أولى زخات للمطر الذى هبط خارج توقعات الأرصاد الجوية، فتحت شمسيتها، ناسية تحذير مندوبة الشركة العقارية لها عند تسليم الشقة: «ستطيرين مثل جولى آندروس فى فيلم مارى بوبنز».
انفصلت أقدامها عن الأرض ولحقت بطيور النورس.. تقبض بقوة على عصاة الشمسية والرياح تحملها عاليا، صرخاتها تتناثر فى الأثير، يتلاشى خوفها تدريجيا ليحل محله شعور بالانتشاء والتفوق، تفتح عينيها وتنظر لأسفل وهى تؤرجح سيقانها فى الهواء أثناء عبورها البحيرة، تتسارع ضربات قلبها عند اقترابها من اليابسة، تحط برفق على ممشى مدينة سات على الشط الآخر.
تستعيد اتزانها وتهدأ دقات قلبها مع تراجع سرعة الرياح وانقشاع السحب.. انهارت على مقعد حجرى لتستريح بعض الوقت وتفكر كيف ستقضى وقتها فى المدينة فى الساعات المتبقية قبل الغروب.
طفت على سطح ذاكرتها لقطات من زيارة سابقة لمدينة سات كانت قد طواها النسيان: ميناء الصيد؛ شبكة القنوات المائية التى تخترقها بحيث لُقِّبت بفينيسيا الجنوب؛ متحف الشاعر والمطرب ومؤلف الأغانى الأناركى جورج براسنز؛ صوره بجوار أيقونات الغناء فى فرنسا أمثال إيديث بياف وشارل أزنافور؛ كانت هناك أيضا صورة له مع جيجى جانمار.. لحظة تذكرها لتلك الأخيرة، حملت إليها الرياح صوتا أنثويا نبهها لوجود امرأة جالسة على الطرف الآخر للدكة الحجريّة.
كان حديثها يدور حول حادث الصباح.. أمعنت النظر جيدا، تعرفت على السيدة السمينة التى كانت تقف بجوار سيارة المطافئ وتتحدث بصوت عال مشوحة بذراعيها، فى الهواء وظفت حاسة سمعها تماما لسماع قصة الجثة ذات الرداء الأحمر.
علمت أنها لسيدة فى مقتبل العمر كانت تقطن بمفردها فى بناية شاطئية من دور واحد على بعد عدة خطوات من جانجيت، وأن أحد العاملين فى الكازينو، اعتاد أن يحمل إليها إفطارها كل صباح.. انتابه القلق حينما طرق الباب بدون استجابة.. سارع بالاتصال بالمطافئ التى حضرت على الفور وفتحت باب المسكن لتجد السيدة مسجاة على فراشها وقد فارقتها الحياة. أضافت جارة المقعد الحجرى، أن الجثة ترقد الآن فى المشرحة انتظارا للوصول إلى أحد أقربائها، أنهت حديثها بقولها إن هناك شبهة جنائية والبوليس يقوم بالتحقيق.
شعرت بالجوع، توجهت إلى أحد المطاعم المنتشرة على طول شاطئ البحيرة، جلست على طاولة فى مواجهتها وهى تفكر فى سردية وفاة المرأة الوحيدة، بدت لها غير مقنعة.. «العثور على قاتل غريقة لا جانجيت»! عنوان شد انتباهها فى إحدى صفحات الجريدة التى كان يقرؤها جارها فى الطاولة القريبة وتتلصص عليها من آن لآخر، اشرأبت بعنقها لتتمكن من قراءة العنوان الفرعى: «أكد تقرير الطب الشرعى أن الوفاة نتجت عن إسفيكسيا الغرق».. لاحظ جارها تلصصها، التفت إليها وشبه ابتسامة على شفتيه، أشار للنادل، دفع الحساب، أغلق الجريدة ، طواها.. وهو على أهبة الرحيل، نظر إليها بخبث مادا يده إليها بها، أعطاها ظهره وابتعد.
أخذ نظرها ينتقل بين السطور بدهشة شديدة: «صاحبة مطعم وكازينو جانجيت، غانية اسمها الحقيقى رينيه، أطلقت على نفسها اسم جانجيت مثل الكازينو الذى تحققت أمنية حياتها باقتنائه.
أقامت رينيه فى مبنى ملحق به مع صديقة لها وابنتها ماريز سرعان ما ذاع صيت جانجيت فى البلدة الصغيرة القابعة على شاطى البحيرة وتخطاها للبلدات المجاورة وكان الرواد يأتون إليه، خاصة فى عطلة نهاية الأسبوع من أماكن بعيدة لتميز برنامجه وأطعمته البحرية الشهية. كان لرينيه، صديق، اسمه ماركو يتاجر فى قطع غيار السيارات المسروقة، ارتبط بعلاقة مع ماريز.
فى يوم أتى ماركو بسيارة جاجوار مسروقة وأخفاها فى مبنى قديم مجاور كان يستعمله فى تخزين قطع غيار السيارات.. عندما هددته ماريز بفضح سرقته.. تم انتشال جثتها من البحيرة فى اليوم التالى من المشادة التى وقعت بينهما».
طوت الجريدة ووضعتها جانبا وهى فى حيرة بالغة من تطابق وقائع الحادث تماما مع فيلم جانجيت المنتج عام ١٩٥٩ بطولة جيجى جانمار.. يا لها من مفارقة عجيبة! التقطت الجريدة من على الطاولة، وقبل أن تضعها فى حقيبتها، وقع نظرها على تاريخ صدورها، ١٩٥٩.
تركت سات عند العصر عائدة إلى بلدتها. فى الحافلة، كانت رؤوس الركاب تتوارى خلف الجرائد المفرودة أمامهم، كلها تحمل تاريخ الجريدة المطوية داخل حقيبتها.
فى المقعد المواجه لها، امرأتان تتحدثان بصوت خفيض عن حادث غريقة لا جانجيت.. ترجلت من الحافلة ورأسها يموج بوقائع اليوم المدهشة.
ما إن وطأت أقدامها عتبة المنزل حتى سمعت جلبة آتية من ناحية الشرفة، كانت الشمس تستعد للرحيل وألوان الشفق تتلاشى تدريجيا.. أول ما وقع نظرها عليه، عربة نقل صغيرة تقف أمام مطعم شى فادى ورجل متوسط العمر ينقل داخله، بواسطة شاحنة نقل يدوية، كراتين تحتوى على قطع غيار للسيارات، عندما أفرغ محتوى السيارة، صفها فى المطعم الذى تحول إلى جراج ضم سيارتين أخريين، إحداهما كانت من ماركة جاجوار.
فى اليوم التالى، عثر هواة الغطس فى البحيرة على جثتها ترقد فى القاع.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







