الخطاب النقدى المعاصر.. رؤى ومقاربات: مجابهة الخطابات الراهنة

الخطاب النقدى
الخطاب النقدى


د. أحمد الصغير

من الكتب النقدية الجديدة التى قرأتها فى عام 2025 كتاب الخطاب النقدى المعاصر للناقد المصرى عادل ضرغام (بتانة للنشر / القاهرة، 2025)،  وترجع أسباب اختيارى لهذا الكتاب 

أولا: أن الكتب النقدية المتخصصة قليلة فى وقتنا الراهن لأنها تتطلب جهداً معرفياً وبحثياً كبيراً. بخلاف غزارة الكتابات الروائية والشعرية والقصصية التى لا حدود لها، فيقف النقد مجابهاً لها منتقياً أنضجها فنياً لمقاربتها. 

ثانيا: يشتبك الناقد فى كتابه مع مجموعة من الخطابات الأدبية فى وقتنا الراهن محاولاً تفكيكها منهجياً وطرح مميزاتها وعيوبها، بالإضافة إلى أن النص النقدى هو جزء من أجزاء العملية الإبداعية بالأساس. 

ثالثا: أن جل المقاربات التى طرحها الكتاب هى مقاربات معاصرة تناقش قضايا النقد والإبداع فى وقتنا الراهن وبخاصة فى العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين. 

قضايا الكتاب 

يقول الناقد عادل ضرغام: «بداية لا أريد أن أفرق تفريقاً واضحاً بين نوعين من النقاد أو نوعين من المقاربة النقدية: الأول يعتمد فى قراءة النص الأدبى على منطلقات النظرية وتطبيقاتها بحذافيرها، أو البحث فى النص عما يتساوق مع أسس اشتغالها ومحدداتها فى أطرها العامة، مما يجعل المقاربة شبه ثابتة.

أما الآخر: فمنفتح على النصوص مشدود إلى العمل الأدبى على تنوعه، وانفتاحه على السابق واللاحق، أريد فقط تأمل هذين التوجهين وطبيعة المنطلقات أو العكاكيز التى يستند إليها أقطاب كل نوع أو توجه، ومدى تأثير هذه المنطلقات فى قراءة النص الأدبى، مما يجعلنا أمام توجهين فى القراءة، لكل توجه منهما مسلكه الخاص وأفقه الحيوى وحيزه الذى يتشكل فى إطاره ثم يحدد ضرغام الفارق بين النقاد من خلال كل ناقد ينتمى إلى مرحلة مختلفة سياسياً وثقافياً ومعرفياً واجتماعياً ومما يعزز كلام الناقد استشهاده بكتاب (المقاومة بالكتابة) لجابر عصفور، يتبين لنا أن ضرغام يفرق بين ناقدين مختلفين كل ناقد ينتمى لمرحلة معينة تفرض أسبابها وأدواتها وجوداً فنياً فى الخطاب النقدى، مما يمنح الناقد اختلافاً فكرياً وجمالياً فى عملية تلقى النص الأدبى، ففى كل مرحلة تنتج نقادها الملتحمين بلَحّمة الحياة والواقع. يطرح هذا الكتاب مجموعة من الرؤى والمقاربات النقدية التى اشتبكت مع الخطاب الإبداعى فى الشعر والرواية، والقصة والنقد الأدبى فى وقتنا الراهن، حيث تشكل قضية النوع الأدبى مورا رئيسا فى متن هذا الكتاب المهم فى ظنى، لأنه يناقش فكرة التلقى النقدى للنص، ومن ثم تتنوع أدوات القراءة بوصفها مدخلاً جوهرياً فى بنية النص، فقد جاء الكتاب فى ستة أقسام كالآتي: النقد الأدبى بين المنهجية والممارسة النصية، الثاني: قراءات فى كتب النقد الثقافى، الثالث: التأويل ودرس تداخل الشعرى والسردى وطبقاتها، الرابع، مقاربة الأدباء من خلال مطارد الشعر قراءة الشهيق والزفير لعبدالمنعم رمضان، الخامس مشكلة الهوية بين سيولة التوزع وتشكيل الاختيار، أما السادس فطرح قراءة فى نقد جابر عصفور الاحتشاد الثقافى والتناول الجمالى. أعتقد أن ضرغام فطن إلى جوهر اللعبة النقدية وهى الهجوم المباشر على النص محاولاً اقتناص أفكاره وتشكلاته السردية والجمالية، فكشف الكتاب عن ماهية المعرفى والجمالى فى كتابات عبدالمنعم رمضان الشعرية، وأيضا نقود جابر عصفور بين الثقافى والجمالى والتأويلى، محاولاً التمرد على المنهجيات النقدية الصارمة التى أطرت النقد تأطيراً زمنياً مغلفاً بالتحجر، فيأتى كتاب الخطاب النقدى، ليمارس ألاعيبه خارج المنهج محاولاً اختراع إجراءاتٍ منهجية تخصه تتوافق مع رؤاه النقدية فى قراءة النص الأدبى، ففى العقود الأخيرة من القرن الحادى والعشرين ازدادت مساحات التداخل والتماهى بين النظريات والمناهج النقدية، لأن النظريات بسبب عطائها المعرفى وتناسلها وتداخلها فيما بينها كوَّنت ما يمكن أن نسميه مداخل وإجراءات بها نوع من التماسك والصلابة.

تنماز هذه المقاربات بقدرتها على قراءة كل عمل أدبى على حدة، محاولة الوقوف على آلياته الفنية وخصوصيته الجمالية، فالنقد يتجه الآن على حد قول ضرغام إلى قراءة الخصوصية الثقافية لأدب الأقليات فى العالم لأن الأدب معنى بقضايا الهامش والأطراف الثقافية التى تتوزع فى جغرافيا تتناقض أشكالها ومعارفها. كما يرتكز ضرغام على تفكيك الخطاب النقدى المعاصر عن مجموعة من النقاد محاولاً الاشتباك مع نصوصهم النقدية وما بها من عوار منهجى من خلال التحجر الدماغى والنقدى الذى يعتمدون عليه. فجاءت مقاربات الناقد واضحة وجريئة تنتصر للقيمة النقدية والجمالية فى النص النقدى من جهة والمعرفية فى النص الأدبى من جهة ثانية.