الغربية: ماجدة شلبى
لم يكن بلال مجدي يعرف أن تلك المكالمة الهاتفية ستكون الأخيرة في حياته ولا أن الكلمات التي خرجت من قلبه المشتاق ستتحول إلى شهادة ضده يسمعها من لا قلب لهم فيحيكون منها خيط جريمة خططوا لها بحيلة خبيثة.
كان الصوت في الطرف الآخر هو صوت زوجته الدفء الوحيد الذي كان يحمله معه في غربته الطويلة قال لها بصوت حاول أن يجعله ثابتًا رغم الفرحة، «خلاص انا راجع النهارده يا حبيبتي بعد غياب ٣ شهور والحمد لله جمعت إيجار الشقة»، أغلق الهاتف وهو يبتسم ابتسامة رجل حلمه بسيط بيت صغير زوجة تنتظره وابنة لم يشبع من تأمل ملامحها لم يكن يطلب أكثر من ذلك لم يكن يعلم أن أذنين غادرتين كانتا تلتقطان كلماته وأن عيونًا امتلأت بالطمع بدأت تراقبه منذ تلك اللحظة.
بلال مجدي ابن محافظة الغربية لم يكن غريبًا عن الشقاء خرج للعمل بعيدًا عن أهله ليؤمّن حياة كريمة لأسرته وتحمّل الغياب وقسوة الأيام وساعات العمل الطويلة، ثلاثة أشهر كاملة لم يرَ فيها ابنته ولم يلمس يد زوجته ولم يسمع ضحكتهما إلا عبر هاتف بارد كان يعد الأيام لا ليعود بل ليطمئنهما أن تعبه لم يذهب سدى.
زملاؤه في العمل كانوا يعرفون أنه يدّخر كل جنيه كانوا يرونه لا ينفق إلا القليل ولا يشاركهم اللهو وحين سمعوا المكالمة تغيّر كل شيء لم يسمعوا شوقه ولا صدقه ولا خوفه على أسرته بل سمعوا فقط كلمة «فلوس».
التخطيط للجريمة
لم يكن بلال يتخيل أن من يعمل معهم ويشاركهم الخبز والوقت يمكن أن يتحولوا إلى وحوش في لحظة لكنه لاحظ نظراتهم وحديثهم الخافت وتقربهم المفاجئ ومع ذلك ظل قلبه أبيض يظن أن البشر لا يصلون إلى هذا الحد، لم يدرك أن هؤلاء في قلوبهم وُلدت نية سوداء.
في تلك الليلة تتبعوه اختاروا وقتًا يكون فيه وحده بعيدًا عن أعين الناس واجهوه طالبوه بأمواله صُدم. حاول أن يشرح أن يستعطف أن يقول إن هذه الأموال ليست له وحده إنها مستقبل طفلته وحق زوجته وعرق شهور من الغربة.
تمسّك بما في جيبه ليس عنادًا بل دفاعًا عن حلمه الوحيد.
لكنهم لم يسمعوا وحين قاوم تحولت السرقة إلى جريمة والطمع إلى دم.
سقط بلال لا لأنه ضعيف بل لأن الخيانة أقوى من أي قوة، تركوه ينزف بين الحياة والموت ثم فرّوا، ظانين أن الأمر انتهى وأن المال أهم من الإنسان.
بعد وقت تلقّى والده الحاج مجدي اتصالًا هاتفيًا قالوا له: إن ابنه تعرّض لسرقة واعتداء وأن حالته خطيرة. لم يفكر لم يسأل لم يصدق أن ابنه يمكن أن يكون في هذا الوضع خرج مسرعًا وقلبه يسبق قدميه يدعو الله أن يجده حيًا أن يمسك يده أن يقول له «قوم يا ابني».
وصل الأب إلى مكان الحادث رأى ابنه ممددًا شاحب الوجه بالكاد يتنفس. حمله بين ذراعيه كما كان يحمله صغيرًا وركض به إلى مستشفى بدر كان الأمل معلقًا بباب الطوارئ، لكن الصدمة كانت أقسى من الجرح نفسه.
رفضت المستشفى استقباله ليس لأن حالته ميئوس منها بل لأنه مصاب بفيروس «سي»!
وقف الأب مذهولًا لم يفهم هل المرض أصبح حكم إعدام؟ هل النزيف ينتظر أوراقًا؟ هل الروح تُقاس بتحليل؟
لم يكن هناك وقت للغضب أو النقاش الوقت كان ينزف مع دم بلال حملوه مرة أخرى ورجع به إلى محافظته وبلدته وصل بلال إلى مستشفى طنطا العام، الطريق كان طويلًا أطول من عمر بلال نفسه. الأب ينظر إلى وجه ابنه يكلّمه، يستحلفه أن يصمد أن يتذكر زوجته، طفلته، البيت الذي لم يرجع اليه بعد لكن بلال كان قد تعب، وصل إلى المستشفى.. وفور وصوله فارق الحياة.
توقف القلب الذي احتمل الغربة وتوقف الصوت الذي كان يطمئن زوجته وتوقفت الأحلام عند باب لم يُفتح لم يُمنح بلال فرصة أخيرة لا ليعيش ولا حتى ليدافع عن نفسه.
الزوجة تنهار
وصل الخبر إلى زوجته كالصاعقة. كانت تنتظر عودته بعد ثلاثة أشهر فاستقبلته في كفن. ابنة صغيرة ستكبر وهي تسمع أن أبيها كان طيبًا أكثر مما ينبغي وأنه مات لأنه دافع عن حقه، لا لأنه أخطأ.
أما الأب، فسيظل يسأل نفسه كل ليلة ماذا لو استقبلته المستشفى؟
ماذا لو وصل أسرع؟
ماذا لو لم يسمعوا تلك المكالمة؟
لكن «لو» لا تعيد الموتى.

كما أكدت شقيقة المجني عليه؛ أن بلال سافر إلى العمل بمدينة بدر منذ ثلاثة أشهر لم يأتِ يوما واحدا ليستريح ولكن كان شغله الشاغل هو تدبير (فلوس الإيجار) وتسديد احتياجات منزله وآخر مكالمه كانت بينه وزوجته طمأنها عليه وأكد لها أنه استطاع تجميع المبالغ المطلوبه للإيجار وكان سعيدًا بهذا للغاية ولكن القدر لم يمهله والغدر أخذه.

كما أضاف خال بلال؛ أنه تلقى اتصالا هاتفيًا يفيد بتعرض بلال للاعتداء والسرقة ولكنه كان لا يزال على قيد الحياة حاولوا إسعافه بكل الطرق ولكن كان للقدر رأي آخر وفارق بلال الحياة قبل دخول العمليات.
البلاغ وضبط الجناة
على الفور تحركت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية وتشكل فريق بحث رفيع المستوى بقيادة الرائد محمد العسال رئيس مباحث مركز طنطا بالاشتراك مع قوات مباحث مركز بدر ومن خلال تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بموقع الحادث تمكنت القوات من تحديد هوية الجناة وإلقاء القبض عليهم في وقت قياسي وبمواجهتهم اعترف المتهمون بارتكاب الجريمة بدافع السرقة مؤكدين أنهم سمعوه يتحدث عن «فلوس الإيجار» فقرروا التخلص منه والحصول على المال، قررت النيابة العامة حبسهم على ذمة التحقيقات.
قصة بلال مجدي ليست مجرد جريمة قتل، بل جرح مفتوح في ضمير المجتمع. حكاية شاب قُتل لأنه حلم بحياة كريمة وأب كُسر قلبه مرتين: مرة حين رأى ابنه ينزف ومرة حين رُفض إنقاذه.
وطفلة ستتعلم مبكرًا أن هذا العالم لا يرحم الطيبين.
رحم الله بلال وجعل حقه نورًا وجعل قصته شاهدًا لا يُنسى.
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه







