شجرة الفستق ..كيف نفهم إيران؟

شجرة الفستق
شجرة الفستق


الهضبة الإيرانية أرض التناقضات الصارخة: جبال شاهقة، وصحارٍ قاحلة، وصراعٌ دائم من أجل الماء. إنّها بيئة صعبة ومتطلّبة وشجرة الفستق لا تنمو فيها فحسب، بل تزدهر ويكمن سرّ حياتها فى نظام جذورها العميقة والمتشعّبة، التى يمكن أن تغوص وتتمدّد أمتارًا فى التربة الجافّة والمالحة حتى تثبت الشجرة بقوّةٍ وتمدّها بالغذاء، حيث تهلك النباتات الأخرى.

يمكن قراءة هذه الشجرة كاستعارةٍ للسلوك السياسى الإيراني، الذى يستمدّ مرجعيّته من الهوية الثقافية المصقولة بالشعر والفلسفة الفارسيّين، والمندمجة مع الإسلام الشيعي هذا التجذّر التاريخى العميق سمح للدولة الإيرانية باستيعاب الصدمات الخارجيّة، واستمداد القوّة من تاريخها الخاصّ، والحفاظ على هوية حضارية مميزة وغير منقطعة فى مواجهة التحدّيات، وتشكيل طابعها الأصيل. 




ومصطفى اللباد كان واعيًا لتلك الاستعارة، ولأمّةٍ أتقنت فنّ البقاء بحساباتٍ دقيقة، جعلتْها عارفةً للّحظة التى ينبغى فيها أن تنحنى أمام عواصف التاريخ لتحفظ نفسها – وفى أحيانٍ كثيرة نظامها – ثم النهوض من جديد.

قضى الدكتور مصطفى اللباد عدّة سنوات قبل وفاته فى الإعداد لهذا الكتاب، محاولًا تحليل ديناميّات تلك العلاقة، فى فترةٍ شهدت الكثير من التغيّرات السياسية فى الإقليم، مع انهيار أنظمةٍ وصعود أخرى.



يحلّل المؤلّف مئة عامٍ من التاريخ الإيرانى الحديث، كاشفًا عن إيقاعٍ دوريٍ من الصعود والانحدار، من التمدّد والانكماش، ومن الضغط الذى أنتج «الابتسامة الإيرانية» التى تُظهر مرونة خارجية، لكنّها تُخفى تخطيطًا استراتيجيًا عميقًا.



عمل استشرافيّ لن يراه مؤلِّفه معروضًا فى المكتبات، لكنّه يبقى إرثًا فكريًا لفهم بلدٍ هو لاعبٌ أساس فى تشكيل مستقبل الشرق الأوسط، أتقن فنّ المناورة والتخطيط الطويل وتفادى العواصف للبقاء على مرّ العصور.