يوميات الكاتب النمساوي كارل ماركوس جاوس: إنقاذ اللحظة والخلود الزائف

كارل ماركوس جاوس
كارل ماركوس جاوس


أحمد الزناتى


كتبت قبل أربع سنوات في «بستان الكتب» مادة بعنوان رحلات في غرف مغلقة، تكلمت فيها عن ثلاثة كُتاب: جوزيف دي ميستر، وبيكيت وبول أوستر، وأشرت إلى كاتب نمساوي اسمه كارل ماركوس جاوس، يحذو الحذو نفسه في كتابه: رحلات في أرجاء حجرتي، وعمل يسبقه بعنوان (يوميات العالَم Alltag der Welt، وبترجمة حرفية: الحياة اليومية للعالم: عامان، وأكثر)، وعمل ثالث اسمه (فصول الأبدية: يوميات).

كارل ماركوس جاوس (مواليد 1954) كاتب نمساوي، يتخذ من يومياته الشخصية وتأملاته وقراءاته مادة للكتابة الأدبية، وقد برع في هذا الفن ونال عنه جوائز عدة. 

يصرُّ جاوس على الابتعاد عن الموضات الأدبية الذائعة، على عادته (لأن أكثر أعماله تمضي على هذه الوتيرة)، فيتّخذ من اليومي والعابر، ومن الذكريات الشخصية والطرائف، مادّة لتأمّل العالم تأملًا أكثر شمولًا، حيث يقول في المقدمة:" أكتبُ لأضمَّ شيئًا من هذا العالَم إلى نفسي، ولأنقذَ شيئًا مني في هذا العالَم" للوهلة الأولى ربطتُ بين العنوان ويوميات بيتر هاندكه (ثِقل العالَم)، وهو واحد من من أقرب كتب اليوميات إلى ذوقي وعقلي.

لكني وجدت أن الكتاب مقسم إلى فصول، وهو ما لا يروقني في كتب اليوميات، لأن فكرة التقسيم/التبويب ذاتها إلى موضوعات وثيمات تخرق الغلالة الشفافة الرقيقة التي تحيط بفنّ اليوميات، وتجمِّد هذا الخليط الممتزج الذي لا يُفهم إلا في مُجمله.   

يقدم جاوس في هذا الكتاب مزيجًا فريدًا من الملاحظات القصيرة، يعبر فيها عن دهشته أو نقده أو سخرية من معاصريه، كما يسلّط الضوء على أدباء من لغات وثقافات شتّى، أنجزوا أعمالًا عظيمة، ولم ينالوا حقهم الكافي من التقدير. ومع أن كتب اليوميات عمومًا، وهذا الكتاب خصوصًا، عصية على الإحاطة الشاملة، لكن ميزتها أنها تفتح ذراعيها للتأمل والتعليق.

سأبدأ بكلامه عن الشاعرة البولندية فيسوافا شمبورسكا، حيث يربط بين أسلوبها الشعري وبين رؤيته هو للأدب حيث يقول:"تنطوي قصائد فيسوافا شيمبورسكا على ظاهرة عجيبة؛ فيها نرى كلمات بسيطة تصوغ جُمَلًا بسيطة، ثم ما تلبث أن تبدأ هذه الجُمل، التي تتناول اليومي والعابر، في التحليق، وهكذا يغدو الثقيل خفيفًا، والمعقّد يسيرًا، والمعتم شفافًا، وهو ما تعجز عنه كثير من قصائد الحداثة المنغلقة على شفرات غامضة.

تعرف شمبورسكا كيف تصوغ ما يحرّكنا في لغة يجد إليها كل قارئ سبيلًا إذا منحها وقتًا وهدوء أعصاب وأناة. لم تخشَ شيمبورسكا طرح أسئلة الإنسان الأزلية ولا القضايا السياسية الراهنة؛ كتبت عن الحب والموت، وعن الحرب والاضطهاد، وعن الأشياء الصغيرة والأحداث الهامشية والمشاعر الخفية.

شِعرها فضاء لرؤية العالم من مسافة خبرة مريرة وناضجة في سنة 1995 نشرتُ دراسة مطوّلة عن شيمبورسكا، ومنذ ذلك الحين صار يُنظر إليَّ  بوصفي واحدًا من مفسّري قصائدها، مع أنني لم أكن يومًا كذلك كثيرًا ما دُعيت للكتابة أو الحديث عنها، لكنني كنت أرفض، فهي شاعرتي التي تمنيت أن يقرأها الجميع، غير أنّني لم أشأ أن أفسّرها حتى لنفسي، حيث يكفيني سحرها الذي لم أرغب في فك شفراته وما زلت حتى اليوم أفتح ديوانها (إلى اللقاء، إلى الغد) كل بضعة أشهر، فأقرأ قصيدتين أو ثلاثًا، فإذا كنتُ مضطرب الخاطر وجدتُ نفسي هادئًا مطمئنًا أليست هذه هي الأدبية التي تعين المرء على أن يحيا أفضل؟

تُبرز الفقرة السابقة جوهر تجربة قراءة شيمبورسكا؛ بمعنى اللغة الشعرية التي تحوّل المُعتم إلى شفاف، ناهيك عن قدرة الشعر على أن يخفّف ثقل الحياة ويعيد ترتيب الفوضى. هنا يظهر موقف جاوس الشخصي، فهو يرفض أن يفسّر أشعارها، أو أن يحوّل سحرها إلى مقالة نقدية.

لا ينبغي أن نحصر قيمة الأدب في تفسيره أو تحويله إلى نظرية، بل في تحوّله إلى جزء من الحياة اليومية مقولات وأبيات ترافق القاريء في لحظات عابرة، وتمنحه مسافة لتأمل العالَم، أو الأديب/الأدب الذي يعين المرء على عيش حياة أفضل. 


من بين الفقرات التي راقتني ما كتبَه عن كاتب نمساوي قابله جاوس بمحض المصادفة، وروى حكايته، وبالطبع يستطيع القاريء أن يحمل النص التالي على محمل الحقيقة أو الرمز والحكاية المُتخيلة حسب رؤيته للأمور، وليسمح لي القاريء فضلًا أن أنقلها كاملةً على طولها، يقول جاوس:

"التقيتُ مرة ثانية بذلك الكاتب الحزين "ب"، الذي شاءت الأقدار أن تسقط كتبه من قوائم النشر، وأن يُرفع اسمه في مراجعات النقد الأدبي. نشر الرجلُ في الثلاثين من عمره في أهمِّ دور النشر في البلاد، وكان أحد الأسماء التي عُدّت يومًا جزءًا من ما سُمّي بـ"المعجزة الأدبية النمساوية"، في الوقت الذي كان فيه "جونتر جراس" يغزو عالَم الأدب الناطق بالألمانية.

وفي الأربعين غيّر دار النشر، وفي الخمسين غيّر الدور أكثر من مرة، لينشر في دور نشر مغمورة. والآن، وقد ناهز السبعين، يجد صاحبي الكاتب عناء في أن يجد لنصوصه، التي لا يزال يواصل إنتاجها بلا كلل، موطأ قدمٍ في أي مؤسسة نشر.

لم تعجبني أعماله الأولى، التي وإن لم تحقق له ذيوع الصيت، لكنها نوهَّتْ باسمه وسط الناس على الأقل أمّا اليوم فلا يعجبني فيه أنه يمجّد الوَحدة، وسوء فهم الناس له بأسلوب متعجرف.

ولكن مما يُحسب له أنه ظلّ ثابتًا على موقفه طوال هذه السنين. لقد كَتَبَ صاحبنا حينما كان يجني مالًا من أعماله، وكَتَب حينما اضطر إلى طلب المِنح الأدبية، والعَيْش على إعانات الدولة، وكَتَب حينما غدت تلك الإعانات مجرد دعم رمزي لا يُسمن ولا يُغني من جوع لكني عندما قابلتُه في فيينا بدأ يجأر بالشكوى على الفور.
 
كانت الساعة العاشرة صباحًا، وكان متأنّقًا وكأنه نبيل ريفي، وبدا على الأرجح مثقلًا بصداع السُكِر من الليلة السابقة؛ راح ينوح على أنه لم يجد أيًّا من أعماله في مكتبة الحي، وأنه يجدر به لسلامه النفسي تجنب زيارة المكتبات والاقتصار على شراء الكتب من موقع أمازون.

وقفنا وسط ضجيج المرور الهادر من كل الجهات، وكنت أسمع صوته بالكاد، لكنني كنت أفهم جيدًا ما يعنيه. كانت شكواه أنّه من الجور الفادح أن يُتجاهل اليوم ولا يحظي بالتكريم الأدبي اللائق.

سمعتُه ولم أعلِّق وعندما مضيتُ وحدي، فكرتُ أنه لا أصعب على الكاتب من أن يذوق الموت المهني قبل موته بدنه. ثم تذكرتُ صديقًا أكبر سنًا، وهو موظف قضى أكثر من ثلاثين عامًا في الدائرة الحكومية نفسها.

وبعد ثلاثة أشهر من تقاعده، قادته قدماه بلا وعي إلى مقر عمله القديم، كأنّ روحه تاقت إلى مكتبه القديم، فدخل في زيارة غير مرتبة. لكنه ما إن دخل حتى لاحظ أن زملاءه رحبوا به ترحيبًا وديًا، لكنهم استغربوا قدومه، إذ أربكهم حضوره، واستغربوا أن يحنّ إلى عمله بعد تقاعده، بينما هم جميعًا يتوقون في أثناء عملهم إلى التقاعد! غادر صديقي المكان وهو في موقف لا يُحسد عليه.

وحينما سار في أروقة الدائرة الحكومية، أدرك ألا شيء يذكره، لا السلالم ولا المكاتب ولا الجدران لكن هل كان ينبغي أن يذكره شيء؟ عزيته يومها أنه حتى موظفة الكاشير في السوبر ماركت، التي قضت ثلاثين عامًا تمرّر بضائع الزبائن على الحزام الإلكتروني، لا تترك أثرًا لوجودها، ولا تعاني مثل معاناته. 

هكذا وعظتُه فالممرّض مثلًا يعرف أنّه ساعد كثيرين، والمعلمة تعرف أنّها تعيش قليلًا في ذاكرة تلاميذها (مع أنّ المرء يتذكّر المعلمين السيئين أكثر من الممتازين)، وربما تظنُّ موظفة الكاشير أنها تعيش في ذاكرة زبائنها الدائمين حينذاك قلتُ لنفسي: لا ينبغي لأحدٍ من هؤلاء أن يراوده شعور الفشل، حتى وإن تلاشى أثره، وخمد ذكره الفاشل وحده هو الكاتب "ب"، ومَن لفَّ لفّه من الكُتاب الذين لم ينجحوا في ترك ذكرى إنسانية تبقى بعدهم وإلّا: ما الذي بقي من شعراء القرن التاسع عشر، المشهورين والمجهولين منهم على حد سواء، مِمن أنفقوا أعمارهم في صقل أبياتهم؟ وإذا بالغت في السخاء والمدح: بقيتْ مختارات لا تتجاوز مئتي صفحة. أهذا فشل؟ من ينظم الشِعر عمرًا كاملًا لا يمكن أن يكون قد أخفق البتة" (انتهى الاقتباس).


أولًا: هل رأى القاريء في الفقرة السابقة أي تأنّق أسلوبي أو زخرفة أو استعارات أو حكايات غرائبية مُختلقة؟ ربما تكون الإجابة كاشفةً عن فهم جاوس للكتابة والأدب. ثانيًا: تطرح الفقرة مفارقة بين العمل العادي الذي لا يترك أثرًا بعد صاحبه، والعمل الفني الذي يُفترض أن يخلّد ذِكر صاحبه يقول جاوس إن الممرّض أو المعلم مثلًا، رغم تلاشي أثرهما الشخصي/المادي، لا ينبغي لهم الشعور بالفشل، لأنهم أدّوا دورهم في حياة الآخرين، حتى لو لم يُذكَروا بالاسم. أما الفنان أو الأديب، فدعواه مختلفة: لأنه يزعم أنّ فنه سيبقى بعده، وأنه سيترك شهادة على وجوده تتجاوز زمنه فإذا لم ينجح في ذلك، عُـــدَّ فاشلًا، أو بالأحرى أن نقول: عَـــدَّ نفسه فاشلًا، ولا أدل على ذلك من أدباء القرن التاسع عشر، الذين كرسوا حياتهم للكتابة، لكن ما بقي منهم لا يتجاوز مختارات محدودة، في اقتباسات تساعد الإنسان أحيانًا على تجاوز يومِه كما قال عن شيمبورسكا، رافضًا أن يُسمّى هذا فشلًا، لأن مجرد تكريس المرء حياته للإبداع هو إنجاز بحد ذاته، حتى لو لم يترك أثرًا ملموسًا بالمعنى الشائع الذائع في أذهان الناس. 
للشاعر أوكتافيو باث - فيما أذكر - جملة تقول: «يكفي للكاتب قاريء واحد مُحب، ومتفهم».

وهذا هو الأثر الذي صرتُ أبحث عنه أشعر بالسعادة عندما يقرأ قاريء شيئًا مما أكتب أو أترجم ويقول لي: شكرًا..، لقد عثرتُ في كتابك على فكرة ما، أو كنتَ سببًا في التخلّص من مشاعر القنوط والهمّ أذكر أنَّ أُمًّا بعثت إليَّ برسالة على منصة X؛ لأنها اشترت لولِدها المراهق المشاغب كتاب (أنت جواب السؤال: رسائل إلى الشباب) لهيرمان هسّه، وقالت إن الكتاب كان سببًا لانعقاد أواصر الثقة بينها وبين ابنها المراهق الجامح، وإنما كان ذلك بعد أن قرأ الاثنان تجارب هيرمان هسّه مع أولاده، وتعرَّفَا الكيفية التي تعامل بها الرجل مع مشكلات المراهقة. هنا شعرتُ بسعادة تفوق أي سعادة، سعادة الخروج عن الذات:  كل هذا لا قيمة له في مقابل أن يقول لك أحد: شكرًا، لأنك أنرتَ طريقي، أو ساعدتني بكلمة أو بفكرة. من فترة استدعيت لمدرسة ابني الأصغر لمناقشة مشكلة متصلة بسلوكيات المراهقة والتنمّر ضد زملاء الفصل، وتكلمت مع المشرف التربوي، اكتشفت أن الأولاد محتاجون إلى الكثير، اقترحت أنْ أحضر معي رواية "دميان" لهسه (الرجل قال لي: مين ده أصلاً وهيحلّ إيه ولا إيه!)، وأناقشها معهم أردتُ أن أتكلم مع الأولاد والبنات، لكني اكتشفت أن التحديات أقوى والمشكلات النفسية والأسرية عندهم مرعبة، لكني قررتُ المضي قدمًا في طريقٍ اخترتُه من سنوات.  

فكرت أن أول 3 أعمال أدبية كتبتها نالت جوائز داخل وخارج مصر، والحكاية مش فارقة معايا بجنيه، بل أنني لم أعد أذكر محتواها على رأي توماس بيرنهارد، اللهم إلا مشاهد بعينها، بعد أن كتبتُها وتأملتّها لاحقًا تركتْ بصمة على منظور رؤيتي للأمور. والمسألة برمتها لا تعكس أي قيمة جمالية أو أدبية لأي شيء، المهم أن تتركَ أثرًا إنسانيًا "مقبولًا على الأقل".  في مرحلة معينة على الإنسان أن يعرف أين يقف، وما دوره في الدنيا.

لعل أهم ما استخلصتُه من هذه اليوميات هو أن الكتابة ليست وعدًا بالخلود، وقد أشرتُ غير ذات مرة إلى كُتاب ألّفوا نصوصًا مهمة ولم ينشروا حرفًا طوال حياتهم. قد تكون الكتابة  - في مرحلة بعينها من مراحل حياة الكاتب – محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه: إنقاذ لحظة، أو فكرة، أو شعور، ثم يتطور الأمر ليكون محاولة مدّ يد العون إلى إنسان.

ليس من قبيل الفشل البتة أن يُنسى الكاتب، لكن الفشل الحقيقي – وفق كلام ك.م. جاوس - أن يتوقف، أو أن يكتب، ثم يتوقف لينتظر التصفيق والاحتفاء.صحيح أنَّ أي مبدع يتطلع إلى تقدير عمله، ولكن إلى أي حد؟ وماذا لو وافته المنيّة قبل أن ينشر أهمّ أعماله؟ لننظر إلى حال الكاتب (ب) في نصِّ جاوس؛ الكاتب الذي ركبه الهمّ والغم، وجأر بالشكوى، لأنه لم يجد أعماله على رفوف مكتبة الحي. 


أفكَر أحيانًا أن الأعمال الأدبية التي سيخلدها التاريخ خرجت من رحم ظروف لا علاقة لها بالفكرة المثالية للأديب؛ دوستويفسكي وهو يلهث وراء المال لسدّ رمق أسرته، وسدّ أفواه الدائنين، رواية البعث لتولستوي وهو يحاول أن يتطهر من خطايا الماضي الدنس، كافكا وهو يبحث عن حياة تُعاش في الكتابة، فينكبُّ على التأليف ليلًا بعد عودته من شركة التأمين. بعد خمسين سنة من اليوم وربما أقل لن يذكر أحد – في تقديري - توماس مان، أو ماركيز، وغيرهما.  

 يذهب عالم النفس النمساوي فيكور فرانكل إلى أن اليأس من العثور على معنى الحياة راجع في نهاية المطاف إلى إضفاء القداسة على قيمة واحدة مطلقة، وفي التشبّث بقيمة حياتية واحدة لا ثاني لها وهي بلا ريب قيمة نسبية، كما أنها ليست تحت أي ظرف من الظروف الطريقة الوحيدة لإعطاء معنى لأي عمل يؤديه الإنسان في حياته. 

في حالة الكاتب (ب) رأى الرجلُ أن قيمة حياته مرهونة بانتشار كتبه وذيوعها وتصفيق الآخرين، ورآها الموظف المتقاعد في القدرة على الذهاب العمل، والتفاف الناس حوله، وممارسة مهامه الوظيفة، وكم رأيتُ في حياتي ناطحات سحاب انهارت في لمح البصر، وحتى الركام لم يعثروا فيه على شيء ذي قيمة.