الواقعة الخاصة بأموات أهله: رواية تمضى كما تمضى الحياة!

أخبار الادب
أخبار الادب


فوّاز عبد المحسن العباد

أمام الجبنة الزرقاء فى «كارفور»، تذكرت أمينة الرز. تفصيلة خرجت من رواية «الواقعة الخاصة بأموات أهله»، الصادرة عن دار تنمية للنشر والتوزيع، للكاتب محمد عبد الجواد، واعترضتنى كما لو أنها تعرف وجهتها.

سمعت عبدالجواد فى بودكاست يتحدث عن كتابته فصولًا من رواياته على هاتفه لم أكن أعرفه، ولم أقرأ له، لكن تلك الجملة أزاحت حرجًا قديمًا. كنت أكتب منذ سنوات على الجوال، ثم أمرر النص إلى اللابتوب، كأن المرور به شرط ليصير «نصًّا جادًّا». أفتح برنامج الـ»وورد»، أتوه فى الأيقونات، وأغلقه. وأعود إلى الآيفون.

التقيت بالرواية أول مرة فى معرض الرياض الدولى للكتاب؛ كانت آنذاك مجرد عنوان بين عناوين، ولم تعن لى شيئًا بعد القراءة، صارت تلك المصادفة تبدو لى مشهدًا مؤجلًا من الرواية نفسها.

العبارة الدارجة -ميتين أهله- التى يستعيرها العنوان تُنزَع من حدتها اليومية، وتستقر بوصفها توصيفًا لحياة تعرف موتاها، وتواصل السير. لا تسرد الرواية زمنًا، بقدر ما تتحرك فيه؛ تبدأ من حادثة، وتمتد عبر حوامل زمنية؛ تدور حول فقد لم يُحسَم؛ محاولةً إبقاء العالم قائمًا بعد اختفاء مركزه.

لو نُظر للتفاصيل، الأسماء، الوقائع، الأشياء، والمسارات الزمنية فى النص بوصفها «معلومات»، لأرهقته. لكن «الواقعة الخاصّة بأموات أهله» لا تكدس مادتها، بل تُعيد توزيعها؛ المشهد يمر أولًا؛ يظهر، ينسحب، ثم يعود فى موضعٍ آخر وقد تغير معناه. لا يُسمَح للتفصيلة أن تستولى على مركز السرد. هكذا تتحول الكثرة من عبء سردى إلى إيقاع، وتغدو الموسوعية سمة أسلوبية، لا استعراض معرفة.

يمثل حسين وأمينة الرز نقطتى عبور لهذا الفائض، كل بطريقته. ما يبدو، على مستوى البناء، نظامًا للتجميع والتوثيق، يتجسد فيهما طريقةَ عيش. لا تُكدَّس الأشياء حبًّا فيها، إنما خشية ما سيحدث إن غابت. المقتنيات، الصور، الحكايات المكرورة، الطقوس اليومية؛ هى بنية الشخصية الداخلية، وليست زوائد عليها.

والملاحظ أن الرواية تتفادى تحويل حسين الرز إلى رمز، كما تتفادى رفعه إلى أسطورة. يبقى إنسانًا: بثقله، بإسرافه، بتناقضاته، وبحضور لا ينطفئ بخروجه من الرواية؛ لأن عالمه كان أوسع من أن يُغلَق.

ملحق الصور، رغم جرأته، لم يُقنع. فتمثيل الشخصيات عبر وجوه ملتقطة من سوق المستعمل بدا إحالة ذهنية لاحقة، لا ضرورة سردية. النص وحده كان كافيًا ليجعل حسين الرز يقيم هرمه الخاص، كما يقول سيف الدين.

كتابة رواية أجيال فى مصر، ونجيب محفوظ فى الخلفية؛ امتحان وعيٍ وحدود.

لا يكتب محمد عبدالجواد تحت هذا الإرث، ولا يخاصمه؛ يكتب بجانبه. يعرف ما سبقه، ويدرك أن الإضافة لا تأتى من القطيعة، بل من حمل الزمن بلغة أخرى. لا تدين الرواية عصرها، ولا تُنظِّر له؛ تقف على مسافة شاهد يدرك أن الفهم أعمق من الإدانة. الأدب لا يشرح العالم، بل يتركه يتكشف.

كلما اشتقت إلى مصر، شاهدت حب البنات؛ ويخيل إليّ أن «الواقعة الخاصة بأموات أهله» ستكون رفيقة اشتياق قادم. تمتد الرواية عبر قرن: من وجوهٍ تحفظها الذاكرة بالأبيض والأسود، إلى أسماءٍ تلمع على مواقع التواصل؛ ومن مقبرةٍ عائلية إلى كوبرى يعبرها. الزمن هنا لا يتقدم، بل يعيد توزيع طبقاته، ويتركها تتجاور. لا شيء يُمحى، ولا شيء يبقى كما هو.

لا تُبنى الرواية على مفاجأة، ولا تُشد إلى ذروة؛ تمضى كما تمضى الحياة: تكرار، تآكل، وأثر يفلت من سببٍ واحد. تغلق «الواقعة الخاصة بأموات أهله» دورتها عند أقصى ما يمكن للرواية أن تبلغه: محاولة الإمساك بما لا يُمسك. «وأتارينى، ماسك الهوا بإيديا...»