عزة سلطان
زخر عام 2025 بالعناوين المُميزة، والروايات التى جاء بعضها رائعًا ويحمل تجدداً لافتًا، إذ يبقى الإبداع الحقيقى هو الإرث الذى سيبقى وينفع، الروايات المتنوعة والمميزة لمبدعات ومبدعات تجعل فكرة اختيار عمل ليكون فى قائمة الأفضل فى العام أمر ليس يسيراً، ولكن هناك معيار آخر سوف أتعامل به، وهو ترتيب العمل بالنسبة لكاتبه، فأن تأتى رواية مميزة لكاتب له أكثر من عمل سابق، فهو أمر طبيعى، فعلى المبدع ان يطور من كتابته، وشخصيته الإبداعية، ولذا سيكون هذا هو معيارى عندما أقول أن «رهانات الأسلاف»، التى صدرت عن مؤسسة بيت الحكمة للثقافة فى مطلع العام 2025، أجدها من أفضل الروايات، فهى العمل الروائى الأول لممدوح حبيشى الذى أصدر مجموعته القصصية الأولى فى العام 1998 وهو بسن السادسة عشرة، ثم تابع حياته وسلك المسار الفنى كمخرج سينمائى وكاتب سيناريو وناقد سينمائى.
اختار حبيشى إفريقيا لتكون ساحة أحداثه مستدعيًا التاريخ فى خط درامى أساسى يوازيه خط آنى، مستحضرًا أساطير عرفتها نيجيريا، وخالقًا أساطير، حتى ان القارئ يكاد لا يميز بين الأساطير المعروفة فى التراث الشعبى النيجيرى والأساطير التى خلقها المؤلف.
تأثر حبيشى بعمله خاصة فى صناعة الأفلام الوثائقية فاعتمد قصة الملكة أمينة ملكة الهوسا والممالك السبع، لكنه صنع سيرة مُتخيلة تليق ببطلة، تنتصر بفضل مهاراتها الشخصية وذكائها ورضا الأسلاف الذين يدعمونها فى كل خطوة، هذا الانتصار الذى يدعم القيم العليا مثل: الخير والعدالة والجمال، فى حين يأتى الزمن الحاضر مكللًا بالقبح والقسوة والخراب.
ينتصر الماضى فى تبرير لا شعورى عن حالة النوستالجيا التى نعيشها جميعًا، والرغبة القوية المعلنة والدفينة فى العودة إلى الوراء، فى بنية سرد متماسكة وأساطير يجرى توطينها كواقع مُعاش، فيمتزج الخيال بالحقيقى، فلا يكاد القارئ يميز مواطن التخييل، مما جرى فى الواقع، لكنها قصة تُشبه تلك الحكايات التى تخرج من ألف ليلة وليلة، وكائنات خرافية تظهر لتساعد صاحب الحق، وجسد يُروى بالفولاذ ليدحض الأعداء، امرأة تخوض المعارك كأقوى الفرسان بينما يتساقط الخونة فى رحلتها، وينضم إليها من يدعم ويتعاون.
فى حين أن الحاضر حتى فى وجود معجزاتٍ، فإنها تنقلب ضد أمينة الحالية، التى تصير كل خطوة تدشيناً لمأساتها، وتصبح الجماعات الأصولية مسارًا للموت والظلم وتدشيناً لقبح العالم وقسوته.
تنجو الملكة أمينة فى الماضى، وتسقط أمينة فى الحاضر، رهانا من رهانات الحياة، يصورها ممدوح حبيشى بلغة مختلفة ومُميزة، تأخذ من روح التراث لكنها لا تنتسب إليه، حيث يُنتج الكاتب صوره الخاصة مستعيناً بقدرته السينمائية، فيرى القارئ الأحداث بشكل مشهدى، ليؤكد حبيشى أن السينما وضعت مظلتها على أشكال الكتابة الحديثة، إذ كلما شعر القارئ بأنه يرى ويعيش ما يقرأ كلما نجح المؤلف.
الاهتمام بالصورة فى الكتابة الإبداعية لم يعد ترفًا بل مكونًا أساسيًا فى الكتابة.
لا يقدم ممدوح حبيشى رموزًا بل إنه يجعل الرمز حدثًا مرويًا، بحيث يمكن تقديم مستويات عديدة للنص، فهو حكاية شيقة تعج بالأحداث والمعارك والكائنات الخرافية، والحوادث المعاصرة، وأيضًا هى سيرة مُتخيلة لأهم ملكات إفريقيا، توازيها بناء سردى لشخصية وكأنها انعكاس مقلوب لتلك الملكة ذات الانتصارات المدوية، العمل مكتنز بالرموز التراثية والقيمية، وجماليات اللغة والبناء السردى، فنحن بصدد رواية مختلفة ومُميزة وممتعة.
تفوق المؤلف فى عمله الأول وكأنه خزّن خبراته الإبداعية وفاض بها فى هذا العمل، فإزاء تكامل العناصر الروائية والحبكة المتماسكة منذ أول مشهد وحتى النهاية، يصعب أن يصدق القارئ أنها العمل الأول، لكننا تعودنا الدهشة والمفاجأة من أعمال أولى لأصحابها لكنها مُميزة ولافتة.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







