ثمانية عناوين بين عامين: عينة عشوائية لأفضل قراءات 2025

عينة عشوائية لأفضل قراءات 2025
عينة عشوائية لأفضل قراءات 2025


محمد عبد النبى 


من بين قراءات العام الماضى، اخترتُ هنا ثمانية عناوين للاحتفاء بها، أربعة منها صدرت بالفعل فى 2025 وأربعة أخرى ستصدر خلال هذا العام، قرأتها فى صورة مخطوطات لسببٍ أو لآخَر. استبعدت بعض عناوين مهمَّة مِن قراءات العام الماضى، إمَّا لأنها لم تصدر فى 2025 أو لأننى ليس لدى ما أقوله حولها برغم إعجابى أو استمتاعى بها، وإذا كان الكتاب مخطوطًا فربما تكون مسألة نشره لم تُحسَم بعد أو لم يزل فى قيد التحرير والتطوير يمكن اعتبار هذه العناوين عينة عشوائية على ذوقى الذى لم يتخذ شكلًا نهائيًا بعد، وأتمنى ألَّا يحدث هذا أبدًا لكيلا يتكلس ويتجمد، وكل عام وأنتم أنأى عن التكلس والجمود وأقرب للحركة والبركة. 

مقطوعات على الحب والخوف
قصص، إيمان عبد الرحيم


منذ مجموعتها القصصية الأولى (الحجرات) دار نشر الكتب خان (جائزة ساويرس 2015)، وجدت إيمان عبد الرحيم صوتًا يخصها وعالمًا مميزًا تتحرك فيه بارتياح وثقة، وفى مجموعتها الثانية هذه التى تأخرت عشر سنوات، توغل أكثر فى ثيماتها المفضَّلة. قصص المجموعة مختلفة وشجاعة ومفتوحة على غرائب وكنوز اللاوعى والجنون وتداخل الوهم بالواقع لدرجة شديدة الإرباك يرتبط الاضطراب النفسى، فى بعض القصص، بالعلاقات الأسرية، فهناك أخ مريض نفسى لديه هلاوس تودى به إلى التهلكة فى سخونة يناير 2011، أو أخت تتردد على العيادات النفسية وأختها الراوية مهددة هى الأخرى بالاضطراب نفسه لكنها تتكاسل عن المتابعة مع الطبيب فتتلقى توبيخ الأم، وغالبًا ما تنفتح هذه الوحدات الأسرية المغلقة على العالم الخارجى والمجتمع الأوسع ككل من إحدى الزوايا، الثورة مثلًا أو أعراس عائلية فى مناطق ريفية، أو ما شابه. وهكذا نجد عالم القصة برمته يتلون بألوان الاضطراب النفسى ويتحوَّل دراميًا إلى شيء طيفى لا هو بالواقع ولا هو بالخيال، لا يمكن فيه تحديد الخطوط الفاصلة بوضوح بين الجنون الشخصى للفرد والجنون المجتمعى العام. 

شروط الوردة
قصص، مجدى القشاوى


برغم أنَّها المجموعة القصصية الأولى لكاتبها الأستاذ مجدى القشَّاوى، فهى تخلو تمامًا مِن أى شوائب قد تسم البدايات من قبيل الارتباك أو تجربة أكثر من أسلوب أوالانشغال بالذات وبعالم الكاتب الضيق ثمَّة عناية كبيرة باللغة والأسلوب جنبًا إلى جنب تشكيل العالَم والإنصات إلى أصوات الشخصيات. 

ومن الممكن فى رأيى قراءة قصص هذه المجموعة، الصادرة عن دار العين، من حيث العِلاقة بالطبيعة، والتى تتجاوز هنا كونها محيطًا كونيًا نسبحُ فيه أو موتيفات جميلة يستلهم منها الشُعراء والقُصَّاص صورهم البلاغية، كما أنها غير قاصرة على الصراع القديم بينها وبين الإنسان فى محاولة قهرها والسيطرة عليها. للعلاقة مع الطبيعة فى قصص مجدى القشاوى هنا طبقة اجتماعية ونفسية، تتمثَّل فى فِعل الناس مع الطبيعة ومشاركتهم حياتهم معها، فى الزرع والحصد والخروج للبحر أو زراعة الأسماك فى البحيرات، وطبقة أخرى جمالية تبين فى رصد الخطوط والألوان وحتَّى تدرجات الشمس وانعاكسها والريح والسحاب إلى آخر العناصر وهى ترتبط هنا بالفن والكتابة أساسًأ فى حركة تغذية تبادلية.

جنون مصرى قديم
رواية، طلال فيصل


أظنَّ أن رواية طلال فيصل الجديدة، والصادرة عن دار ديوان، تُعدُّ اختيارًا مثاليًا لعشَّاق الرواية التاريخية، لأنَّها مكتوبة بإخلاص شديد لشروط هذا النوع، حتَّى بذلك النوع من الإضافات الجانبية المشوّقة مثل عثور الراوى على مخطوط قديم مجهول الكاتب. رواية مكتوبة بسلاسة غير عادية، مع اقتراب كل فصل من إحدى الشخصيات بحيث نتعرَّف عليها جيدًا من غير أن يضرَّ هذا بتقدُّم الأحداث، ومع كل فصل تضاف طبقة جديدة فى الشخصية المركزية الغامضة للسلطان برسباى، الذى يشبه كثيرين من مجانين السُلطة ومتخصصى مصّ دماء الشعوب فى كل زمن ومكان. لم يتخلّ طلال فيصل بعد عن بعض التوابل الخاصة به، ظهور إحدى الشخصيات باسمه ويكون له دور الراوى غالبًا، وأيضًا خلط الروايات التاريخية الموثوقة باجتهادات شخصية تبدو لها قوة الوقائع. من بين طموحات الرواية المهدرة إمكانية التعمٌّق فى أسئلة مِن قبيل طبيعة التاريخ ومعناه، وما حدود دور المؤرخ، وكيف نختار ما يستحق التدوين والتأريخ؟ اكتفت الرواية فى خضم حبكتها المُسترسلة أن تمرَّ سريعًا على مثل تلك الأسئلة الكبرى، وإن لم تغفلها. 

الحالة السردية للوردة المسحورة، منى أبو النصر

هذا الكتاب، الصادر عن دار الشروق، ليس كتابًا نقديًا أو تنظيريًا بالمعنى المتعارف عليه، بل هو كتاب ينطلق من محبة الفن (الأدب والسينما والأغنية) من ناحية، ومحبة الورود والزهور من ناحية أخرى، واستطاع أن يمدَّ جسرًا بين الجانبين بارتياحٍ وخفة. من الممكن قراءته باعتباره نوعًا مِن الحصر والتوثيق والفهرسة، لأكبر عدد ممكن من الأعمال الفنية التى تستعين بموتيفة الورود أو مجازات الزهور المختلفة، وهو هكذا أقرب للأعمال التى تجمع أكبر عدد ممكن من الاقتباسات التى تدور حول معنى ما أو فكرة محدَّدة. وقد حشدت كاتبته منى أبو النصر عددًا هائلًا من الأعمال الأدبية والفنية، من الشرق والغرب، تنقلت بينها بخفة وبسرعة كأنها فراشة ذات نَهم تخشى أن يفوتها رحيق أى وردة منها، تلك الوردة التى بدت عبر تحوّلاتها اللانهائية كأنه قد تعنى كلَّ شيء وأيَّ شىء.